الاقتصادي

الاتحاد

إنجاز الوحدة الاقتصادية والمالية يسبق الوحدة النقدية الخليجية

ديفيد دودج خلال المحاضرة في دبي أمس

ديفيد دودج خلال المحاضرة في دبي أمس

حث المحافظ السابق لمصرف كندا المركزي وعضو المجلس الاستشاري الدولي للمصرف المركزي الإماراتي ديفيد دودج أمس دول مجلس التعاون الخليجي العمل على إنجاز الوحدة الاقتصادية والمالية قبل الوصول إلى الوحدة النقدية والعملة الموحدة، لتحاشي السلبيات التي تتعرض لها منطقة اليورو حالياً.
وأكد دودج خلال محاضرة نظمتها “كلية دبي للإدارة الحكومية” أنه من الصعب للغاية الوصول إلى اتحاد نقدي من دون أن تكون هناك وحدة اقتصادية ومالية متينة في البداية، معتبرا ذلك هو الطريق المنطقي للتطبيق، على خلاف المنهجية التي اتبعتها الدول الأوربية في وحدتها النقدية التي أعقبت وحدة اقتصادية فقط وتجاهلت أهمية توحيد النظم المالية فيما بينها.
وحذر دودج من اتخاذ الوحدة النقدية في الاتحاد الأوروبي مرجعية للوحدة النقدية الخليجية، مشيراً إلى أن الاتحاد الأوروبي استطاع تحقيق الوحدة الاقتصادية لكنه عجز عن تحقيق الوحدة في النظام المالي بين الدول الأعضاء وانتقل بسرعة إلى الوحدة النقدية.
وأشار إلى أن التباين في مصالح بعض الدول الأعضاء الخاصة بالسياسات المالية أدت إلى ظهور العيوب الخطيرة في النظام المالي في منطقة اليورو، والتي تواجه تداعيات خطيرة نتيجة للازمة المالية العالمية، بحسب دودج.
جاءت المحاضرة بعنوان “بناء نظام مالي عالمي للقرن الواحد والعشرين”، والتي سلطت الضوء على عدم كفاءة القوانين الحالية للنظام المالي العالمي، وحددت أبرز الأسس التي يجب أن يقوم عليها النظام الجديد.
النظام المالي
وأكّد دودج، ضرورة أن يبادر صناع القرار السياسي والمالي ومسؤولو المصارف المركزية، إلى وضع إطار متفق عليه دولياً لقوانين النظام المالي وآليات سعر الصرف، بهدف مساعدة الحكومات على تحقيق صيغة أكثر عقلانية للوضع الاقتصادي العالمي.
وبرغم أن القوانين المالية العالمية والنقدية تعتبر مثار جدل واسع، فقد أظهرت الأزمة المالية العالمية، وفقاً للدكتور دودج، وجود ارتباط وثيق بين الاستقرار المالي المحلي والعالمي بالنسبة للعديد من الاقتصادات المتطورة والناشئة.
وأضاف أنه على الرغم من أن التركيز منصبّ حالياً على بناء اقتصاد عالمي أكثر توازناً، فهناك اعتقاد سائد حول صعوبة تحقيق ذلك في ظل الظروف الراهنة.
وأضاف: “لم تتضح التكاليف والآثار الاقتصادية للأزمة المالية العالمية تماماً بعد، وعليه لا يمكننا تقييم دقيق لشدتها قياساً بالنسبة للخسائر التي بلغت مليارات الدولارات في الأسواق أو ملايين الوظائف التي توقفت، نتيجة عمليات تسريح الموظفين وتدهور الأحوال المالية الشخصية. وفي ضوء ذلك، نحن بحاجة ماسة إلى إصلاح شامل يراعي الأسواق الرئيسية والسياسات التنظيمية وظروف البنية الأساسية”.
وتطرّق الدكتور دودج إلى التحديات التي قد تعيق الاتفاق على نظام مالي جديد، في ظل الحاجة الملحّة إلى صياغة نظام مالي جديد ووضع إطار موحد للقوانين المالية. وتابع قائلاً: “يشهد النظام المالي العالمي حاليا ظهور أقطاب جديدة، فإلى جانب العملات الرئيسية الكبرى، هناك عملات أخرى ناشئة لا بد من مراعاتها في أي إطار جديد.
وأضاف” بعيداً عن ذلك، هناك مشكلة قد يصعب التعامل معها وإيجاد الحلول الملائمة لها، وتتمثل في الطبيعة المتنوعة للمشاركين وتباين الروابط بين النظم الاقتصادية”.
وأكّد دودج الحاجة إلى استمرارية الأداء الاقتصادي، وأن أي نظام مالي مستقبلي يجب أن يراعي جوانب العلاقات النقدية المتبادلة كافة بين الدول المختلفة.
الصدمات الاقتصادية
واعتبر أن الأزمة المالية العالمية التي يعانيها العالم حالياً تعود بشكل رئيسي إلى فشل النظام العالمي في التكييف مع الصدمات الاقتصادية.
وأكد أن عدم وجود هيئة عالمية تعمل على التوفيق بين السياسات المالية في دول العالم لعب دورا كبيرا في تعظيم الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية، مشيراً إلى ضرورة تفعيل دور صندوق النقد الدولي للقيام بهذه المهمة.
وأوضح دودج أن عملية التكيف في النظام الاقتصادي العالمي لا بد أن تعتمد على نقل المخاطر بين الدول التي تتمتع بنمو اقتصادي قوي وبين الدول التي تواجه تراجعا اقتصاديا بحيث يتمكن الاقتصاد العالمي من التكييف في مواجهة الأزمات.
وقال “يجب على الاقتصادات التي تتمتع بمعدلات نمو قوية أن تترك آليات السوق لتحدد معدلات التضخم وقيمة عملاتها في حين أن الدول التي تواجه تراجعا اقتصاديا عليها أن تتقبل التراجع في معدلات التضخم، وحتى تراجع الأسعار، بالإضافة إلى تراجع قيمة عملتها.
وأضاف: هذا الوضع سيؤدي إلى تراجع صادرات الدول ذات النمو المرتفع بسبب ارتفاع العملة وبالتالي سيؤدي إلى تأثيرات عكسية على معدلات التضخم فيها، في المقابل سيؤدي ارتفاع قيمة الواردات في الدول ذات التراجع الاقتصادي إلى اللجوء إلى الإنتاج المحلي الرخيص ويدفع النمو الاقتصادي من جديد”.
وأكد أن هذا السيناريو هو الذي يؤدي إلى تعزيز قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف مع الأزمات، لكن التدخل الحكومي في كلتا المجموعتين خلال العقد الماضي أدى إلى زيادة تأثيرات الأزمة المالية، حيث إن الدول ذات النمو الاقتصادي القوي كانت تتدخل للسيطرة على التضخم وعلى قيمة عملتها وبالتالي ارتفع الفائض لديها بشدة. ولجأت هذه الدول إلى الاستثمار في السندات الحكومية، خاصة الأميركية والتي وفرت لديها القدرة على تقديم قروض بفائدة منخفضة جدا مما زاد الدين العام وديون الشركات والأفراد إلى مستويات خطيرة.
واعتبر دودج أن العالم يحتاج إلى العمل على ثلاثة محاور رئيسية لضمان قدرته على مواجهة الصدمات وهي إنشاء هيئة أو تعزيز دور صندوق النقد الدولي بهدف خلق آليات للتنسيق بين السياسات المالية في دول العالم، وزيادة درجة الشفافية في النظام المصرفي العالمي وأسواق المال، ووضع قواعد للتوفيق بين أسعار صرف العملات.
وأشار إلى أن العالم تحرك بسرعة في مواجهة الأزمة خلال عامي 2008 و2009 عن طريق مجموعة العشرين، حيث كان هناك تنسيق قوي بين الدول الكبرى لمواجهة الأزمة. لكنه حذر من أن هذا التنسيق بدأ يتراجع العام الماضي مع وجود مؤشرات على عودة النمو في الاقتصاد العالمي بفعل سياسات الإنقاذ، وإن كان هذا النمو ما زال ضعيفاً.
وحذر دودج من تراجع دور مجموعة العشرين وعدم اهتمام الحكومات بالاستمرار في التنسيق فيما بينها، مؤكداً ضرورة استمرار هذا التنسيق لضمان قدرة النظام العالمي على مواجهة الصدمات الاقتصادية.
من جانبه، قال الدكتور طارق يوسف، عميد كلية دبي للإدارة الحكومية: “لا شك في أن وضع نظام مالي جديد يعتبر أمراً في غاية الأهمية، ولكن التحدي المتمثل في التوصل إلى حلول عملية قابلة للتطبيق يتطلب تحديد أهداف واضحة تضمن في الوقت ذاته الاستقرار المالي وانضباط الأداء في الأسواق. وفي حين ينظر إلى هذه الأهداف عادةً على أنها أهداف تكميلية، إلا أن هذه الأهداف قد تتنافس فيما بينها، ولا سيما خلال الأزمات المالية الحادة”.
يذكر أن الدكتور ديفيد دودج بدأ مسيرته المهنية أستاذاً للاقتصاد بجامعة كوينز في كندا، وتقلد مناصب رفيعة في المؤسسة المركزية للرهن والإسكان، ومجلس مكافحة التضخم، ودائرة التوظيف والهجرة، ودائرة المالية بكندا.
وخلال الفترة من 1992 وحتى 1997 عمل كنائب لوزير المالية، كما عمل في مجلس إدارة مصرف كندا المركزي، وفي عام 1998 تم تعيينه نائباً لوزير الصحة، وهو منصب استمر في تقلده حتى تم تعيينه محافظاً لمصرف كندا المركزي في فبراير 2001، لفترة ولاية قدرها سبع سنوات، إلى أن تقاعد في شهر يناير 2008.
ويتولى الدكتور دودج حالياً منصب رئيس جامعة كوينز، كما يعمل مستشاراً رئيسياً لدى مؤسسة بينيت جونز أل.أل.بي، إحدى المؤسسات القانونية الرائدة في كندا. كما يشغل منصب عضو مجلس إدارة في الشركة الكندية للخدمات المحدودة، ومعهد سي.دي.هاو، والمعهد الكندي للأبحاث المتقدمة.

اقرأ أيضا

النفط يصعد والأسواق تتابع اجتماع «أوبك+»