صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

التضخم يضرب فنزويلا بقوة

اشترت العائلة الشابة منزل الأحلام منذ ست سنوات في حي لا كاستيلانا الأنيق بالعاصمة الفنزويلية كاراكاس التي كانت تُعد لعقود من أجمل المدن في أميركا اللاتينية، وذلك مقابل 1.5 مليون دولار.
الآن، تشهد هذه المدينة انهياراً متسارعاً، حيث تغرق شوارعها التي أصبحت غير آمنة بالمرة في ظلام دامس، مع توقف عدد من خطوط النقل العام الذي يربط أرجاء المدينة، وذلك بالإضافة إلى انقطاع المياه عن العديد من الأحياء.
وتشهد فنزويلا حالياً هروب رجال الأعمال وإغلاق المصانع والشركات؛ بسبب التضخم المفرط الذي تشهده البلاد والذي من المتوقع أن يصل إلى 13000% هذا العام.
في العام الماضي وبسبب تدهور الأوضاع في كاراكاس، هربت العائلة من منزلها في لا كاستيلانا إلى الولايات المتحدة، وباعت المنزل مقابل ثلث ما دفعته ثمناً له منذ ست سنوات. ومنذ ذلك الحين، تسارعت الهجرة الجماعية من هذه المدينة، مع هروب الفنزويليين مما يروه فشلاً حكومياً في إدارة البلاد، وكذلك من الانهيار الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال السنوات الخمس الماضية والذي بلغت نسبته 40%.
قليلون في فنزويلا يرون أن هناك أملاً في الإصلاح في حالة شهدت الانتخابات الرئاسية التي تعقد اليوم (الأحد) تغييراً لنظام الرئيس نيكولاس مادورو.
يقول أورا كورزو، الذي كان وكيلاً للعقارات في فنزويلا قبل أن يفر إلى كولومبيا مؤخراً: «هناك عدد هائل من العقارات معروضة للبيع لأن الجميع يريد أن يغادر البلاد».
منذ 15 عاماً فقط، كانت كاراكاس واحدة من عواصم أميركا اللاتينية الأكثر حداثة، وموطناً لأطول ناطحات السحاب في المنطقة، وتنعم بنظام مترو أنفاق أنيق وحرم جامعي وصفته هيئة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة بأنه «تحفة التخطيط الحضري الحديث». وفي المدينة أيضاً معرض خاص بأعمال الرسام العالمي بابلو بيكاسو وعلى مسرح تيريزا كارينيو الشهير قدم مغني الأوبرا الإيطالي الشهير لوسيانو بافاروتي عدداً من العروض، وكانت تنتشر أفرع لسلاسل المطاعم والمتاجر العالمية.
ويقول أنجيل لويس ليكونا، 32 عاماً، وهو محامٍ فر 10 من أقاربه من فنزويلا مؤخراً: «العيش في كاراكاس جحيم وغير إنساني، إنه لوضع سيئ للغاية يجعلك تعتقد أن الحكومة تتعمد إذلالنا».
وأصبحت الحياة الليلية الصاخبة التي كانت تشتهر بها كاراكاس في السابق لا تلقى أي اهتمام؛ بسبب ارتفاع معدلات الجريمة التي تعد من الأعلى في العالم حالياً.
في كاراكاس اليوم، تبحث العائلات في القمامة عن الطعام، والموظفون الحكوميون غير قادرين على الوصول إلى مكاتبهم؛ بسبب تداعي نظام المواصلات العامة.
وتقول يولمار توالا - 26 عاماً - إن عدم توفر الأموال لدفع ثمن استخدامها الحافلة للذهاب إلى العمل قد تسبب في انقطاعها عن العمل لأسابيع، «هذه المدينة ليست كاراكاس التي نعرفها. كنت معتادة على الخروج وشراء العديد من الأشياء لأطفالي. الآن، لا أستطيع شراء أي شيء».
وبسبب الانهيار الاقتصادي للمدينة، أغلقت عشرات المدارس الخاصة أبوابها مؤخراً. وقال أبيل سارايبا، وهو طبيب نفسي يعمل مع مجموعة لحقوق الأطفال في كاراكاس، إن المدرسين بشكل متزايد يعانون من القلق والاكتئاب ونوبات الهلع.
وأضاف: «في غالبية المدارس، شهدنا تدهوراً كبيراً في الصحة النفسية للمعلمين، إنها مرتبطة بفقدان الأمل».
ومما يزعج سكان كاراكاس بشكل خاص انهيار الخدمات. فالقمامة تتراكم في الشوارع التي تعيش في الظلام الدامس. كما تشهد مناطق متعددة من المدينة انقطاعاً مستمراً في المياه مما يخلق المفارقة القاسية بوجود شح في المياه في بلد يزخر بغابات الأمطار والأنهار.
وبينما يدخل الحي الذي يعيش فيه أنجيل لويس ليكونا شهره الثالث من دون مياه، يقول ليكونا إنه يعتذر عن الذهاب إلى العمل في بعض الأيام حتى يتمكن من زيارة الأصدقاء والأقارب في أحياء أخرى من المدينة ما زالت تنعم بوصول المياه، وذلك من أجل أن يملأ زجاجات بلاستيكية بالماء وينقلها إلى منزله، مشيراً إلى أن ذلك «يستنزف الكثير من الجهد والوقت».
وتذكرت الطبيبة البالغة من العمر 66 عاماً الوقوع في غرام شقتها المؤلفة من ثلاث غرف نوم، عندما دخلت إلى مبنى مُقام على تلة في شارع سكني هادئ وذلك منذ أكثر من 40 عاماً. وقد رفضت مؤخراً عرضاً بمبلغ 150 ألف دولار نظير شقتها، وهو مبلغ أقل مما دفعته مقابل الحصول عليها في عام 1975.
وقالت: «البلد الذي نشأت فيه لم يعد موجوداً. وسيستغرق الأمر جيلين على الأقل لتقف البلاد على قدميها من جديد. لا أعتقد أنني سأرى هذا اليوم في حياتي».
ومن ناحية أخرى يرى بعض العملاء والمشترين أن انهيار أسعار العقارات في كاراكاس فرصة جيدة للاستثمار، معتقدين أن التغيير يمكن أن يأتي إلى فنزويلا وتشهد العقارات ارتفاعاً في القيمة. فقد اشترى فريدي ميخاس، البالغ من العمر 50 عاماً، مؤخراً شقة بمبلغ يعادل 45 ألف دولار، وهذا حوالي ثُلث سعرها قبل ثلاث سنوات. وقال: «إنها فرصة مناسبة للاستثمار».
الوكيلة العقارية ماريا كاميو ليست على يقين من ذلك. ففي العام الماضي كانت وسيطاً في عمليات بيع لثلاثة عقارات فقط. وحالياً دخلها الأساسي يأتي من الإشراف على المنازل الخاوية، فتقوم برعاية النباتات وتضيء الأنوار لمنازل العملاء الذين غادروا فنزويلا وتركوا منازلهم بعد أن رفضوا البيع بأسعار رخيصة.
وقالت: «لن أستثمر في عقار»، مشيرة إلى أن بعض المباني يتم الاستيلاء عليها من غرباء بتشجيع من الحكومة التي تقر نظام وضع اليد. وأضافت: «بالنسبة لي، الاستثمار في سوق العقارات الآن يعد ضرباً من الجنون».

* الكاتب: ريان دوبي