الاتحاد

عربي ودولي

لسانا باتيلي وأحمد مرابط ينتصران للإسلام في فرنسا

احمد مرابط

احمد مرابط

فائزة مصطفى (باريس)
لم تغفل وسائل الإعلام الفرنسية الحديث عن ضحايا الاعتداءات الإرهابية من المسلمين. ففي الوقت الذي كانت تطارد الشرطة الفرنسية المتطرفين الثلاثة الذين استهدفوا الصحيفة الساخرة «شارلي ايبدو»، واحتجزوا الرهائن في متجر يهودي، وتحدث أحدهم لقناة «بي أف أم» الخاصة عن «تبني الاعتداءات باسم الإسلام»، كانت صورة الشرطي أحمد مرابط الذي قتل بدم بارد في الاعتداءات تتصدر الصفحات الأولى للجرائد والمجلات، التي ركزت أيضا على إبراز بسالة المالي لسانا باتيلي وهو يحرر أكثر من 15 رهينة، ووصفته بـ»المسلم الذي أنقذ حياة اليهود»، وذلك في اتجاه إعلامي لا يختلف عن الخطاب السياسي لقصر الإليزيه، حيث أوصى المسؤولون منذ بداية الأحداث بالوحدة الوطنية، وطالبوا بضرورة التفريق بين الإسلام والتطرف.
عائلة مرابط ترفض «إرهاب المجانين»
بعد نشر أول فيديو حول الاعتداء الإرهابي على «شارلي ايبدو»، ويظهر المشتبه فيهما الأخوان شريف وسعيد كواشي يرددون عبارة «لقد انتقمنا لرسولنا محمد»، عادت إلى الأذهان قضية محمد مراح المتهم بتنفيذ هجمات تولوز عام 2011، والذي راح ضحيتها عناصر من الشرطة وأطفال يهود، كما عاد موضوع الأسلاموفوبيا وتهديد المتشددين للأمن القومي، مع ما تلا ذلك من عملية قتل شرطية متدربة في حي مونروج الباريسي، واعتداءات طالت مراكز إسلامية وأكثر من 17 مسجدا في مختلف المدن، الأمر الذي دفع إلى ارتفاع الأصوات السياسية والدينية للدعوة إلى التهدئة، وعدم اللجوء إلى التهور والانتقام.
وربما ما أخمد ردود الفعل التي كانت ستأخذ منحى عنيفا بسبب ما وصف بالكارثة، هو كون الضحايا من أصول عربية ومسلمة، وانتشر إلى جانب هاشتاج « أنا شارلي » هاشتاج «أنا أحمد» على مواقع التواصل الاجتماعي في الإشارة إلى الشرطي أحمد مرابط، وهو من أصول جزائرية، وكان أحد ضحايا الهجوم على الصحيفة الساخرة، عندما قتل بدم بارد على الرصيف المقابل لمقرها وكيف غرس أحد المشتبه بهما، رصاصة في رأسه وهو ملقى جريحا..هذه الصورة التي وضعتها مجلة لوبوان الشهيرة في فرنسا، واختارت تاريخ الهجوم على الصحيفة الساخرة 7 يناير 2015 كعنوان عريض، وعلقت ببنط كبير تراجيديا تاريخية.
وفي جو مهيب، شيعت عائلة الشرطي أحمد مرابط ابنها في مقبرة بمنطقة ليفري غارغون بأحد الضواحي الباريسية، ووقف جمع من جيرانه وسكان الحي دقيقة صمت ترحما على روحه، وكانت العائلة عقدت مؤتمرا صحفيا انتقدت نشر صوره والفيديو الذي أظهر مقتله في وسائل الإعلام، كما تحدث شقيقه مالك وهو في حالة انهيار وتأثر وقال «كان أحمد رجل ملتزم، وكان يعيل عائلته منذ توفي والدنا منذ عشرين سنة..كان مرحا وزوجا محبا». ودعا إلى عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب، قائلا «المجانين لا لون ولا دين لهم».
باتيلي..أنقذ اليهود «لأن المركب واحد»
ولا يختلف اثنان أن قضية الهجوم على متجر يهودي في حي فانسان الجمعة، والتي قام بها أحميدي كوليبالي المتهم بقتل شرطية في حي مونروج بباريس، قد حولت مسار الأحداث، حيث ارتفعت الأصوات المناهضة للسامية، ودقت الجمعيات والمنظمات اليهودية، ناقوس الخطر، واعتبرته استهداف عنصري للأقلية اليهودية في فرنسا، وما زاد الطين بلة هو تصريح كوليبالي في اتصال هاتفي مع قناة «بي أف أم» التلفزيونية الخاصة قبل دقائق من مقتله، بأنه استهدف هذا المتجر كتضامن مع الفلسطينيين. وفي الوقت الذي اقتحمت فيه قوات الشرطة المتجر لتحرير الرهائن الذين قتل منهم أربعة أشخاص، واردته قتيلا بعدما حاول الخروج، لاحظت أن هناك عدداً كبيراً من الرهائن تمكنوا من الخروج سالمين، وهو ما تابعه الملايين من الفرنسيين عبر النقل التلفزيوني المباشر من مكان الاعتداء، وشاهدوا أكثر من 15 رهينة يفرون بينهم رجل يحمل طفلا رضيعا. وبينت التحقيقات أن عامل نظافة في المتجر لسانا باتيلي، قد أخفى هؤلاء الرهائن اليهود في مرآب، داخل صناديق كرتونية.
وباتيلي من أصول مالية ولا يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، قال لوسائل الإعلام الفرنسية «أنا مسلم أمارس شعائري الدينية، وأقوم بتأدية صلاتي داخل هذا المتجر، وقد أنقذت هؤلاء اليهود، لأنهم أخوتي، ليس لكونهم يهودا أو مسيحيين، أو مسلمين، إذا كنا على متن نفس السفينة تغرق، يجب أن نتعاون للخروج سالمين منها». وحتى العديد من وسائل الإعلام العبرية تحدثت عن شجاعته وأرجعت له الفضل في إنقاذ جاليتها في فرنسا. لكن هذا لم يمنع من تكتل المنظمات اليهودية التي اجتمعت مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند للبحث عن سبل لتأمين جاليتها المستهدفة حسب قولها من المتطرفين، في مختلف دول العالم.
القاتل والمقتول من أصل واحد
ورفع العديد من المشاركين في مسيرات التضامن التي تعرفها باريس منذ أيام صورة مصطفى وراد (60 عاما)، أحد أفراد أسرة صحيفة «شارلي ايبدو» الساخرة، الذي قضي هو الأخر رميا برصاص الأخوين كواشي في هجوم الأربعاء الماضي الذي أسفر عن 12 قتيلا. وخلال إقامته في فرنسا منذ عشرين عاما، عمل في الصحيفة مدققا لغويا، كما عمل مع دور نشر شهيرة حيث كان مولعا بالأدب والشعر والفنون، وقد قام زملاؤه المدققون اللغويون في جريدة لوموند بتأبينه في عدد خاص.
ومن المفارقة أن يقتل مصطفى الذي غادر الجزائر بسبب العشرية السوداء في التسعينيات من القرن الماضي، على يد جزائريين آخرين هما الأخوان سعيد وشريف كواشي، الأمر الذي دفع بالكثيرين من المسؤولين والمثقفين إلى ضرورة طرد الكليشيهات المعادية للإسلام، خاصة تلك التي تربط العنف والتعصب الديني بالمسلمين. فقد أثبتت الأحداث الأخيرة التي عرفتها باريس منذ أسبوع، أو التي حدثت من قبل، أن المسلمين الفرنسيين يدفعوا أيضا أرواحهم ثمنا للعمليات الإرهابية، فيما يتورط فيها أيضا فرنسيون من أصول عربية وإسلامية. وقد جددت السلطات الأمنية اتهامها لحركات مرتبطة بالقاعدة وتنظيم «داعش» بتمويل هؤلاء الشباب، وفي استغلالهم لمصلحة تنفيذ أجندتها داخل الأراضي الفرنسية والأوروبية.

اقرأ أيضا

وزير الطاقة الأميركي سيستقيل في الأول من ديسمبر