الجمعة 7 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

أميركا اللاتينية: جدل «المراقبة من السماء»!

أميركا اللاتينية: جدل «المراقبة من السماء»!
22 ابريل 2011 22:46
في شهر ديسمبر الماضي حط جسم طائر مجهول الهوية شبيه بما يعتقد الناس أنه كائنات فضائية أو أطباق طائرة، بالقرب من منزل "ريانا هينوخوس" في بلدة "إل باسو" بولاية تكساس الأميركية القريبة من الحدود مع المكسيك. وسرعان ما قام جيران "هينوخوس" بالتعاون من أجل جر الجسم إلى حديقة المنزل، ثم قاموا بإبلاغ الشرطة المحلية التي جاءت على عجل لاستكشاف الموضوع، فتبين أن الجسم الطائر ليس أكثر من طائرة صغيرة من دون طيار، وأنها من صناعة إسرائيلية تعتمد عليها الحكومة المكسيكية لمراقبة الحدود ورصد عمليات تهريب المخدرات والبشر إلى البلدين المجاورين، أي الولايات المتحدة وجواتيمالا. وحسب مسؤولي إدارة الجمارك الأميركية في تكساس، فإن الطائرة الصغيرة حطت بسلام ودون أن تتسبب في أي مشاكل من أي نوع، وفي وقت لاحق قامت السلطات بوضعها في شاحنة وبتسليمها إلى المسؤولين المكسيكيين. ورغم ما سببه الجسم الطائر من ترقب وحيرة في أوساط السكان المحليين، فإن "هينوخوس" لم تتفاجأ من استخدام السلطات الحكومية المكسيكية لمثل هذه الطائرات، وذلك لأنها على الأقل تشيع نوعاً من الأمن بين المواطنين، خاصة إذا ما علموا أن هناك عيناً تراقب التجاوزات التي قد تحدث من حين لآخر وتسهر على حمايتهم من بعيد، سواء تعلق الأمر بالطائرات المروحية التقليدية التي تجوب الأجواء بحثاً عن المجرمين والفارين من العدالة، أو بالطائرات الصغيرة من دون طيار فائقة التكنولوجيا التي ترصد عمليات التهريب وكافة أشكال النشاط الإجرامي وتحاصر عصابات المخدرات النشطة في هذا الجزء من العالم. والحقيقة أن العديد من بلدان أميركا اللاتينية قد بدأت خلال السنوات الأخيرة في الاعتماد على الطائرات الصغيرة من دون طيار، ومتقدمة الصنع، وذلك لمحاربة مشاكل تهريب المخدرات والعنف الإجرامي والنشاطات الأخرى غير القانونية؛ مثل قطع الأخشاب في الغابات المحمية، وبعض الأنشطة الأخرى الجائرة بحق البيئة وباقي الموارد الطبيعية. فمن كندا إلى البرازيل، تقوم إحدى عشرة دولة أميركية على الأقل باستخدام نوعية متطورة من الطائرات الصغيرة من دون طيار، والتي أخذت منذ بعض الوقت تجوب أجواء الجزء الغربي من الكرة الأرضية. وهي طائرات غالباً ما تكون ذات صناعة إسرائيلية بالأساس. ففي البرازيل على سبيل المثال، اشترى الجيش الوطني هناك، في شهر يناير الماضي، أول طائرتين من طراز "هرميس"، كما أن الشرطة الفيدرالية البرازيلية تدرس إمكانية القيام بنشر أول طائرات من دون طيار في البلاد، وذلك بحلول شهر يوليو المقبل على أبعد تقدير. ويعتقد الخبراء المختصون أن دخول الطائرات الصغيرة من دون طيار إلى عالم الشرطة والمراقبة الأمنية في دول أميركا اللاتينية سيبقى لمدد طويلة رغم كل النقاشات المفتوحة حول هذا الموضوع. وفي هذه اللحظة تحديداً ينصح المراقبون والخبراء الأمنيون دول أميركا اللاتينية التي تعتزم استخدام تلك الطائرات، بالاتفاق على نظام سلوكي معين يحول دون تسليح تلك الطائرات، وذلك لتبديد مخاوف الدول والمواطنين، وللتأكيد على أن نشاطها يقتصر على أعمال المراقبة ورصد المخالفات، وهو ما توضحه "جوهانا ماندلسون"، الخبيرة في شؤون أميركا اللاتينية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، قائلة: "أعتقد أن الأمر مرتبط بنضج المؤسسات الدفاعية في أميركا اللاتينية، وهو ما سيعطي الضمانات الضرورية لعدم إساءة استخدام الطائرات من دون طيار". وفي الوقت نفسه تحذر "ماندلسون" من أن مسألة تسليح تلك الطائرات قد تتحول إلى "سيف ذي حدين"، كونها ستخلق من الريبة والخشية في أوساط المواطنين، بقدرما تمنحه إياهم من الطمأنينة والشعور بالأمان. وبالإضافة إلى ذلك، يدعو السياسيون في أميركا اللاتينية إلى عقد اتفاق دولي ينظم استخدام الطائرات من دون طيار ويحدد مهامها على نحو واضح بما فيه الكفاية. وفي هذا الإطار، يقول السيناتور المكسيكي "فيرناندو بيزا" الذي يطالب بوضع قيود على جمع المعلومات: "يتعين وضع قوانين لتنظيم العملية برمتها، فالدقة العالية للمعلومات المتحصل عليها عبر الأقمار الصناعية يمكن توظيفها لأغراض جيدة، كما يمكن في الوقت ذاتها استغلالها لأغراض التجسس والإضرار بالدول الأخرى". ويصر المحللون على أن استخدام الطائرات من دون طيار يشكل مورداً مهماً في مساعدة المحققين الذين يقومون بعملهم على الأرض، فالطائرات تساعد في التشويش على الاتصالات ورصدها وتحديد موقع العدو واكتشاف مزارع المخدرات ومخابئ العصابات، كما تقوم بمراقبة الشرطة الوطنية وتحديد عناصر الفساد ضمنها... وهو ما يؤكده "إينيجو جيفارا"، الباحث في المجال الأمني بجامعة جورج تاون، قائلا: "رغم أن الحاجة ما زالت مستمرة للشرطة على الأرض لرصد واعتقال المجرمين والانخراط في معارك مع العصابات، لكن يمكن حماية رجال الأمن بشكل أكثر كفاءة إذا ما توافرت إمكانية للمراقبة من فوق". وإدراكاً منها لأهمية المراقبة من السماء، عملت واشنطن منذ شهر أغسطس الماضي على نشر عدد من الطائرات من دون طيار لمراقبة وتمشيط الحدود مع جارتها المكسيك، وهو الدور الذي اعترف به مجلس الأمن القومي المكسيكي في بيان قال فيه إن الطائرات الأميركية "كانت مفيدة بشكل خاص في إنجاز العديد من الأهداف المرتبطة بمحاربة الجريمة". وجاء هذا التوضيح بعد الجدل الذي أثارته صحيفة "نيويورك تايمز"، والتي كانت أول من كشف موضوع برنامج أميركي لنشر طائرات في السادس عشر من شهر مارس الماضي. وقد عمدت المكسيك نفسها على نشر طائراتها الخاصة، والتي وصل عددها إلى أكثر من ثلاثين طائرة من دون طيار، في مختلف مناطق البلاد، لتمتد هذه البرامج إلى الأرجنتين والبرازيل والإكوادور والتشيلي وكولومبيا والبيرو والأوروجواي وفنزويلا.ومما يجمع بين هذه البرامج الرقابية في تلك الدول عدم تسليح الطائرات والقيام باستخدامها في سرية تامة. وغالباً ما تكون الطائرات من دون طيار من صناعة شركات إسرائيلية؛ مثل قطاع الصناعات الفضائية الإسرائيلية التابعة للدولة، والذي باع طائرات "هيرون" إلى المكسيك والإكوادور، بل أقام القطاع الصناعي الإسرائيلي فروعاً له في البرازيل وكولومبيا والتشيلي، وذلك بغرض تسهيل إجراء الصفقات وتسليم الطائرات المطلوبة. هذا بالإضافة إلى شركة إسرائيلية أخرى تدعى "إلبيت سيتستمز" المختصة في تصنيع طائرات "هيرميس". وكانت الرئيسة البرازيلية قد دافعت علانية على استخدام الطائرات من دون طيار، حيث قالت ديلما روسيف خلال حملتها الانتخابية قبل عدة أشهر، "إن تلك الطائرات تسمح لنا بمراقبة نقل الأسلحة والمخدرات وأنواع التحركات الأخرى المشبوهة". وعدا عن إرسال السلطات البرازيلية لطائرات "هيرون" إلى المناطق الحدودية الممتدة والمجاورة لعشر دول، تدرس الشرطة البرازيلية حالياً إمكانية نشر طائرات أخرى فوق بعض المدن التي تعاني من معدلات عنف مرتفعة، وفي غابات الأمازون لمحاربة قطع الأشجار والاستغلال غير القانوني للموارد الطبيعية. ولمنع نشوء خلافات مع الجيران وباقي دول المنطقة، تقوم البرازيل حالياً بالتفاوض مع كولومبيا وبوليفيا والبرجواي، حول سياسية موحدة تسمح لتلك الدول باستخدام الطائرات الصغيرة من دون طيار، على أن يتم اطلاع الحكومات المعنية على المعلومات اللازمة حول مهمات الطلعات، وعلى أماكن تحليق تلك الطائرات ومواعيدها الزمنية، وخلاف ذلك. ناشا كتان وتايلور بارنز - المكسيك ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©