الاتحاد

دنيا

أخت موسى.. حفظته صغيراً وأعادته إلى أمه

عُرفت أخت نبي الله تعالى موسى عليه السلام بأنها فتاة ذكية، ولمَّاحة، ومطيعة لأمها، وبارة بأخيها، وكان لها أثر كبير في حياة موسى، تفانت في حب أمها، وكانت خير معين لأمها التي واجهت ظروفاً صعبة في حياتها، واستطاعت الأم والابنة أن تحققاً الكثير من الأهداف، ومن أهمها الحفاظ على نبي الله موسي عليه السلام.
اختلف العلماء والمفسرون في اسم أخت موسى عليه السلام، حيث ذكر الإمام القرطبي أن أخت موسى، هي: مريم بنت عمران، ليست أم عيسى عليه السلام، لكنه توافق أسماء، وذكر الماوردي عن الضحاك: أن اسمها «كلثمة»، وقال السهيلي: اسمها «كلثوم».
نشأت أخت موسى في أسرة مؤمنة، ووضعت أمام عينيها هدفاً نبيلاً سامياً، وهو إرضاء ربها في إرضاء أمها والبر بها، ولأنها أطاعت أمر ربها في أمها كان التوفيق حليفها في كل المهام الموكلة إليها، فبإيمانها استطاعت أن تثبت أمام حاشية فرعون، وبذكائها استطاعت أن ترجع أخاها الوليد إلى أمه مرة أخرى.
تحمل المسؤولية
وكانت «كلثمة» فتاة عاقلة، مؤمنة مطيعة، على قدر عال من الإيمان والذكاء وتحمل المسؤولية، وكانت هي الأخت الكبرى يليها أخوها هارون ثم أخوها موسى، وقد وقفت بجوار أمها لحظة أن وضعت وليدها- موسى- الذي كان محكوماً عليه بالذبح، لولا أن تعهدته أخته منذ لحظة ميلاده بالرعاية والاهتمام حتى لا يصدر منه صوت، فتكون نهايته، فقد كان جواسيس فرعون الطاغية في كل مكان على الأبواب ليقتلوا كل طفل يولد، لأن عرافاً أخبر فرعون بأنه يولد طفل يهدد عرشه.
ذكرها الله عز وجل في القرآن الكريم في الآية الأربعين من سورة طه: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، «سورة طه: الآية 40»، كما ذكرها في الآية الثانية عشرة من سورة القصص: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)، «سورة القصص: الآيتين 11 - 12».
عين بصيرة
حينما استجابت أم موسى لأمر الله تعالى بأن تهيئ لأبنها موسى صندوقاً، وأن تضعه فيه، ثم تلقى به في النيل، أرسلت أخته لتعقب أثره، وكانت الفتاة صاحبة عين بصيرة، فلم تغفل عن أخيها لحظة واحدة، وأخذت ترقبه بطرف عينها من بُعد، ولم تدن منه ولم تقترب، لئلا يُشك بصلته بها، فمن ذكائها كانت تمشي جانبا وتنظر اختلاسا كأنها لا تنظره (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ...)، «سورة طه: الآية 40»، أي تمشي على حافة النهر تتبعك، عينها على التابوت خوفاً عليك، (فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، فمن حسن صنيعها وذكائها لا يشعرون أنها ترقبه، ولا بأنها أخته، وهذا من فطنتها، وأخذها الحيطة والحذر.
امرأة فرعون
وظلَّت أخت موسى تتعقب أثر أخيها حتى رأت امرأة فرعون، وهي تأمر خدمها أن يأتوا بالصندوق العائم في النيل، وعندما عرفت أن طفلاً فيه، طلبت رؤيته فأحبته، ثم طلبت من زوجها فرعون أن يتبنيا الطفل ليكون ابناً لهما، وحاولت زوجة فرعون أن تجعل المراضع يرضعن الطفل، ولكنه عاف المراضع، ولما رأت أخت موسى حيرة فرعون وزوجته عندما امتنع الطفل عن المراضع، استغلت هذه الفرصة، فدخلت وعرضت، وتكلمت بهدوء: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ...)، «سورة القصص: الآية 12»، ومن حرصها وتلهفها على أخيها، زادت فقالت: (.. وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)، «سورة القصص: الآية 12»، وهنا شَكُّوا أنها تعرفه، فبادروها: وما يدريك أنهم له ناصحون؟! فتداركت وأجابت بسرعة وذكاء: إنما أردت أنهم ناصحون للملك. فقالوا لها: من هم؟ قالت: أمي، قالوا: وهل لأمك ابن؟
قالت: نعم هارون وُلد في سنة لا يُقتل فيها الولدان؟ قالوا: صدقت فَأْتِ بِهَا، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها، فانطلقت أمها معها حتى أتتهم، فناولوها إياه، فلما وضعته في حجرها أخذ ثديها يرضع، وعندئذ طلب منها فرعون أن تتكفل بالطفل، وأعطاها رزقاً على ذلك، فرجعت بوليدها إلى بيتها، والسعادة تغمر جوانب قلبها هي وابنتها، فقد كافأها الله تعالى على إيمانها وصبرها، وأتمت الأم رضاع ابنها موسى، ثم أرسلته إلى القصر الفرعوني.
(القاهرة الاتحاد)

اقرأ أيضا