صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

وداعا ايتها السماء سيـــــــرة ذاتية من مصحة نفسية

رواية ''وداعا أيتها السماء'' الصادرة عن دار ''ميريت'' بالقاهرة من الأعمال الروائية اللافتة التي صدرت في مصر مؤخرا، بل وأكثرها إثارة للجدل خصوصا بين الكتاب والروائيين الشباب، فالبعض يتحمس لها باعتبارها إضافة مهمة لمنجز الرواية الجديدة، الشابة في مصر، وإنها عمل روائي يتمتع بالشجاعة والجرأة في تناول مواضيع ومآزق ومواقف إنسانية مازالت محرمة ومجرمة في الرواية والادب العربي عموما، وكونها تقدم تجربة في كتابة السيرة الذاتية وضعها في معترك الرواية المصرية في الفترة الراهنة، حيث ان الانشغال بكتابة السيرة الذاتية يعتبر من اهم معالمها· وفي المقابل فإن البعض ينتقدها ويهاجمها باعتبارها تعبيرات عن نظرة استشراقية فضائحية غرضها الذيوع والشهرة في الغرب ولو على حساب مهاجمة الدين والثقافة العربية والاسلامية والتركيز على بعض مظاهر التخلف والجهل!
هذا التباين بدأ كحوار ادبي نقدي عبر عن نفسه بهدوء في مقال الروائي محمود الورداني الذي امتدح الرواية واعتبرها إضافة مهمة في فهم العلاقة بالغرب، ومقال المدونة المصرية اسماء شهاب الدين الذي انتقد الرواية واخذ عليها ما اعتبره فضائحية وإباحية وتعريضا بتقاليد الحياة العربية الاسلامية في العرض والاسلوب واللغة، وسرعان ما تحول الأمر الى عراك وصل الى حد التطاول على المؤلف واتهامه بالصهيونية عبر شبكة ''الانترنت'' مما سبب له مشكل على مستوى محيطه الاجتماعي والأسري خصوصا مع ربط الرواية بأحداث وشخصيات في محيطيه الأسري والاجتماعي وحتى الأكاديمي، وبلغ الأمر ذروته بالنسبة له حينما اتهمه روائي مصري شاب ينتمي الى نفس قريته بالعمالة لاسرائيل واقتطاع أجزاء من الرواية وقراءتها على اهالي القرية بمن فيهم والد المؤلف وأقاربه لتحريضهم عليه على اعتبار ان الرواية تفشي خصوصيات وأسرار حياتهم·
سيرة الراوي
حامد عبدالصمد مؤلف ''وداعا أيتها السماء'' شاب مصري من مواليد ،1970 نشأ في أسره قروية بسيطة، ووالده كان ومازال إماما وخطيبا لجامع القرية، ودرس الابتدائي والاعدادي في قريته شمال غرب القاهرة، وانتقل للعاصمة لدراسة اللغات، وفيها استقر واشتغل في إحدى الشركات السياحية، وأثناء العمل والتجوال بالاماكن والمدن والمنتجعات السياحية والأثرية في مصر تعرف على سيدة المانية وأحبها وانتقل معها الى المانيا بحجة ظاهرة هي مواصلة الدراسة وحجة خفية هي رعاية او مواصلة الحب الوليد في ظروف أكثر حرية وانفتاحا، ولكنهما اختلفا في برلين، واتضح لكليهما مدى اختلافه وتباينه حضاريا وثقافيا وحتى نفسيا ومزاجيا عن الآخر، وكل منهما تحصن بثقافته ورأى الآخر على النقيض، هو من ناحيته تحول إمامها الى مدافع عنيف عن كل مظاهر الثقافة والحياة الاسلامية، بينما في الليل حينما يختلي بنفسه ينكب على المحرمات، وبالطبع لم يطيقا هذا الوضع القائم على الشك والكراهية المتبادلة طويلا وسرعان ما انفصلا، وواصل هو رحلته في الغرب حتى استقر به المقام استاذا للتاريخ الاسلامي في احدى الجامعات الالمانية·
سيرة الرواية
والرواية ''وداعا أيتها السماء'' ليست بعيدة عن هذه الرحلة، بل إنها في قلبها، فهي سيرة ذاتية، كتبها مؤلفها اولا بالالمانية اثناء احتجازه في إحدى المصحات النفسية ثم اعاد كتابتها بالعربية، ويتتبع فيها مسيرته في المانيا وتخبطه النفسي الذي أوصله مرات الى مستشفيات الامراض العقلية، والظروف التي أدت به الى اقصى الارض حيث اليابان، وحيث امراة، الحب الجديد، الشابة الجميلة ذات الاصلين الياباني والدنماركي الذي ضبط ميزان حياته ووجوده، وعاد به الى المانيا اكثر تصالحا مع الحياة وإقبالا عليها على الاقل فيما بدا حتى نهاية الرواية·
والرواية تتبع هذه الرحلة، واهم ما يميزها العفوية والشجاعة في الاعتراف والتخفف من الشروط الادبية الروائية الصارمة، غير ان ما أثار اللغط حولها أكثر هي تلك المشاهد والاحداث التي نقلها الروائي من حياته في مصر، وتحديدا من محيط وأسرار قريته الواقعة على مشارف القاهرة، وهي الاحداث والافكار التي تظهر حيرته الايمانية في فترة صباه ومراهقته، وطبعا مشهد الاغتصاب الجنسي العنيف الذي تعرض له بطل الرواية مرتين وترك في نفسه وذاكرته آثارا غائرة ظلت تطارده طوال هذه الرحلة·
ورغم ان الرواية حظيت بمناقشات ومساجلات مطولة على الانترنت وفي الجلسات الخاصة، فإنها، ربما بسبب إقامة المؤلف في المانيا، لم تناقش إلا في ندوة واحدة بالقاهرة غلب عليها الشباب حضورا وكلاما، ولم تذهب بعيدا عن السجال الاجتماعي والقروي والعائلي الدائر حولها، وتناول فيها الروائي سعيد نوح ما سماه ''الرؤية المغايرة لعلاقة الشرق بالغرب في الرواية''، وقال انها لا تلعب على الكليشيهات المعروفة او المحفوظة في المواجهة بين القطبين، وانما تقدم بطلا مأزوما في داخله وفي شرقيته ويسعى للاحتواء من امراة ايا كانت شرقية او غربية، والجديد في هذه الرواية ليس فكرتها وانما شخصيتها اللابطولية ان صح التعبير والتي تقدم نوعا جديدا ومناقضا للذكورة ·
وركز الروائي الشاب احمد مجدي على ما اعتبره حماس جيل الشباب للرواية، وقال انها عبرت عنهم وعن معاناتهم ومآزقهم وأسئلتهم بطريقة صادقة جعلتهم يتوحدون معها، وهي من ناحية أخرى تبدو شديدة الصلة وأيضا التأثر بواقع الرواية المصرية الحالية خصوصا في محطات من السيرة الذاتية بلغة سهلة وبسيطة وفي منتهى الجرأة