الأحد 4 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

بروين حبيب: جاوِرْ القارئ.. تقرأ

بروين حبيب: جاوِرْ القارئ.. تقرأ
26 يونيو 2017 21:02
فاطمة عطفة (أبوظبي)

تمتاز القراءة بأهمية بالغة لدى الشاعرة والإعلامية البحرينية بروين حبيب، ومن خلال تجربتها الغنية في صحبة الكتاب تقول: «ليس سهلاً أن تمسك كتاباً وتبدأ بقراءته ثم تمضي فيه حتى النهاية، لأن مهمة القراءة صعبة، تبدأ من مواجهة أعباء الحياة التي تقف بيننا وبين الكتاب».
وتضيف: «الأمر ليس متعلقاًً بغلاء الكتب ولا بعدم توافرها، لكنه أمر آخر يفسره البعض بحماسة القراءة، بينما يعطيه علم النّفس الحديث تفسير (التّضحية)»، لافتة إلى أنه حين يتوافر الكتاب تصبح الذريعة الأولى لعدم قراءته عدم توافر الوقت.

تعتقد الشاعرة بروين حبيب، إن السبب الثاني الكامن وراء صعوبة القراءة هو التعب بعد يوم شاق وطويل، حيث تصبح القراءة شبيهة بالعقاب المسائي، لأن ما يحتاجه المرء بعد جهده اليومي من أجل لقمة العيش هو أن يسترخي أمام شاشة التلفزيون لتعطيه متعة آنية بالصورة والصوت أو شاشة الإنترنت لـ (يدردش) مع من يحب قبل النوم.
وتقول: في مجتمعاتنا العربية، يبدو الكتاب ذكرى غير مريحة في الذاكرة، مرجعةً السبب إلى أننا، بشكل ما، نربط النجاح في الحياة بالقراءة، ونردد يومياً أمام أجيال من أبنائنا أنهم فشلوا لأنهم لا يقرؤون. أعتقد أن فوبيا الكتب بدأت من هنا، لأن التعليم أصبح مؤلماً وكأنه نوع من العقاب.
وتشير هنا إلى الحالة النفسية، مؤكدة أن الإنسان لا يمكنه أن يتغير بأساليب قمعية، موضحة أن القراءة سلوك جميل، إن عرفنا كيف نزرعه في أولادنا. وتعود بروين إلى البداية قائلة: لا يمكن أن نختار نحن الكتاب ونفرضه على أولادنا، بل يستحسن أن يحب الطفل المكتبة أولاً، ويعتبر زيارتها مكاناً جميلاً للمتعة، وعليه أيضاً أن يشارك في اختيار ما سيقرأه، ليشعر أن الأمر لم يفرض عليه، وكلما بدأنا بتدريبه باكراً على القراءة كانت النتائج أفضل.
والشاعرة حبيب، ترى أن الأمر فاتنا كثيراً الآن، لأننا في مرحلة متقدمة من العمر، والمعضلة تخصنا نحن وليس أولادنا، فالمعضلة هي حين نبدأ بقراءة كتاب، فتبدأ الأفكار المرتبطة بأعباء الحياة تهطل علينا كمطر غزير، فتملأ الصفحة الأولى بكل مشاغلنا اليومية، بدءاً بما يجب أن نشتريه من السوق، إلى ماذا سنطبخ.. إلى كيف سنمر عند مصلح السيارة، إلى أمور أخرى قد تكون لا شيء... ومنها، مثلاً، أن يخطر ببالك صديق قديم لم تتصل به، فتقرع الفكرة في رأسك لتتصل به بعد ساعة، ثم تنتبه أنّك كنت تقرأ ولم تستوعب الفكرة تماماً. شيء ما يجعلك تشعر بلا جدوى القراءة في ذلك الوقت بالذات، فتغلق كتابك وتضعه جانباً، ثم تنساه أياماً عدة، قبل أن تعاود المحاولة مرة أخرى وتنتهي بالفشل نفسه!
وتتساءل بروين: ما الذي يحدث بالتفصيل؟ ثم تستشهد بقول الدكتور فريدريك فونجيه، أحد أطباء الأعصاب المعروفين في فرنسا، إن «عدم القدرة على القراءة من أهم علامات مرض الاكتئاب»، مبينة أن المكتئب لا يمكن أن يقرأ أو يركز على ما يقرأ، ولا يمكنه أن يمضي في متابعة الحكاية المكتوبة والقلق الداخلي يفترسه بشراسة.
وتشير إلى طبيب آخر اهتم بالموضوع هو آلان براكونيي الذي يقول إن العقل الحر فقط بإمكانه أن يقرأ. وكلما حوصر العقل وطوّق بأنواع مختلفة من القضبان، فإنه ينتهي لا محالة، مؤكدة أن أهم الأسباب التي تجعل الشخص يقرأ هي الحرية والسعادة.
وتضيف بروين: على هذا الأساس يمكننا أن نستخلص أننا شعوب حزينة ومكتئبة ومسلوبة الحرية. وهذا لا يعني أنني أفسر الماء بالماء، بل يعني أن الحل في أيدينا إنْ رمينا «العصا» الوهمية التي نهدد بها أنفسنا ونحول بها حياتنا إلى جحيم.
وتبين أن القراءة هي بالفعل اختلاء بالذات ومواجهة لها. وأولئك الخائفون من الوحدة والعزلة يستحيل أن يجلسوا مع ذواتهم، ولو لنصف ساعة. وترى أن خبايا النّفس كثيرة ومعقدة، لكن من حسن حظنا أننا نعيش في زمن تطور فيه العلم ويعالج أغلب متاعبنا بطرق سهلة في متناول الجميع، لافتة إلى أن الأدب نتاج للمخيلة النشيطة، والقراءة مرتبطة بشكل وثيق بهذه المخيلة، وهي رفيقة القارئ ليرى الصور واضحة للمنتوج اللغوي الذي أمامه.
وتتساءل بروين: لكن من يعرف مقدار المخاطرة التي تنتجها اللغة؟
وتجيب: كل كتاب مغامرة في حد ذاتها، إنّها وجه من وجوه الحياة بكل خباياها وآلامها وأفراحها، والبعض منا يشعر بالخوف من دخول تلك المغامرة.
وتختتم الشاعرة حديثها مؤكدة: أنه لا مثيل لإغواءات الكتب لمن علق في سطوتها ولذتها، إنها لعبة جميلة لا خسائر فيها أبداً حتى حين نقرأ كتاباً مخيباً لآمالنا. وهي ترى أن أقوى علاج لمشكلة فقدان الرّغبة في القراءة هي أن نقترب من أشخاص يقرؤون بكثرة، فالمثل يقول جاور السّعيد تسعد، وجاور القارئ تقرأ، وجاور الفهمان تفهم، وعلينا أن نبقى متفائلين.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©