الاتحاد

تقارير

بوتين.. ومحاولة السيطرة على «الإنترنت»

جوشوا كيتنج
محلل سياسي أميركي

رداً على سؤال طرح عليه خلال منتدى عقد في سان بطرسبرج حول «ياندكس» أكبر محرك بحث في روسيا والذي يخزن بياناته على خوادم خارج روسيا، قال بوتين إن «الإنترنت» هو في الأصل «مشروع وكالة الاستخبارات الأميركية» وأنه «ما زال يتطور على هذا النحو».
غير أن عميل الـ «كي. جي. بي» السابق ليس مخطئاً تماماً. فأصول الإنترنت تعود إلى أنظمة تبادل المعلومات التي طورتها المخابرات الأميركية في الثمانينات. ولعل بوتين كان يواكب آخر موسم لـ «الأميركيين» الذي كان يدور إلى حد كبير حول الجواسيس الروس الذين يحاولون الوصول إلى «أربانت» (شبكة وكالة مشاريع البحوث المتقدمة)، والتي تعد نسخة مبكرة من الإنترنت، والتي طورتها وزارة الدفاع الأميركية. وما بين هذه السلسلة والعودة الوجيزة للجاسوس الإسرائيلي «جوناثان بولارد» إلى دائرة الأخبار، نجد أن «أربانت» يحظى حالياً بنوع من اللحظات الثقافية.
تبدو تصريحات بوتين وكأنها تحمل إنذاراً بعض الشيء، خاصة أنها تأتي بعد أيام من هروب «بافل دوروف»، مؤسس أكبر شبكة للتواصل الاجتماعي في روسيا وهي «في كونتيك»، قائلاً إنه أُجبر على الاستقالة من منصبه كرئيس تنفيذي للشركة بعد أن رفض تبادل البيانات الخاصة بالمستخدمين مع السلطات. كما يواجه «دوروف» اتهامات بالاختلاس، وهي التهمة التي يوجهها الكرملين لعدد من أبرز منتقديه.
وكما ذكر «إيكاترينا كرافتسوفا» الصحفي بجريدة «موسكو تايمز» فإن «خطوة الإطاحة بدوروف ينظر إليها على نطاق واسع كجزء من حملة أوسع يقوم بها الكرملين لتضييق قبضته على شبكة الإنترنت، بينما قال مراقبون إن السلطات تهدف إلى «تطهير» إدارة شركات الإنترنت الروسية بالسيطرة على مضمونها.
وخلال الأسبوع الماضي، أقر البرلمان الروسي تشريعاً قد يطلب من شركات التكنولوجيا الأجنبية أن تخزن بيانات العملاء الروس على الأراضي الروسية وإلا تمنع من العمل في البلاد.
وقد يكون لهذا التشريع عواقب وخيمة بالنسبة للشركات الأميركية بما فيها «جوجل» و«فيسبوك» و«مايكروسوفت»، التي تمتلك «سكايب»، كما أن هناك قواعد جديدة تقضي بأن يقوم المدونون ذو الشعبية بالتسجيل لدى الحكومة.
كما أن روسيا تأتي ضمن عدد من الدول التي تشجع فكرة «سيادة الإنترنت»: مفهوم أن الحكومة – وليس الشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها أو الوكالات التي أسستها الولايات المتحدة مثل «آيكان»، وهي مختصة بتوزيع وإدارة عناوين «الآي بي» وأسماء المجال وتخصيص أسماء المواقع العليا في جميع أنحاء العالم – ينبغي أن تكون لها السيطرة على المجالات الإلكترونية الداخلية الخاصة بها.
وقد كانت البرازيل في مقدمة هذه الحركة، حيث فكرت، ثم تلاشت الفكرة في نهاية الأمر، في سن قانون لتخزين البيانات، على غرار القانون الذي أقرته روسيا مؤخراً. وقد بدأت الحركة في إحراز النجاح حيث إن إفشاءات إدوارد سنودن حول مراقبة وكالة الأمن القومي جعلت من الصعب على الحكومة الأميركية أن تزعم بأنها ليس لديها أي مصلحة في التدخل في حرية نقل المعلومات في جميع أنحاء العالم.
وقد يكون من الأسهل قليلاً أخذ قضية السيادة على الإنترنت كمفهوم على محمل الجد إذا لم يكن العديد من الحكومات الأكثر حماسة حيال ذلك الأمر تهتم بهذا الشكل الصارخ بوضع ضوابط لاستخدام الإنترنت من قبل مواطنيها، كما فعلت إيران على سبيل المثال، وكما ذكرنا من قبل، حيث ظلت لسنوات تدفع بمشروع لتأسيس «إنترنت وطني»، بهدف منع التأثيرات الخارجية غير المرغوب فيها من الوصول إلى مواطنيها.
وحتى وقت قريب، لم تكن روسيا في الواقع واحدة من هذه الدول. وفي حين كانت سيطرة الدولة على وسائل الإعلام ممتدة إلى حد ما، إلا أن الإنترنت الروسي كان حراً بشكل معقول، مع وجود القليل من القيود على بعض المواقع مثل «في كونتيك» ولايف جورنال.
وفي أعقاب «الربيع العربي»، والاحتجاجات التي تحاصر عودة بوتين للرئاسة، بدأت الأمور في التغير. ففي عام 2012، تم إقرار قانون يجعل من السهل بالنسبة للحكومة إغلاق المواقع الكريهة. وقد وصف هذا القانون بأنه وسيلة لمنع المواد الإباحية من الوصول للأطفال، غير أن دولاً أخرى لجأت إلى استخدام ذات القوانين في الماضي كذريعة لجعل من السهل منع المحتوى السياسي. وفي شهر ديسمبر الماضي، تم إقرار قانون آخر لجعل من السهل حجب المواقع التي تروج لـ«التطرف».
وعلى الرغم مما قاله بوتين لإدوار سنودن مؤخراً، فإن تعليقات الرئيس الروسي وتحركات حكومته في الآونة الأخيرة تبدو وكأنها تشير إلى أن دور الكرملين في رصد وإدارة الإنترنت الروسي ستصبح أكثر قليلا من كونها مشاركة فعالة.
وفي سياق متصل، تناولت صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، القوانين التي سعى بوتين إلى إقراراها بشأن شبكة الإنترنت، مؤخراً، بعد أن منح المدعي العام الحق في حجب أي موقع ينشر مواد متطرفة مثل الدعوة للمظاهرات.
وأوضحت الصحيفة أن بوتين الذي عرف عنه تهميش شبكة الإنترنت والتحدث عنها بازدراء حتى أنه لا يحمل هاتفاً محمولا ولا يطلع على محتويات المواقع الإلكترونية، يهتم الآن بشبكة الإنترنت، بعد ضم شبه جزيرة القرم وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية على بلاده.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا