الاتحاد

دنيا

جنيف والحصار

وجدتني برغم البرد القارس أخرج باتجاه بحيرة جنيف، تلك البحيرة التي لطالما كانت المكان المفضل لدى الملوك والأمراء ورؤساء الدول والمشاهير والنجوم الذين يفضلون قضاء إجازاتهم في جنيف، في أيام الصيف الجميلة يؤمها الناس للاستمتاع بالمشي في الهواء الطلق والمناظر الطبيعية الخلابة على ضفافها، غير أن البرد يغير أنماط الحياة في أوروبا بأسرها، واستغربت أن مياه البحيرة لم تتجمد كما تجمد كل شيء آخر، وتلك البجعات لا تزال تبحث عن طعام في أحشاء البحيرة، وتتراكض باتجاهي تحسبا لعلي ارمي شيئا من فضلات الطعام لها.
ثمة شيء مختلف في هذه المدينة المفعمة بالناس والزوار والأنشطة عادة، غير إن الشوارع فارغة، نظيفة، هجرها الزوار، ربما بسبب البرد، ثمة أمر ناقص أو مفقود تشعر به في المدينة، غير أنني لم أتبينه، إنه مجرد شعور بأن الصورة غير مكتملة، تذرع الشوارع الرئيسية جيئة وذهابا تبحث عن ذلك الشيء الناقص، تمشي في شارع «كونفيديراسيون» ومنه تذهب إلى شارع «رون»، وهما شارعان ينبضان دائماً بالحركة، وتنتشر فيهما غالبية المقاهي والفنادق، بالإضافة إلى كونهما «شارعي التسوق» في المدينة، نظراً للوجود الكثيف لأرقى دور المجوهرات وأبرز محال الألبسة، إنها شوارع متقاربة تسهل عليك الانتقال بينها لكن هذه المرة كانت خالية من أي رواد.
إنه البرد وذلك الجنرال الأبيض الذي يفرض حظر التجول عليّ طوال النهار والليل، بل يضرب حصارا على كل المدن الأوروبية، هل أكون الوحيد المتمرد على هذا الحظر، لابد من التمرد وخرق الحصار، فكيف أصل إلى هنا وأبقى حبيس غرفتي الفندقية ليل نهار، واحد مثلي يقتنص الدقائق ليرتحل فيها ويخرج إلى فضاءات الله الواسعة، إلى المدن حتى لو كان يخالف سكانها في عاداتهم وفي خشيتهم من الثلج والبرد ودرجة التجمد وما تحت الصفر.
ذكرني حظر التجوال الطوعي ذاك بذلك الحظر المفروض على بغداد في زمن الحرب بعد سقوطها المدوي في 2003، كنت مجنونا يومها أبحث عن مجد صحفي ضائع، في تلك الليلة كنت متمردا على حظر التجوال معرضا نفسي ومن معي للخطر، الواقع أنني لم انتبه وأنا في فندق فلسطين إلى أن الوقت قد تأخر، وبعد أن أرسلت قصصي إلى الجريدة خرجت مغامرا عائدا بالسيارة إلى مقر فندقي الذي يبعد نحو كيلو مترين عن ساحة الفردوس، تلك الليلة تعرضت إلى مطاردة عنيفة، والكيلو متران أصبحت عشرين فلابد من المناورة من أجل الإفلات، ولولا ستر الله وقليلا من الشجاعة أو الجنون لكنت الآن في عداد المفقودين أو الأموات، ففي زمن الحرب كل شيء مباح إلا الحب.


rahaluae@gmail.com

اقرأ أيضا