الاتحاد

الإمارات

الشيخة فاطمة قفزت بالمرأة الإماراتية من هامش الأحـداث إلى المشـاركة الفاعلـة في البناء والتنمية


انطلقت من فكر القائد الراحل باعتبار الإنسان الثروة الحقيقية لوطننا
د· فاطمة سهيل المهيري:
تنطلق سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك في فكرها التنموي للنهوض بالمرأة الإماراتية من وحي أفكار القائد الراحل المغفور له الشيخ زايد -رحمه الله- التي كان لها الأثر الكبير في تشكيل ملحمة تاريخية قفزت بالمرأة الإماراتية من هامش الأحداث إلى مرحلة تحريك الأحداث، فتصدرت المرأة الإماراتية متحصنة بفكر سمو الشيخة فاطمة ميدان التقدم في دولة الإمارات· وما كان لهذه الرحلة الطويلة أن تؤتي أكلها لولا الجهود المضنية التي بذلها القائد الراحل وسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، فقد رأى القائد الراحل بأن الإنسان ذكراً كان أم أنثى هو الثروة الحقيقية لوطننا وأن علينا أن نبدأ به إن أردنا التغلب على المعضلات والانطلاق في آفاق التحديث والتنمية· من هذا التوجه التعبوي الرائد انطلقت سمو الشيخة فاطمة حاملة شعلة التغيير لتقود مسيرة التحول الإيجابي في حياة المرأة الإماراتية ومسيرتها الطويلة المشرفة· عبرت سموها في العديد من لقاءاتها وأحاديثها عن أن إستراتيجية التغيير بحاجة إلى تخطيط سليم ينتقل بالمرأة من مرحلة إلى أخرى لتحقيق الأهداف السامية· وقد تم التركيز في هذا الصدد أولاً على التعليم ثم حق العمل باعتبارهما الأساس الذي يحول المرأة الإماراتية من طاقة مهدورة إلى كفاءة تستجيب لتوجه تنموي شامل· فهل مكّن تعليم المرأة وخروجها إلى مجالات العمل من الحضور في مجالات عملية كانت من قبل حكراً على الرجل؟ إن الوقائع على الأرض تؤكد أن ما قامت به سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك قد حقق بالفعل هدفاً أساسياً من أهداف مجتمع الإمارات وهو النهوض بنصفه الآخر، وقد لخصت سمو الشيخة فاطمة نظرتها إلى تعليم المرأة بكلمات تنم عن رؤية عميقة حيث تقول: 'إن التعليم وحده هو الذي يجعل الفتاة عضواً عاملاً في المجتمع وزوجة فاضلة تعرف أصول دينها وتعاليمه وتوجيهاته لها في رعاية أسرتها وصيانة نفسها والحفاظ على تقاليدها· فالتعليم هو الذي يرفع كفاءة الأم في العناية بأطفالها وصحتهم···'، وحين نزن أقوال سموها بميزان التقويم الإستراتيجي في البناء والإنجاز نجد أن التعليم يلعب فعلاً الدور الأساس في تغيير نمط البناء الاجتماعي كما يعد من أساسيات التقدم في العصر الحديث فلا تحديث ولا تقدم خارج إطار العلم فهو ضرورة قصوى من ضروريات التغير الاجتماعي· فإذا ما اعتبرنا أن دور التعليم هو الدور الأهم في تنمية مجتمع الإمارات وتنظيمه والنهوض به فإنه من دون شك من أبرز العوامل التي أدت إلى النهوض بالمرأة الإماراتية وعملت على تنمية قدراتها وتعزيز انتمائها لأرضها ووطنها، فالتعليم يعمق الوعي بمشكلات المجتمع وتصبح المرأة المتعلمة أكثر حضوراً في ساحات التطور والتقدم والتنمية وبالتالي في مواقع العمل المختلفة والمشاركة في الحياة العامة· ونتفق مع فكر سمو الشيخة فاطمة في موقفها من العلم ذلك أن التعليم في حد ذاته ليس معرفة فقط تمكن من إدراك وفهم ما يدور في مجتمعاتنا ومن حولنا ولكنه يعطي المرأة القدرة على تحويل المبادئ النظرية إلى آليات عمل لتغيير واقعها بصفة عامة· إن المتمعن في أوضاع المرأة الإماراتية في إطار الجهود التي بذلت في تعليمها يلاحظ بالفعل إن تركيز سمو الشيخة فاطمة على تعليم النساء قد نتج عنه اتساع آفاق المعرفة للأغلبية العظمى من نساء الإمارات و بالتالي لمجتمع الإمارات وبذلك ارتقى مستوى النضج الاجتماعي للمرأة لتصبح رقماً متميزاً يصعب تجاهله فقد برزت قدرات المرأة وأصبحت منافساً نداً للرجل ولا تتخلى عن مكتسباتها العديدة لأن قسماً من قطاع الرجال غير المقدرين لدور المرأة في المجتمع لا يروقه ذلك·
امكانيات المرأة الاماراتية
لقد شكك بعض هؤلاء بإمكانات المرأة الإماراتية ورددوا القول القديم إنها مجرد أنثى لا حول لها ولا قوة خلقت للمطبخ وللإنجاب· ومع اعتزاز المرأة الكبير بهذا الدور فهي يمكن لها أن تؤديه بصورة أمثل حين تكون متعلمة وشريكة للرجل في مجالات الحياة الأخرى تدعمه ويدعمها وتسانده ويساندها فالمرأة في فكر سمو الشيخة فاطمة ند للرجل في ساحات البناء لا غنى عن جهودها لضمان رخاء الوطن وأمنه وإني أشهد بما جاء عند سموها من أن على المرأة الإماراتية أن تواصل رسالتها فهذا هو قدرها ولا يجوز لها أن تشعر بالإحباط بسبب بعض المواقف السلبية التي تظهر بين بعض الفئات بين الحين والآخر، وأن على المرأة بالتالي أن تنخرط بالعمل الجماعي لصالح هذا المجتمع الذي يتقاسمه الرجال والنساء وأن تؤكد شخصيتها في ساحات العمل والإنتاج· بالعمل وحده تتأكد الصورة الحضارية لمبدأ المساواة بين الجنسين· إن هذه الحقائق في نظري بحاجة إلى مواجهة مع النفس ومع الآخر ولا بد من قرع الأبواب المغلقة وقد قيل قديماً اقرعوا الأبواب تفتح لكم، وعندئذ فقط نضع القول موضع الفعل· ولابد لي أن أؤكد بما سبق لسمو الشيخة فاطمة الإشارة إليه من أن نظرة الرجل الإماراتي للمرأة لم تعد تلك النظرة التقليدية الضيقة الأفق التي أصبحت قطعة بالية من موروثات عفى عليها الزمن، فالرجل بات يؤمن أن المرأة المتعلمة الواعية خير من الرجل الجاهل، خاصة في هذه المرحلة التي وصلت فيها المرأة الإماراتية بفضل مساندة سمو الشيخة فاطمة إلى درجة من الوعي الثقافي ما جعلها صنو الرجل· لقد أصبح تأثير المرأة الإماراتية في الحياة العامة بارزاً في شتى المجالات· هذا التحول جسدته سمو الشيخة فاطمة بقولها: 'تخطت المرأة في الإمارات مرحلة طويلة من تاريخها البعيد وأصبحت تعايش عصرها وتنسج بفكرها وجهدها وإيمانها ثوب الحيوية والنشاط والإنجازات في مجتمعها حتى رفعت راية النهضة النسائية عالياً في سماء وطنها'· إن المتتبع لنشاط سمو الشيخة فاطمة لابد أن يخرج بدرس أساسي من أنها سارت وفق فلسفة الخطوة خطوة لإعادة الاعتبار للمرأة في بلادها· ووجدت سمو الشيخة فاطمة أن من الضروري أن تبادر المرأة بنفسها إلى التكيف مع دورها التاريخي ولابد لها أن تقرر طبيعة هذا الدور· تقول سموها في دعوة مواطناتها إلى العمل والإنجاز والقيام بدورها الأساسي في المجتمع: 'إنه من غير المعقول أن تتعلم المرأة وتتثقف وتتابع أخبار العالم ثم تقف موقف المتفرج'·
تغيير أشكال الوعي السائد
إذا كان على المرأة أن تقوم بدورها بأفضل صورة لابد لنا من أن نلجأ كباحثين إلى تشخيص علمي لوضع المرأة الآن لكي نزيل بقايا المعوقات إلى تحول بين المرأة الإماراتية وتحقيق ذاتها بالمطلق، ولترسيخ ما تصبو إليه المرأة الإماراتية من حقوق نالتها بفضل التعليم وحق العمل والسياسة الاجتماعية الرشيدة لابد من تغيير بعض أشكال الوعي الاجتماعي السائدة والخاضعة لظاهرة الأحكام الجاهزة والمسبقة· وهي أحكام غريبة عن حضارتنا وتراثنا· وأعتقد أن الإستراتيجية التي تبنتها سمو الشيخة فاطمة تتطلب إنشاء المركز الوطني لبحوث المرأة الإماراتية على الفور· ويمكننا في هذا السياق أن نستفيد من خبرات الدول المتقدمة والمنظمات الدولية، وفي هذا المطلب نكرر ما سبق لسمو الشيخة فاطمة إن رددته باستمرار من أن المرأة نصف المجتمع لا يجوز فصله عن النصف الآخر في المجتمع وبنائه وقيادته لاسيما وأن المرأة باتت تشارك الرجل تحمل المسؤوليات على كل صعيد، فنحن ندرك أن المجتمعات لا تبنى إلا بجهود أبنائها جميعاً ذكوراً وإناثاً ولعلنا هنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن عمل المرأة أضحى بالفعل استجابة بنيوية لمجموعة أكبر من التحولات على مستوى تركيب مجتمع الإمارات ذاته· إن دور المرأة الإماراتية في تنمية المجتمع ليست بجديد فالمتتبع لتطور مجتمع الإمارات عبر التاريخ يجد المرأة الإماراتية في بؤرة الأحداث تمارس دورا إنتاجياً فاعلاً يهدف إلى رفع مستوى معيشة أسرتها فقد فرضت عليها ظروف الحياة وقتئذ أن تناضل وتكافح إلى جانب زوجها فقد أوجدت شمولية المخاطر والتحديات شمولية الحركة والاندفاع·
آفاق جديدة
لقد استطاعت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك من خلال رؤيتها الشمولية للأوضاع الاجتماعية أن تقفز بالمرأة الإماراتية لتؤدي دورها في المجتمع الجديد إلى آفاق لم تلجها من قبل استهداء بقول القائد الراحل -رحمه الله-: 'أنا نصير المرأة وأقولها دائماً لتأكيد حق المرأة في العمل والمشاركة الكاملة في بناء وطنها وهذا جزء من دوري كأب وقائد يحمل طموحات ورغبات شعبه'· استناداً إلى هذا التصور ساهمت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك في تحريك عجلة التغيير باتجاه المزيد من المشاركات الفاعلة للمرأة الإماراتية فكان أن صاغت سموها مشروعاً تنموياً شاملاً قائماً بدأته بالاتحاد النسائي للمرأة حيث نقل هذا الاتحاد باعتباره مؤسسة حضارية وضع المرأة من مجرد الحديث عن حقوق بقيت معلقة لفترات طويلة إلى مرحلة الدخول في إجراءات ملموسة لا تقبل التأويل في وسائلها وأهدافها· انطلقت سموها يؤيدها قول القائد الراحل -رحمه الله-: 'المرأة نصف المجتمع ولا ينبغي لدولة تبني نفسها أن تبقي على نصف مجتمعها غارقا في ظلام الجهل أسيرا لأغلال القهر'·
نعم يبين الواقع الإماراتي أنه على الرغم من الإنجازات والمكاسب المتحققة لفائدة المرأة الإماراتية، إلا أننا لم نتوصل بعد إلى ضمان إدماجها في مختلف بنى المجتمع باعتبارها فاعلاً اجتماعياً تحقيقاً للمساواة والشراكة الفعلية مما يعني أنه ما زالت هناك بقايا من خلل تقليدي بين مكانة الرجل ومكانة المرأة وأن تجاوز هذا الخلل لا يتم إلا بوجود إطارات تنسيقية واضحة تضع النقاط على الحروف وتسهم في تغيير الأوضاع القائمة بالوتيرة المطلوبة· إن مكانة المرأة في المجتمع ترتبط وتتأثر وتؤثر في بنى المجتمع المختلفة وبالقيم السائدة وبدورها في عمليات الإنتاج وفق تقسيم العمل المعتمد وبمدى مشاركتها في صناعة القرار وتوزيع المسؤوليات بما يضمن حضورها في مختلف مجالات الحياة ويولد تجاوباً وتفاعلاً يكون دافعاً قوياً لتغيير القيم السائدة بما يساهم في تشكيل صورة أنصع للمرأة الإماراتية تتناسب وحجم الآمال التي أطلقها القائد الراحل -رحمه الله- والدور الذي أراد للمرأة الإماراتية أن تقوم به وحجم الجهود التي تبذلها سمو الشيخة فاطمة بعقلها ووجدانها وهي تقود معركة النهوض· لقد أصبح مجتمعنا في حاجة إلى إستراتيجية تعمل على حل المعادلة الدقيقة والصعبة التي تساوي بين الجنسين واحترام كل منهما لقدرات الآخر مع إبراز الاختلاف لتحقيق التكامل المنشود فالصراع لا يحدث بينهما لكونهما مختلفين بيولوجياً يقدر ما يرد إلى ضرورة إتاحة الفرصة لتجاوز الذات في الذات أو التصالح مع الذات وذلك من أجل الوصول إلى الأهداف المشتركة تمشياً مع متطلبات التحديث وإزالة ما تبقى من حواجز بين الطرفين· لقد أصبحت مسألة فهم واقع المرأة الإماراتية أمراً ملحاً لما تعانيه من بعض فئات المجتمع الذكورية من عوائق متعددة ومتشعبة حالت دون تمتعها بحقوقها كاملة كذات فاعلة ومؤثرة في حركة التحديث الشاملة في دولة الإمارات· وعلى الرغم مما نعيشه في دولة الإمارات من تحولات كبرى في مختلف البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعلى الرغم من مختلف محاولات مجتمعنا الإماراتي لتجاوز التصورات المتوارثة المرتبطة بالصورة التقليدية للمرأة الإماراتية، وعلى الرغم من الحرية التي تتمتع بها المرأة الإماراتية إلا أن هناك من يرى في أوساط المثقفين أن المرأة الإماراتية ما زالت تراوح مكانها بين التجديد والتقليد وبين المحافظة والتحديث، ويدللون على ذلك بقولهم إن حضورها متواضع في الحياة العامة· ويقع علينا أن نلتزم بالتوجه الفكري لدى سمو الشيخة فاطمة التي ترى أن مجتمعنا الإماراتي قد أصبح في كثير من النواحي مجتمعاً تقدمياً وعليه بالتالي أن يواصل تأقلمه مع متطلبات التحديث لمسايرة الواقع المتحضر الجديد دون أن يفقد أصالته، فالتراث، والحديث لسموها، يمكن أن يشكل عاملاً مساعداً للتغيير نحو الأفضل· وما يؤكد مفاهيم سموها أن الواقع النسائي الإماراتي يدعونا إلى مزيد من التأمل خاصة وأننا نتحدث عن حشد شمولي لقدرات المرأة في وقت يعترف فيه أصحاب التخطيط بأن تنمية الموارد البشرية لابد أن تشمل القطاع النسائي برمته ولعل في هذا اعتراف واضح بأن المرأة الإماراتية ما زالت في بعض الجوانب لم تستوف الاحتياجات العملياتية لكل توجه تنموي أصيل· وأنا هنا أتساءل: هل يسيطر التفكير العقلاني على أفعالنا لنوظف العقل لتنفيذ إستراتيجية التغيير التي تتبناها سمو الشيخة فاطمة؟ وأرى أننا إذا فعلنا ذلك نكون قد حققنا الأهداف السامية في صنع المجتمع الجديد بالعقل الجديد فالتحديث يبقى من دون جدوى طالما لم يتم تحديث العقل الإماراتي وتحرره من القيود التي فرضها على نفسه· وفي هذا الصدد تقول سموها: 'إنني أدعو إلى اليقظة وعدم الغفلة لأن الفرح الحقيقي بالإنجازات النسائية يتطلب الوعي في الحفاظ عليها وتطويرها'·إن تفتح المرأة الإماراتية على محيطها وعلى الآخر خارج هذا المحيط يشدها ويثير اهتمامها وبهذا تتطور ملكات فهمها لقضايا المجتمع المحلي والعالمي، فهي قادرة على أن تتعلم من الغير وأن تستنفر من التراث ما يدفع بها إلى الابتكار والإبداع· وحتى نضمن لهذا التوجه النجاح التعبوي لابد لنا من تحويل مسألة مشاركة المرأة وكل ما يرتبط بها من حريات وحقوق إلى حركة مجتمعية شاملة يتبناها المجتمع بمختلف قواه نساء ورجالاً· وعلينا مع هذا أن نعترف بأن قضية تفعيل نشاط المرأة إنما ترتبط أساساً بدرجة الوعي الذي يصل إليه المجتمع بخصوص هذه الظاهرة· فإذا ما تحقق ذلك بشكل مثير فإننا نقف أمام مؤشرات جديدة حول قناعات المرأة بذاتها وقناعات الرجال بها كذلك· وهذا بالتأكيد يصب من إدراك ووعي لأهمية التنمية في مجتمعاتنا المعاصرة حيث تؤكد تقارير التنمية البشرية الدولية أن تحسن مكانة المرأة يعد عنصراً جوهرياً وحيوياً من عناصر التقدم، ويتجلى ذلك في موضوع المساواة، فسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك تقول: 'التنمية بمعناها الحقيقي تتطلب ضمان المساواة والسلام'· بمعنى أن مساواة المرأة مقرونة بالسلم الاجتماعي وسيعزز من مشاركة المرأة في الأعمال الإنتاجية والإبداعات الحضارية· وتضيف سمو الشيخة فاطمة: 'إن دور المرأة في التنمية حيوي ومؤثر··· فهي الأم راعية الأجيال التي تصون البيت والأسرة وتدفع بالجميع إلى العمل والإنتاج وهي أيضاً المرأة العاملة التي تشارك بجهدها وعرقها في صنع الحياة وتتحمل مسؤولية التطور'· وفي وقت لاحق أكدت سموها: 'لم يكن من الممكن إحداث التغيير الاجتماعي بدون النهوض بالمرأة··· وفعلاً حدث في مجتمعنا تحول إنساني وحضاري'· وفي هذا السياق تعيد سموها هذا الإنجاز إلى إسهامات القائد الراحل -رحمه الله- بقولها: 'لم ننس وقوفه في صف المرأة الإماراتية وتشجيعها على المشاركة في نهضة بلادها والعمل من أجل الحفاظ على حقوقها وتحقيق مطالبها'· إن هذا الناتج التحليلي لمفاهيم سموها يعني أن ما تم وضعه من أهداف وما تم تحديده من فعاليات وآليات قد مكن الدولة من الإمساك بخيوط التفعيل، بمعنى أن الحديث لم يعد ينصب على مشاركة المرأة أم لا إنما تعدى ذلك تماماً إلى الحديث كيف تكون المشاركة·
في هذا الإطار أدركت سمو الشيخة فاطمة أن رياح العولمة لابد وأن تطرح علينا تساؤلات جديدة وأن تكون سبباً في بروز تحديات تستوجب المعالجة الجذرية وإلا فإن طوفان الأحداث وعمليات التثاقف الدولي قد تفاجئ الجميع· ومن هنا نفهم تحذير سموها: '··· وكلما كثرت الظواهر السلبية كلما تعاظمت المسؤوليات الملقاة على عاتق المؤسسات حماية للمرأة والأسرة والمجتمع'· وتعزيزاً لهذا التوجه طالبت سموها بإخضاع الظاهرة برمتها للبحث العلمي وقالت: 'إن العالم اليوم يشهد تحولات كبرى وعادة ما يؤدي التغيير والتحول في أي مجتمع إلى بروز أخطار وأضرار ويجب أن تقوم مواجهة هذه السلبيات على الدراسة والتحليل ومن ثم اقتراح الحلول الممكنة'· وبهذا تؤكد سموها نظرية هامة في الاجتماعي السياسي مفادها أن هناك علاقة جدلية دياليكتيكية بين تطور المرأة وتطور المجتمع فالمرأة هي حجر الرحى في كل مجتمع إنساني· إن سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك لا تتحدث في الإطارات النظرية فقط فهي تستلهم الواقع من الفكر كما تستلهم الفكر من الواقع مؤمنة في ذات الوقت أنه لا بد من الصبر والعمل المتواصل والبحث الدؤوب عن حلول لمشاكل المرأة الإماراتية تتناسب في محتواها وتوجهاتها مع مستوى التحديات الماثلة والمستقبلية·
بلورة ناجحة
فالمطلوب ليس فقط ما يمكن للمرأة أن تقوم به بل ما الذي يجب عليها أن تقوم به فطالما بقينا نحوم حول تعبير 'ما يمكن' فإننا سنجد أنفسنا مكبلي الأيدي للقيام بما يجب القيام به· إن حرية العقل الرافض بكل ما يعني في قاموس المجتمع بأنه مستحيل سيفتح الآفاق حتماً لكي يجعل من المستحيل نفسه أحد مفاتيحنا الأساسية لصناعة المستقبل· إن الدارس لفكر سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك حول نهضة المرأة ودور الاتحاد النسائي باعتباره وعاء سياسياً لمجالات تحرك المرأة باتجاه تفعيل دورها التاريخي ليدرك قدرتها الفائقة على ربط الإستراتيجية بالتكتيك· فحيناً نراها تبلور في أحاديثها السامية آمالاً وأمنيات وحيناً نجدها تعمل بما هو ممكن لبلورة برامج عمل ناجحة ومؤثرة لكي يغدو هذا فيما بعد إستراتيجية واضحة المعالم ثابتة الجذور، وهذا ما يدلل على نقاء تفكيرها وارتباطه بالواقع الذي تعيشه المرأة الإماراتية ولا يعني ذلك أن سموها قد اكتفت بما تحقق فالظاهرة تحمل في أحشائها فرص التوالد من جديد مما يعني أن هذه القضية ستتواصل بتواصل الأجيال وبالتالي فإنها تستحق منا كل متابعة واهتمام لكل مستجداتها على مر السنين·

اقرأ أيضا