صحيفة الاتحاد

ثقافة

ستة طرق لقراءة التاريخ الأوروبي!

إيهاب الملاح (القاهرة)

«أوروبا تاريخ وجيز»، عنوان الكتاب الذي ترجمه إلى العربية، وصدّره بمقدمة تفصيلية الوزير المصري السابق د.محمود محيي الدين، وهو من تأليف المؤرخ الأسترالي الشهير جون هيرست، المتوفى عام 2016.
هيرست كان أستاذًا بجامعة «لاتروب» في ملبورن، كما كان زميلًا للأكاديمية الأسترالية للعلوم الاجتماعية. وبجانب نشاطه الأكاديمي كان منخرطًا في الحياة العامة كمستشار لرئيس الوزراء وعضو في لجان ومجالس ثقافية وتعليمية.
عُرف هيرست كمؤرخ للتاريخ الاجتماعي والسياسي، واختص أستراليا بجُل إنتاجه العلمي ونشط في التعريف بهذا التاريخ كمُعلق وكاتب اشتُهر بتبسيط الموضوعات لغير المتخصصين.
أما كتابه هذا؛ فهو نتاج مشروع تبناه المؤلف لتعريف الشباب وطلبة الجامعات والأستراليين عمومًا بتراثهم الثقافي الأوروبي وبأصولهم التاريخية الممتدة للجذور الأوروبية.
وترى هذه الضرورة منعكسة في طريقة تناول المؤلف للتاريخ الأوروبي، فهي ليست مجرد سرد لموضوعات وحوادث وأحداث مهمة شكَّلت ماضي أوروبا وأثرت في حاضرها وتُساهم في مواجهة تحديات في مستقبلها، لكنها تُذكره بقِيَم تقدم أوروبا وأُسس حضارتها ومناهج تطورها. وهي أيضًا مذكرة لما يترتب على الانحراف عن تلك القيم والأسس من أزمات كبرى وصراعات ونزاعات شهدها تاريخ أوروبا السحيق والحديث.
الجديد في هذا الكتاب، كما يكشف مؤلفه ومترجمه معاً، هو أسلوب تناوله لمجريات الأحداث، فهو كتاب صغير ينتمي لما يُعرف بالتاريخ الكبير، كمنهج يتتبع التطورات والأحداث لفترات زمنية طويلة، مستخدمًا أكثر من زاوية علمية في التحليل.
فالكتاب غير معني بتناول موضوعات التاريخ كقصص لها بداية وعُقدة ونهاية سعيدة أو تعيسة، لكنه يركز على المكونات الرئيسة للحضارة الأوروبية، وكيفية تفاعل هذه المكونات مع تطورات التاريخ تأثيرًا وتأثرًا عبر الزمن.
ومع ذلك، لا يخلو الكتاب من رواية وقائع تاريخية ذات دلالة بأسلوب قصصي برغم ما تنطوي عليه من مآسٍ إنسانية كواقعة اغتصاب «لوكريس» التي صعَّدت التمرد على الملكية وإقامة الجمهورية في روما. أو قصة إعدام ولدَي «بروتوس» اللذيْن وافق على إعدامهما إعلاءً لقِيَم الجمهورية. أو واقعة قسم أبناء «هوراتي» الثلاثة الذين ذهبوا للمبارزة فعاد واحد منهم فقط، ففقدت العائلة اثنين من أبنائها وخطيبًا لابنتهم كان في جانب العدو فقُتل على يد أحد أشقائها من أجل روما، ولما رآها شقيقها العائد تنتحب على خطيبها المقتول بدلًا من الفرح بالنصر، قتلها هي أيضًا من أجل روما.
ويروي الكتاب تاريخ أوروبا ست مرات، لكن من زاوية مختلفة في كل مرة؛ فيما يشبه تقنية التعددية الصوتية في الكتابة الروائية.
يقول المؤلف «هذا الكتاب يستند إلى مجموعة من المحاضرات، أعددتها لتعريف طلبة الجامعات بالتاريخ الأوروبي. لم أبدأ المحاضرات منذ بداية التاريخ الأوروبي ثم أنهيها بنهايته، بل قمت بإعطاء الطلبة نظرة عامة ثم عدت إليهم بمزيد من التفاصيل. تستعرض المحاضرتان الأوليان مجمل التاريخ الأوروبي. فيما يمكن اعتباره فعلًا التاريخ الوجيز لأوروبا. أما المحاضرات الست التالية فقد كان لكل واحدة منها فكرة رئيسة، بهدف تعميق الفهم للفكرة واختبارها بعمق».
وبعد استعراضه للعصور الكلاسيكية الأوروبية القديمة والوسيطة، يركز الكتاب على أوروبا الغربية. فليست كل أجزاء أوروبا بالأهمية ذاتها في تشكيل الحضارة الأوروبية. فالنهضة في إيطاليا، والإصلاح في ألمانيا، والحكومة البرلمانية في إنجلترا، والديمقراطية الثورية في فرنسا، كان لها آثار أكبر من تقسيم بولندا، مثلاً..