الاتحاد

دنيا

الجزائر تمنح شبابها «قروضاً حسنة» لإقامة مشاريع انتاجية

جزائريون يقبلون على “القرض الحسن” لتفادي التعامل بالربا

جزائريون يقبلون على “القرض الحسن” لتفادي التعامل بالربا

بدأت الجزائر منذ ست سنوات تجربة جديدة لمكافحة الفقر والبطالة وإعانة شبابها على إنشاء مشاريع صغيرة مُنتجة، من خلال منحهم قروضاً صغيرة من صندوق الزكاة تُسترجع دون فوائد، ويُعرف هذا المشروع باسم “القرض الحسن”، وقد بدأت ملامح نجاحه تظهر في السنتين الأخيرتين بعد بداية بطيئة.

ظهرت فكرة “القرض الحسن” بالجزائر سنة 2003 على يد الخبير الاقتصادي الدكتور فارس مسدور، أستاذ الاقتصاد بجامعة البُليدة (50 كم غرب الجزائر)، وتبنت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الفكرة وشرعت بتطبيقها رسمياً في سنة 2004 من خلال تفعيل صندوق الزكاة وعدم الاقتصار على منح أموال المزكين للعائلات الفقيرة كما دأبت على ذلك كل سنة، بل خصصت قسماً منها لتطبيق تجربة “القرض الحسن” بمنح عشرات القروض للشباب لإقامة مشاريع صغيرة.
بداية متعثرة
عرفت التجربة بطئاً في البداية بسبب ضعف حصيلة صندوق الزكاة، إذ لم يتم جمع سوى 50 مليون دينار جزائري فقط كزكاة سنة 2003، بحسب إحصائيات وزارة الشؤون الدينية، وهذا بسبب حداثة التجربة ورفض العديد من الدعاة المستقلين لهذه الفكرة، وفي مقدمتهم الشيخ شمس الدين بوروبي الذي يرى أن هذه القروض “لا تُصرف في أيٍّ من الوجوه الثمانية المذكورة في الآية الخاصة بمستحقي الزكاة، كما أن إعادتها إلى صناديق الزكاة عن طريق الأقساط الشهرية على مدى 5 سنوات أو أكثر إذا تعذر الدفعُ أحياناً، يتنافى مع فوريتها وضرورة وصولها إلى الفئات المستحقة في آجالها المحددة”.
وبرغم تعالي الأصوات الرافضة للفكرة وتأثيرها السلبي في المزكِّين، إلا أن المبالغ المحصَّلة من الزكاة سجلت تحسناً من عام إلى آخر بعد أن كثفت الوزارة من حملاتها الإعلامية التي أحسنت فيها شرحَ مزاياها وفوائدها الاقتصادية والاجتماعية، وطلبت من الأئمة الإسهام فيها عبر حث المصلين على منح زكاة أموالهم للصندوق، فزاد عدد المنخرطين فيها وارتفع بالمقابل عددُ الحاصلين على “القرض الحسن” من سنة إلى أخرى، حتى بلغ 4624 قرضاً بحسب وزير القطاع بوعلام الله غلام الله. ويحرص الوزير على تسليم هذه القروض بنفسه في كل مرة عبر الانتقال إلى مختلف الولايات ومنحها للشباب بشكل جماعي, ويقول مدير الشؤون الدينية لولاية الجزائر لزهاري مساعدي إن “القروض تمنح لشباب المناطق التي تجمع مبالغَ محددة من الزكاة ليعاد منحها للعائلات الفقيرة وللشباب المستثمِر في نفس المنطقة .

نجاحٌ وارتياح
كانت مبالغ هذه القروض تتراوح بين 200 إلى 300 ألف دينار جزائري في السنوات الماضية، إلا أن الوزير غلام الله قرر رفع سقفها إلى 500 ألف دينار (نحو 6 آلاف دولار) في العام المنقضي، وهذا لـ”تمكين الشبان من تجسيد مشاريعهم بشكل أفضل من خلال اقتناء آلات حديثة”. وأبدى الوزير ارتياحه لبداية نجاح المشروع من خلال “اكتساب صندوق الزكاة مصدراً ثانياً للأموال، ويتمثل في عائدات الأقساط المُسترجَعة من الشباب المستثمِر”.
ومكَّنت هذه القروض آلاف الشباب، الذي أقبل عليها لتفادي التعامل مع البنوك الربوية، من إنشاء مشاريع منتِجة في قطاعات شتى كالصناعات التقليدية للجنسين والحِرف اليدوية المختلفة والمشاريع الفلاحية الصغيرة كتربية الدواجن وإنتاج البيض وصيد الأسماك وكذا مشاريع الخدمات كاقتناء سيارات الأجرة.. وغيرها من المشاريع المنتجة والخدماتية الصغيرة، مع “منح الأولوية للخريجين في الجامعات وكذا في مراكز التكوين المهني المؤهَّلين” بحسب عدة فلاحي، مستشار وزير الشؤون الدينية.
وأبدى الحاصلون على “القرض الحسن” ارتياحهم للتجربة، بريزة طايف، خياطة ماكثة بالبيت، كانت تعاني الأمرين مع آلتها القديمة قبل أن تتمكن من شراء مجموعة آلات خياطة عصرية بـ”القرض الحسن” ونجح مشروعها واستطاعت توظيف خياطات في بيتها لمساعدتها في انجاز طلبات الزبائن.
أما اُوهيبة عبد الرزاق فقد تمكن من شراء سيارة بالاستعانة بـ”القرض الحسن” سنة 2009 وجعلها سيارة أجرة يعيل بها عائلته، بينما يؤكد سحاري لخميسي نجاحَ مشروعه لتربية النحل بفضل هذا القرض حيث بدأ بـ15 خلية نحل وهو الآن يملك 50 خلية، ومشروعه ينمو باستمرار، كما يتحدث عبد السلام مسِّيخ عن معاناته مع البطالة برغم استفادته من تكوين في الصيد البحري لمدة 9 أشهر، قبل أن يتحصل على “قرض حسن” اشترى به قارب صيد ونجح في مشروعه لصيد السمك.
ديوان الزكاة
برغم بداية نجاح المشروع، إلا أن الدكتور فارس مسدور يؤكد أنه لا يزال في بداياته ولا تزال الأموال التي تُجمع من الزكاة في الجزائر ضئيلة جدا وبعيدة عن مستوى الطموحات، ويكشف مسدور عن أن “القيمة الحقيقية للزكاة في الجزائر تصل إلى نحو 2.5 مليار دولار سنوياً بالنظر إلى معطيات الاقتصاد الكلي بالبلد”. ويضيف “لو جُمعت هذه المبالغ كلها، لأمكنَ تقديمُ 30 ألف قرض حسن كل سنة قد توفّر 60 ألف منصب شغل على الأقل سنوياً، وكذا تقديم زكاة بـ10 آلاف دينار لنصف مليون عائلة جزائرية على شكل مرتب شهري طيلة العام”، إلا أن الخلل، بنظر مسدور، يكمن في عدم ثقة المؤسسات وكبار المليارديرات بالجزائر في صندوق الزكاة، حيث “يتهربون منه ويرفضون إقامة “محاسبة زكاتية” كل سنة على غرار المحاسبة الضريبية”، وطالب السلطات بـ”أخذ الزكاة منهم جبراً باعتبارها الركن الثالث في الإسلام عوض استجدائهم لدفعها كما يحدث الآن”.
وانتقد مسدور الدور الباهت للمساجد في جمع الزكاة وتسيير ملفات “القرض الحسن”، مستدلاًّ بالتجاوزات والسرقات التي كُشف أمرُها وأحيل أصحابُها إلى القضاء للفصل فيها، وطالب بإنشاء “ديوان للزكاة” تشرف عليه كفاءاتٌ إدارية ومالية مؤهلة، كأداة مؤسَّساتية عصرية لتسيير صندوق الزكاة وإخراجه من “المرحلة الشعْبوية” التي دامت 5 سنوات دون أن تحقق الكثير، فضلاً عن سنِّ قانون ينظم جمع الزكاة وتوزيعها.

اقرأ أيضا