صحيفة الاتحاد

دنيا

رمضان موسم تعزيز العلاقات الاجتماعية

أحمد السعداوي (أبوظبي)

تنشط العلاقات الاجتماعية بين الناس خلال شهر رمضان المبارك، عبر كثير من الصور والمظاهر، يبدأ أولها تبادل الجميع التهاني والتبريكات بهذه الأيام العطرة، ومع مرور أيامه تكثر الزيارات المتبادلة بين العائلات لتناول الإفطار بحضور أفراد العائلة، الذين شغلتهم اهتمامات الحياة المختلفة.
وتكثر تجمعات الأصدقاء في أماكن مختلفة من أجل السمر وتبادل الأحاديث، وحتى حلقات تحفيظ القرآن تعتبر هي الأخرى وسيلة مهمة لالتقاء عديد من الأفراد وتكوين صداقات وعلاقات ممتدة بينهم بفضل هذا الشهر الكريم الذي ينشر التسامح والمودة في المجتمع.

زيارات
وتقول ثريا الخوري، أخصائي بقطاع التنمية الاجتماعية في جهة حكومية، إن العلاقات الاجتماعية أكثر قوة خلال رمضان، لأنه شهر تراحم وتواصل بين الجميع، علماً بأن الزيارات والأمسيات لهما دور كبير في تقوية الروابط بين أفراد المجتمع على اختلاف فئاتهم العمرية والاجتماعية، كما أن الشهر يقضي على العزلة بين أبناء الجيل الجديد، الذين يقضون أوقاتا طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي مع من هم بالفئة العمرية أو الاهتمام ذاته، ولكن مع حلول شهر رمضان تصبح الفرصة متاحة لقضاء أوقات أكثر مع أقرانهم خاصة من العائلة نفسها ما يزيد من قوة صلة الرحم بينهم ويتعارفون على بعضهم في أجواء عائلية فريدة.
وقالت: هذا الأمر لا يقتصر على الشباب، إنما تكثر الزيارات الاجتماعية في شهر رمضان بين الأهل و الجيران والأصدقاء، حيث يجتمعون على مائدة الإفطار، أو يتشاركون في الأعمال الخيرية والتطوعية، كما أن الشهر يعتبر فرصة لتصفية الخلافات، التي قد تنشأ بين الأفراد أو زملاء العمل بسبب ضغوط وأعباء الحياة، ولا يغيب عن الأذهان أنه للزيارات الاجتماعية فوائد لا تقتصر على تقوية الروابط الأسرية، بل تقوية العلاقات والتعرف إلى أصدقاء وجيران جدد، كما أن تبادل المعارف والخبرات والأحاديث، التي تتم خلال هذه اللقاءات تؤثر بشكل إيجابي على نفسية الشخص وتهذيبه سلوكيا.
وأكدت أن الاختلاف في طريقة الحياة بين الجيل الحالي والجيل السابق، قد يقف عائقا في تقوية العلاقات الأسرية من خلال الزيارات على مدار العام، حيث يلجأ الجيل الجديد في التواصل مع الأهل والأقارب عبر وسائل التواصل الاجتماعي وزيارة المناسبات الرئيسيّة، وهنا على أرباب الأسر استغلال هذا الشهر الكريم في ترتيب الزيارات المتبادلة، حتى يخرج الأبناء من هذا الشهر وهم أكثر تواصلا وقدرة على صلة الرحم.

طاقة إيجابية
سحر مومني، معلمة رياض أطفال، أوضحت أن التواصل الاجتماعي ضرورة عصرية ومن خلاله نحصل على العديد من المكاسب من الناحية النفسية أو الاجتماعية، حيث نشعر أن لنا أصدقاء في كافة المواقف، فضلا عن تنشئة أبنائنا بطريقة سليمة عبر التواصل البناء مع الغير، ومن الطبيعي أن يكون شهر رمضان أفضل أوقات العام لاستعادة زخم وأهمية العلاقات الاجتماعية في حياتنا، التي تتأثر بشكل كبير بسبب تعدد انشغالاتنا، فالأم الآن أصبحت تعمل إلى جانب رعاية شؤون أسرتها وكذلك الأب لديه كثير من الأعباء والمشاغل، التي قد تجعله أحيانا مقصر اجتماعيا، لكن بحلول شهر رمضان، يتغير الوضع إلى حد كبير، فتقوم الأسر بإعداد قائمة بالأقارب والأصدقاء، الذين ستتم دعوتهم على الإفطار، كما تلبي الأسرة بعض هذه الدعوات وتقوم بزيارات لبيوت الأهل والأصدقاء.
وأشارت إلى أنه بالنسبة للرجال والشباب فإنهم يقضون بعض الأوقات في الخيم الرمضانية، التي يتوجهون إليها بعد الانتهاء من صلاة العشاء والتراويح، للاستمتاع باللحظات المميزة التي يعيشونها خلال أمسيات شهر رمضان، وهذه اللقاءات بعيداً عن أجواء العمل وضغوط الحياة المستمرة طوال العام، مما يجدد النشاط والطاقة الإيجابية في الجميع، فيعودون إلى العمل والحياة بعد انتهاء شهر رمضان بمزيد من الإقبال على الحياة وتوازن نفسي واجتماعي مطلوب حتى تسير حياة الإنسان بشكل متوازن بين احتياجاته النفسية والاجتماعية من ناحية، ومتطلبات العمل وأعباء الحياة من ناحية أخرى، فتكون التجمعات وإحياء العلاقات الاجتماعية خلال هذا الشهر بمثابة محفز للتواصل بين أفراد المجتمع وتشديد على قوة الروابط التي تجمعهم.

خصوصية فريدة
ولفت يحيى المسكري، صاحب عمل خاص، إلى أن شهر رمضان له خصوصية فريدة عن باقي شهور العام، لما يحمله من سمات وأجواء روحانية مختلفة سواء بتخصيص وقت أكبر للذكر والعبادات، أو بالحرص على صلات الأرحام والتواصل مع الأصدقاء العديدين في الدولة من مختلف الجنسيات إلى جانب أهلنا في الإمارات عبر المجالس المنتشرة في كل مكان، والزيارات الأسرية المتبادلة وهي جميعاً وسائل للتقارب بين أفراد المجتمع يكثر استخدامها خلال الشهر الكريم، وحتى حلقات تحفيظ القرآن في المساجد المنتشرة في ربوع الدولة، تتيح المجال للتعارف بين مرتاديها، فيكون سباقاً في الخير وجمع حسنات قراءة القرآن وتجويده، وفي الوقت ذاته أجر وثواب التراحم والتواصل بين المسلمين على اختلاف جنسياتهم.
وأشار إلى أن شهر رمضان أيضا فرصة عظيمة للتسامح ونسيان بعض المواقف التي تنشئ خلافات بسيطة بين البعض، فينسون خلافاتهم مع حلول الشهر الفضيل وبالتالي تزاد لحمة أفراد المجتمع، وهو من أهم المبادئ التي تربينا عليها ووجهتنا إليها السنة النبوية في كثير من المواضع والأحاديث، بضرورة التألف والتواد لما في ذلك من خير لأفراد المجتمع.

استعادة قوية
أحمد البلوشي، رئيس أحد الفرق التطوعية، لفت إلى أن رمضان يشهد استعادة قوية للعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، حيث يتبادل الجميع الزيارات وعمل موائد للإفطار الجماعي في كثير من المؤسسات والهيئات، وكذا يخرج الشباب سويا لقضاء الأوقات في المجالس وأماكن التجمعات المختلفة، التي تعتبر أشبه بنواد مفتوحة يتعارف فيها الناس على بعضهم بعضا، وهنا تقوى العلاقات الاجتماعية لأبعد الحدود، فيصبح شهر رمضان خيراً بين الأهل والأصدقاء بالزيارات والمجالس المفتوحة طيلة الشهر الكريم، وفي هذا جزء كبير من التمسك بالعادات والتقاليد الحميدة التي تحث على روح المؤاخاة والتعاون بين أفراد المجتمع، خاصة وأن المجالس الرمضانية تشهد إفطاراً جماعيا يضم جميع الأجيال يتعارف الكل خلالها ويتبادلون الخبرات وتتعلم الأجيال الجديدة من الكبار، فتنمو كثير من العادات والتقاليد الجميلة وأهمها روح العطاء والانتماء للوطن والقيادة التي حافظت دوما على هذه التقاليد العريقة رغم مظاهر الحداثة والتقدم التي نلاحظها في أرجاء الدولة.
وعن الفوائد التي يشعر بها عقب قيامه بإحدى هذه الزيارات والمشاركة في التجمعات الرمضانية، أوضح أن الفوائد كثيرة، ومنها تنمية روح التعاون بين أفراد المجتمع والزملاء، الشعور بالسعادة لأنة القصد من الزيارة والتواصل مع الآخرين رضا الله ثم تقويه العلاقات فيكون فيها بهجه وسرور يشعر به الجميع، مبيناً أنه يمكن للفرد الخروج من رمضان باكتساب عادات جديدة تقوم على ضرورة ترابط المجتمع بكافة فئاته حيث يضع تقوية العلاقات الاجتماعية ضمن أولوياته رغم انشغالات الحياة، وذلك يأتي عبر عدة وسائل منها التواصل المستمر كل أسبوع وذالك يتم عن طريق تفعيل دور المجالس في الأحياء السكنية، لدورها في تقويه العلاقات وحل الإشكاليات البسيطة بين أفراد المجتمع والاطلاع على جميع المستجدات في جميع المجالات وكذالك تلبية الدعوات سواء في الأفراح أو الأحزان لأنه لها أثراً كبيراً في تقوية وتوطيد العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد.

تسامح وصلة رحم
أوضح الاستشاري الاجتماعي عمر مبارك الناجم، أن طبيعة شهر رمضان، مرتبطة بتقوية العلاقات بين جميع أفراد المجتمع، بكل ما فيها من مفاهيم دينية وأهمها صلة الرحم، بالإضافة إلى الموروث الاجتماعي المعروف في الإمارات ومنطقتنا العربية ويقدره الجميع ويحرصون على تعزيزه خاصة في هذه الأيام المباركة، لافتاً إلى أن اجتماع الناس في رمضان من الأشياء المألوفة، حتى لو اتخذ شكلاً حديثاً لم يكن معروفا في السابق مثل الخيم الرمضانية، التي يزداد الإقبال عليها عاماً بعد عام وصارت أشبه بمنتديات تضم كافة أطياف المجتمع يجتمعون فيها للسمر ولقضاء بعض المصالح أحياناً.
وقال: لا يغيب عن الجميع أن شهر رمضان له خصوصية من حيث انتشار التسامح والحرص على صلة الرحم بين الجميع، ونلاحظه في اللقاءات الأسرية في البيوت والأماكن العامة، حتى بيئات العمل عبر الإفطار الجماعي، الذي تقيمه الكثير من المؤسسات للتقريب بين العاملين فيها وتقوية العلاقات الاجتماعية فيما بينهم.
وأشار إلى أنه من المظاهر اللافتة للتقارب الاجتماعي اجتماع أفراد العوائل الممتدة، فتجدهم في كل يوم من أيام رمضان مجتمعين عند أحدهم في ظاهرة اجتماعية جميلة تزين شهر رمضان، فضلاً عن اجتماع بعض أفراد الجيران عند بعضهم بعد صلاة العشاء والتراويح للسؤال والاطمئنان عن أحوال بعضهم بعضا.
ولفت إلى أن اجتماعات العوائل لها أهمية كبرى لأنها تجعل أرباب الأسر يصطحبون أبناءهم معهم، وبالتالي يفتحون بابا للتواصل وتوطيد العلاقات للجيل القادم، ويتعلمون أصول السنع والمواجيب والتعامل مع الكبير وكيفية استقبال الضيف وإكرامه، وغير ذلك من العادات والتقاليد التي توارثناها عبر الأجيال