الاتحاد

دنيا

خبراء ومتخصصون: «المدمن» إنسان مسلوب الإرادة ومنبوذ اجتماعياً.. ولديه الاستعداد للتفريط في شرفه ونخوته!

بؤر تعاطي المخدرات تستقطب الصغار والمراهقين

بؤر تعاطي المخدرات تستقطب الصغار والمراهقين

يطلق على”الإدمان” وصف “طاعون العصر”..
ومن يعلم حقيقة “الإدمان” يستطيع أن يدرك أن وصفه بالطاعون تخفيف وتبسيط مبالغ فيه..
فالطاعون أو أى وباء مرضي شهدته البشرية تسبب في موت جماعي لمجموعة من البشر في مكان ما، وفي وقت معين، وانتهىَ بمحاصرته ودحره مهما كانت خطورته ودرجة انتشاره..
أما “الإدمان” فهو الوباء المدمر الذي يلتهم الأخضر واليابس، والوباء الوحيد الذي يقبل عليه “كراهية” المبتلون به رغم علمهم أنهم يسيرون إليه ركضاً إلى موت محقق ينتظرهم عاجلاً أم آجلاً، ويخلف وراءه مصائب ومشاكل ودمار لا حصر له على كافة الصعد.
الإدمان لا يمكن محاصرة آثاره المدمرة وقصرها على صاحبه فقط، فالمشكلة الأكبر التي تواجه وتتحدى كافة الجهود العلاجية في أى مكان في العالم تتمثل في مقاومة ورفض مريض الإدمان نفسه- دون إرادة منه ـ للعلاج أو التعافي! بل هو أمر طبيعي أن نجد أن مريض الإدمان يعلم جيداً أن طريقه يوصف بأنه “بداية النهاية”، ولا يستطيع الفكاك أو الخلاص من مصيره المحتوم دون مساعدة ! لا نبالغ إذ أكدنا أن “الشروخ” التي تضرب كيان وجوانب شخصية مريض الإدمان تجبره وتكرهه على جملة من “التنازلات”والتفريط في كل مايملك من غالٍ ونفيس حتى النفس والشرف والعرض والنخوة !
..إن أراد المدمن العلاج، وبدء طريق التعافي والتأهيل ليعود إلى حياته السابقة من جديد، فإن أول ما يصطدم به حائط المجتمع الذي يتمثل في رفضه وعدم تقبله له محكوماً بقيم وأحكام الخجل .. وتلوث السمعة.. والعار الأخلاقي والاجتماعي الذي سببه الإدمان.
.. تتفشى ظاهرة تعاطي المُخدرات والمسكرات والعقاقير المخدرة والإدمان عليها في الكثير من دول العالم أكثر من أي وقت مضى، وأصبحت المخدرات بجميع أنواعها خطراً يهُدد سلامة المجتمعات وتماسكها واستقرارها، وتؤثر بشكل مباشر على الفرد والأسرة والمجتمع على كافة الصعد “الجسمية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية”، فإن ابتليَت أى أسرة بتعاطي أحد أفرادها أو إدمانه على أي نوعٍ من أنواع المخدرات، فإنها تعيش مأساةٍ حقيقية لا يعرف مدى صعوبتها إلا من ذاق مرارة التجربة نفسها.
.. إن مريض الإدمان يحول حياته وحياة أسرته إلى جحيم، إذ يعيش جميع أفراد الأسرة تحت ضغوط نفسية صعبة من القلق والتوتر الشديدين، ويحول الإدمان ضحاياه إلى أداة يمكن أن تفعل أي شيء للحصول عليها، فالمُدمن إنسان مسلوب الإرادة مستعد أن يتنازل عن الغالي والنفيس مُقابل حصوله على جرعة من المخدر، كما يُمكن أن يتنازل عن كرامته وإنسانيته في مُقابل تعاطي”جرعة” واحدة من السموم الفتاكة.

..”الاتحاد” تلتقي وعدد من أفراد الفريق العلاجي المتخصص في علاج وتأهيل حالات الإدمان على المخدرات، في المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي، لنتعرف من خلالهم عن طبيعة مرض الإدمان، وآثاره الجسمية والنفسية والاجتماعية السلبية، وملامح وأساليب البرامج العلاجية والتأهيلية المتبعة، وأبرز المعوقات التي تحول دون إعادة المريض إلى حياته الطبيعية. ومدى الحاجة إلى الدعم المجتمعي لهذه الفئة من الشباب.
يشير الدكتور أحمد يوسف، المدير الطبي للمركز الوطني للتأهيل، إلى ملامح البرنامج العلاجي، ويقول: “المركز يطبق الاتجاه والنموذج العلاجي الأحدث لعلاج وتأهيل حالات الإدمان على المخدرات والمسكرات والعقاقير المخدرة الأخرى، وفق منظور شمولي يستند إلى المفهوم العالمي الجديد لتشخيص الإدمان باعتباره مرضاً يصيب الشخص وله أسباب وأعراض وتداعيات جسمية ونفسية واجتماعية ترتبط ببعضها بعضاً. ويتم العلاج بتكامل التخصصات العلاجية وتتحدد وصولاً إلى النتيجة المطلوبة، وهى التعافي التام وليس التعافي الجزئي أو المحدود، ذلك أن العلاج الحقيقي لا يكن مقصوراً فقط على علاج أعراض الانسحاب ثم ترك المريض بعد ذلك ليعود وينتكس من جديد، إنما يجب أن نصل معه إلى استرداد عافيته الأصلية واسترداد قدرته على الاستمرار ومواصلة نشاطه المعتاد في الحياة دون مخدر، ومن وجوه ثلاثة، جسدية ونفسية واجتماعية. ومن ثم تكون البداية بإزالة السموم من جسم المريض”إزالة السمية” حسب نوع المخدر أو العقار الذي يستخدمه، وهي مرحلة طبية فى الأساس لأن العلاج الذي يُقدّم للمريض في هذه المرحلة هو مساعدة هذا الجسد على القيام بدوره الطبيعي، والتخفيف من آلام الانسحاب أو الانقطاع المزعجة، وتأمين ومراقبة حالته بعد الامتناع عن تناول المخدر، وتقييم وضعه الصحي من جميع الجوانب بإجراء فحوصات مخبرية شاملة، والاستعانة بكافة التخصصات العلاجية الأخرى كالباطنية أو الجلدية أو الأسنان أو غيرها حسب حالة المريض. وبعد استقرار الحالة مبدئياً، تتم عملية التقييم النفسي والاجتماعي الشامل، ووضع خطة العلاج والتأهيل”.
ويضيف الدكتور يوسف:” نحن حريصون دون شك أن نتعاون مع باقي التخصصات العلاجية الأخرى في علاج المريض من الأمراض العضوية المصاحبة للإدمان أو التي خلفها الإدمان وكان سبباً مباشراً لها، كالالتهابات الكبدية، أو الأمراض الجلدية أو غيرها، كما هو الحال أيضاً بالنسبة للاضطرابات والأمراض النفسية والسلوكية المسببة أو المصاحبة للإدمان، كالاكتئاب والقلق والتوتر وغيرها، والعمل على استعادة المريض لتوازنه الطبيعي دون مخدر”.

التأهيل النفسي
تشير فاطمة الحامدي، الاختصاصية النفسية بالمركز إلى برنامج التأهيل النفسي، وتقول:” عادة ما نبدأ التقييم النفسي للمريض بعد إزالة السمية، وحيث نشرع في دراسة الحالة دراسة فردية، وتحديد إذا ما كانت الأعراض الموجودة سابقة للإدمان أو مصاحبة له كنتيجة، وما يصاحب ذلك من تعقيدات أسرية واجتماعية، وتشخيص نوعية الاضطرابات النفسية والصراعات الداخلية التي يعاني منها المريض، أو تلك الناتجة عن عدم تكيفه مع نفسه ومع المحيطين به، وقد يخضع المريض لاختبارات نفسية تكشف بعض المشاكل لديه، وقد يصعب معرفتها في المراحل الأولى للعلاج .ثم يبدأ في جلسات نفسية لمساعدته في التخلص من الضغوط والتفكير والوساوس والتنفيس عن رغباته الكامنة .كما يقوم الاختصاصي النفسي بعمل جلسات نفسية، وجلسات علاجية جماعية”علاج جمعي:” وأيضاً يتعرف على سلوكيات وميول المريض وقدراته من خلال مراقبته في الأنشطة الاجتماعية والترفيهية التي يمارسها، واستثمارها في الاتجاه الإيجابي وفق الخطة العلاجية”.

التأهيل الاجتماعي
يوضح محمد إسماعيل الحوسني، رئيس قسم الخدمة الاجتماعية بالمركز، برنامج التأهيل الاجتماعي للمريض، ويقول:” بعد استقرار حالة المريض، يتم عمل التقييم الاجتماعي الشامل للمريض، من حيث نشأته، وطفولته، والتعرف إلى تاريخه الأسري والاجتماعي بكل دقة، وعمله ونشاطاته، وشبكة علاقاته الأسرية والاجتماعية وصداقاته مع الأقران، والعمل على كسب ثقة المريض لبدء العلاج الأساسي. ونؤكد أن التعامل مع المرضى يتم في سرية تامة تضمن خصوصيات المريض، ولتجنب الأذى أو الحرج النفسي والاجتماعي له ولعائلته وأسرته. كما نقوم بعمل الدراسات الاجتماعية لمعرفة البيئة المحيطة به من أسرة وأصدقاء وتعليم وظروف اقتصادية وما يعانيه من مشاكل اجتماعية قد تكون هي الدافع الأساسي وراء الأمراض النفسية أو الإدمان. ومن ثم يكون العمل وفق خطة العلاج الشاملة التي يحددها الفريق العلاجي، كذلك يؤهل المريض تأهيلاً اجتماعياً ومهنياً من خلال الأنشطة والفعاليات والندوات والمحاضرات والأنشطة الرياضية والترفيهية والدورات التدريبية، ويتم مساعدة المريض على ممارسة هواياته للتعبير عن رغباته الكامنة، وذلك بغية الوصول إلى التكيف الاجتماعي الذي افتقده.هذا بالإضافة إلى تعليم المريض بعض المهارات والسلوكيات للتعامل مع المجتمع بعد خروجه.

البرامج التأهيلية
يقدم المركز الوطني للتأهيل في أبوظبي برامج تأهيلية نفسية واجتماعية متكاملة لمرضى الإدمان، تحتوي على كثير من الأنشطة والفعاليات المتميزة والهادفة بإشراف اختصاصيين كل في مجاله، وتمتد هذه البرامج ما بين 45 - 90 يوماً، ويمكن أن تمدد حسب تقييم الفريق العلاجي للحالة، ومن أهم هذه البرامج “البرنامج الرياضي اليومي بإشراف مدربين متخصصين، وبرامج العلاج الفردي والجماعي، وبرنامج تلافي الانتكاسة حيث يتم اكساب المريض مهارات استمرار التوقف عن التعاطي، وكيف يعتاد على مواجهة المواقف المختلفة دون مخدر، وتعويده وتدريبه على تفادي الرجوع أو الحاجة إلى تغيير مزاجه بواسطة المخدر.
كما يقدم برنامج الإرشاد الديني بواسطة علماء ورجال دين متخصصين، لتعزيز الجان الإيماني والروحي وتقوية الواعز الديني عند المرضى. إلى جانب الانخراط في برنامج لتعلم المهارات الحياتية الذي يركز على تدريب المريض على إدارة حياته اليومية دون توتر أو غضب أو انفعال. كما يشمل البرنامج برامج تنمية ميول المريض في الفنون الجميلة كالرسم والموسيقى، وتعليم اللغة الإنجليزية والحاسب الآلي، وتعويده المطالعة والتركيز على تثقيفه إذاء أضرار المخدرات والإدمان عليها.
أما برنامج العلاج العائلي”الأسري” فإنه يركز على إشراك العائلة في كافة جوانب الخطة العلاجية أثناء فترة العلاج الداخلي بالمركز أو بعد الخروج، للتأكيد على أهمية الدعم الأسري للمريض، والسعي نحو علاج وإزالة الاضطرابات الأسرية المسببة للإدمان أو المصاحبة له، إلى جانب تثقيف أفراد الأسرة على كيفية التعامل مع ابنهم مريض الإدمان، وكيفية التعامل والتفاعل مع المخلفات السلبية التي سببها الإدمان كأعراض طبيعية له، وإشراك الأسرة وتبصير أفرادها في كيفية دعم المريض لتجنب أسباب الانتكاسة، هذا فضلاً إلى تطبيق نظام برنامج غذائي متكامل يتناسب مع الحالات الصحية للمرضى في وجود أمراض مثل السكر، والضغط، والسمنة المفرطة أو سوء التغذية، وبعد انتهاء برنامج العلاج الداخلي بالمركز، يتم متابعة المريض بعد خروجه في العيادة الخارجية “العناية اللاحقة” أو ما يسمى “بيت منتصف الطريق”.


الإدمان.. «بداية النهاية»

أبوظبي (الاتحاد) ـ تشير الدراسات والبحوث في مجال الإدمان إلى أن التعرف على المواد المخدرة وتعاطيها يبدأ غالباً في سن المراهقة، نظراً لكونه مرحلة الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب والرجولة. والمراهق يميل بطبيعة مرحلة النمو التي يعيشها إلى حب الاستطلاع والتمركز حول الذات وحب المغامرة، ويسعى وراء الملذات الحسية، والرغبة في اكتشاف الجديد والمثير في الحياة، وتلك الحالة تجعل المراهق يعيش أحوالاً نفسية متناقضة تتراوح بين التمسك بالأخلاقيات والقيم من جهة والرغبة في ممارسات الخبرات الجديدة تحت تأثير الأصدقاء والمثيرات البيئة الخارجية من جهة أخرى. لذا نجد المراهق يسعى إلى ممارسة سلوكيات يشعر بأنها تعطيه توكيداً لذاته الناشئة، وتبدو في ممارسة بعض السلوكيات السلبية مثل قيادة السيارات بشكل خطر وتدخين السجائر وتعاطي المخدرات.
ونظراً لأن مرحلة المراهقة تتيح للمراهق اكتشاف الجوانب الجنسية في الحياة، فيرتبط بجماعات مختلفة يجد نفسه معها ويبوح داخلها بأسراره الشخصية التي يخجل من التعبير عنها في محيط الأسرة والمدرسة. ومن ثم يبدأ تأثير الأصدقاء، ويتعرف المراهق على طريق الغواية والإغراءات، ويدعم ذلك توجهه السلبي، ورغبته في الشعور بالاستقلالية والتحرر من القيود الأسرية والتمرد على القيم. كما تبدو على المراهق أحياناً ملامح من عدم الاستقرار والتوتر والميل إلى الجدل والعناد وسرعة الغضب والخجل، وتلك السمات في مجملها تدفع بعض المراهقين إلى التدخين وتعاطي المواد المخدرة بدفع التجربة وسواء تم التعاطي تحت تأثير الأصدقاء أو بالتجربة الذاتية، يكون المراهق قد عرض نفسه للتسمم المبكر الناشئ عن تعاطي المواد المؤثرة في الحالة الذهنية، ويبدأ في التورط التدريجي شيئاً فشيئاً وكلما حاول التوقف فلا يمكنه التعامل مع الآثار البدنية والنفسية المصاحبة للتوقف، فتنشأ لديه حالة من السلوك القهري يكون الاشتياق البدني النفسي فيها هو المؤثر الفعال في دفعه المستمر نحو التعاطي، وهكذا كلما حاول الإفلات من الآثار السلبية للمخدر، وتزداد قدرة الجسم على التحمل وتتفاقم المشكلة وبذلك يكون المراهق قد انزلق بالتدريج إلى دوامة عالم المخدرات.
ويؤكد خالد العدواني الأخصائي النفسي الأول بالمركز الوطني للتأهيل، أن التجربة الأولى سواء في التدخين أو تعاطي المخدر هي البداية، وينبغي أن ننبه المراهقين إلى خطورة التجربة الأولى وأهمية الحرص على عدم الإقدام عليها، وتزداد مشكلة تعاطي المراهق للمخدرات تفاقماً عندما يتعاطى داخل مجموعة من الأصدقاء، فذلك الانتماء الوجداني لجماعة إدمانية يعزز لديه شعور العضوية في جماعة متوحدة المشاعر والعواطف، ومع تلك البدايات يدخل المراهق عالم السرية بكل أخطاره من خلال عالم المخدرات، وذلك أمر يتوافق مع طبيعة مرحلة المراهقة، ومع تعاطي المخدرات يزداد التسمم يوماً بعد يوم، ويضطر إلى زيادة الجرعة للوصول إلى نفس الأثر. هنا تتغير مشاعره العاطفية تجاه والديه، وأفراد أسرته، ومجتمعه المدرسي تحت تأثير الخوف ومشاعر الذنب، ويصبح الإدمان مشكلة شخصية تتمثل في الاعتماد الجسمي وما يصاحبه من نتائج نفسية وسلوكية واجتماعية، وتظهر الحاجة إلى المال لشراء المخدر، وقد يضطر للسرقة من منزله أو من خارجه، وقد يتعرض للفصل من المدرسة لعدم التوافق مع المجتمع المدرسي، وفي حالات كثيرة تم فصل مدمنين من المدرسة دون علم الأسرة لوقت طويل، وقد يتعرض لطائلة القانون، وبذلك يكون المراهق قد هبط بالتدريج إلى قاع عالم المخدرات، ويحتاج إلى تدخل علاجي منظم ومن دون حصول المدمن على العلاج.


أهمية التأهيل النفسي

هاجر الحوسني الأخصائية النفسية في منطقة أبوظبي التعليمية تؤكد أن أهم المشكلات التي يسببها الإدمان، اضطراب العلاقة مع الأسرة وفقدان الثقة في الابن المدمن، ونمو المشاعر السلوكية العدوانية المتبادلة، وإهمال الدراسة أو تركها أوفقدان العمل، وعادة لا يستطيع المدمن الجمع بين إدمانه وعمله، لأن نمط الحياة المعتمد على الكحول والمخدرات يجعل المدمن ينفق وقتاً طويلاً من أجل الحصول على المادة المخدرة ويفرض عليه شبكة علاقات واسعة تستهلك طاقته، فضلاً عن قلب عادة النوم حيث يسهر ليلاً وينام نهاراً. وتبديد المال والثروة والمدخرات والممتلكات الشخصية، ويبدأ في بيع أغراضه المنزلية ثم سيارته، ويلجأ إلى الاقتراض ثم السرقة أو ترويج المخدرات حتى يوفر لنفسه ما يحتاج إليه. وغالباً ما تهدد حياة المدمن الأسرية وأحياناً يتعرض للطرد من منزل والديه، أو تتقبل الأسرة وجوده معها على ألم ومعاناة وقد تطلب الزوجة الطلاق أو الانفصال. ويكتسب المدمن سلوكيات سلبية نتيجة إدمانه مثل الاندفاع والمراوغة والكذب والسرقة والتحايل لاقتراض المال وعدم الوفاء بالدين، وعدم الوفاء بالوعد، هذا إلى جانب اضطراب المشاعر النفسية تجاه الآخرين، فيميل المدمن إلى العزلة واجتناب أسرته وجيرانه وأقاربه وتظهر لديه مشاعر انخفاض صورة الذات، والتورط في شبكة علاقات واسعة مع أشخاص مدمنين يضعفون عليه ويقفون عقبة في سبيل تعافيه، وتعرضه العلاقة معهم إلى المشكلات القانونية وتبعاتها. هذا إلى جانب الإصابة بأمراض بدنية تنتقل بالعدوى وأبرزها التهاب الكبد الوبائي والإيدز.
كما يصاب المدمن باضطرابات مزاجية وحزن واكتئاب وميل إلى العدوانية والقلق والأفعال القهرية، كما يعاني نسبة كبيرة من الآباء والأمهات والزوجات والأزواج في أسر المدمنين أيضاً من أعراض بدنية نفسية وأمراض عضوية عديدة. وتحاول الأسرة مساندة المدمن والوقوف معه لكنه ينتكس مما يفجر مشاعر الغضب والخوف لدى الأسرة. وهكذا يعمل الجهل بطبيعة المرض على نمو الإنكار وخصائص الاضطراب السلوكي والارتباك حيث يصبح موضوع الحب سبباً للمعاناة والألم. وتظهر لدى الأسرة مشاعر الانفصال والإحساس والرغبة في إقصاء المدمن عن حياتها عندما تتكرر الانتكاسات، وقد يؤدي في حالات أخرى (إدمان الأب أو الزوج) إلى التفكك الأسري والانفصال والطلاق. كما تتأثر أسرة المدمن بإدمان أفرادها مما يؤثر على كفاءة العلاقات الاجتماعية للأسرة وتنتابها مشاعر الخجل لتتأثر السمعة. وتؤثر سلوكيات المدمن في بعض الحالات على المحيطين به وتظهر الانحرافات السلوكية (بتأثيره) عند أفراد الأسرة ممن لديهم الاستعداد للانحراف خصوصاً ممن هم في سن المراهقة، وتمهد سلوكيات المدمن في الأسرة إلى ظهور مدمن جديد بتأثير الاقتداء. ويحتمل أن يؤثر عدم الالتزام الديني لدى بعض المدمنين على صغار أفراد الأسرة. هذا فضلاً عن اضطراب الأدوار الاجتماعية في الأسرة، وتفكك روابط الاتصال العائلي، وظهور مشكلة الخوف الدائم من انتقال الأمراض المعدية والفيروسية من المريض إلى أفراد الأسرة.
أما تأثير الإدمان على صعيد المجتمع، فإنه يتمثل في إهدار الثروات البشرية الاقتصادية للوطن. فأعمار المدنيين هي في سن الشباب وهي مرحلة العمل والإنتاج، والمخدرات غالية الكلفة مما يعني تسرب الثروة والمال في نواح لا تفيد التنمية الاجتماعية، وظهور نوعيات جديدة من جرائم الاغتصاب والاعتداء والقتل وحوادث السيارات، وانتشار الأمراض المعدية، وتهديد قيم المجتمع الدينية والأخلاقية والسلوكية.


«بيت منتصف الطريق» حجر الزاوية لبرنامج الرعاية اللاحقة

أبوظبي (الاتحاد) - يوضح الدكتور هشام العربي، رئيس قسم التوعية الصحية والدراسات بالمركز الوطني للتأهيل أهمية برنامج العناية اللاحقة لمرضى الإدمان، ومدى الحاجة إلى الجهود المجتمعية لإنجاح البرامج العلاجية لهم، ويقول: “إن مشكلة الإدمان ظاهرة شديدة الخصوصية، وتقترن بتعارضها مع القيم الدينية والروحية والاجتماعية والأخلاقية للمجتمع، ومن ثمَّ ترتبط بالعار والجريمة في الأذهان. ومع تأكيد الدراسات العلمية أنّ الغالبية العظمى من مرضى الإدمان لم يكن لديهم الوعي الكافي لتجنب وقوعهم في براثن الإدمان، ووجود أعداد هائلة منهم أدمنوا نتيجة ظروف وأسباب نفسية واجتماعية وضغوط خارجة عن إرادتهم، ومع الاتجاه الحديث للتعامل مع الإدمان على أنه “مرض” مزمن له تداعياته الصحية والنفسية والاجتماعية فإنّ الجهود العلاجية تحتاج إلى تغيير نظرة المجتمع إلى المدمن، والتعامل معه على أنه مريض يتحمل جزءاً من مرضه، وأنّ التداعيات والأضرار التي لحقت به وبمن حوله على صعيد الأسرة والمجتمع لم تكن له بها مسؤولية كاملة، وإنما كره عليها بفعل الاضطرابات والشروخ النفسية والعقلية التي ألمت به بسبب الإدمان، وبالتالي فإننا مدعوون إلى تضافر كافة الجهود لتوعية المجتمع وأفراده إزاء المخدرات والإدمان عليها ومخاطرها، وتشجيع الحالات التي تورطت في الإدمان بعدم التردد على المراكز العلاجية المتخصصة للعلاج، وعلى المجتمع أن يستوعب حقيقة كون الإدمان مرضاً مزمناً قابلاً للانتكاسة المتكررة، وحث أجهزة الإعلام المختلفة على التفاعل مع الموضوع بعلمية وموضوعية بعيداً عن الإثارة والتهويل، كما أكد استكمال المريض لبرنامجه العلاجي بعد اجتيازه مرحلتي العلاج الداخلي والخارجي، من خلال ما يعرف بـ “بيت منتصف الطريق “، حيث ينفذ برنامج للرعاية اللاحقة في مبنى منفصل عن المركز، وتحت إشراف مباشر من الفريق العلاجي وإدارة المركز، وحيث يستطيع المرضى الخروج لممارسة أعمالهم أو وظائفهم والعودة بحرية كاملة بحيث يكون هذا المكان بمثابة بيت للمريض. وبالتالي فإن هذا المكان يمثل حجر زاوية في عملية التأهيل، تمهيداً للعودة إلى المجتمع بعد تهيئته نفسياً واجتماعياً.
كما يوجد برنامج المتابعة بالعيادة الخارجية بعد خروج المريض من المركز، وذلك بعد انتهاء فترة العلاج والتأهيل، ويبقى الفريق العلاجي على اتصال مستمر بالمريض عن طريق مراجعته للعيادة الخارجية أسبوعياً أو عن طريق الاتصالات الهاتفية معه ومع عائلته، وذلك لدعم المريض ومساعدته على حل جميع المشاكل التي قد يتعرض لها خارج المركز من مشاكل اجتماعية، كما يقوم المركز
بعمل زيارات ميدانية للمرضى بعد خروجهم من المركز للاطمئنان عليهم وعلى عائلاتهم في منازلهم، لتأكيد الدعم النفسي والاجتماعي للمريض المتعافي والاطلاع على ظروفه على أرض الواقع ومساعدته في جميع الظروف. كما قام المركز بتوقيع عدة اتفاقيات مع بعض المؤسسات الحكومية لدعم المرضى المتعافين واستمرار تعافيهم من الإدمان، وذلك من خلال برامج الرعاية اللاحقة التي يتبناها المركز، ومنها اتفاقية مع صندوق خليفة لدعم المشاريع، لمنح المرضى المتعافين فرصة للدخول في مجال الأعمال تتضمن التدريب والتأهيل - المهني والاستشارات بالإضافة إلى التمويل بهدف تمكينهم من إقامة مشاريع استثمارية. كما وقع اتفاقية أخرى مع برنامج تكاتف للتطوع الاجتماعي “تكاتف”، وذلك لتعزيز مفهوم التطوع الاجتماعي للمرضى وشغل وقت فراغهم وإكسابهم المهارات الاجتماعية ودمجهم بالمجتمع من خلال إشراكهم بالبرامج التطوعية التي تطرح من قبل برنامج تكاتف. وقد وقع المركز اتفاقية مع أكاديمية الإمارات لتنفيذ برنامج التأهيل الوظيفي للمرضى المتعافين والذي يعتبر الأول من نوعه على مستوى الدولة وصمّم خصيصاً من جانب الخبراء في الأكاديمية وبالتعاون مع الفريق الطبي بالمركز لإعادة دمج هذه الفئة من المرضى المتعافين في المجتمع، ليصبحوا أشخاصاً منتجين وفاعلين في مجتمعهم.

اقرأ أيضا