الاتحاد

دنيا

«الديوكسين» يسبب اضطراب الهرمونات ويغير وظائف الخلايا

ديوكسين يمكن أن ينتقل إلى الإنسان بواسطة البيض والدواجن

ديوكسين يمكن أن ينتقل إلى الإنسان بواسطة البيض والدواجن

استقبلت ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي العام الجديد بفضيحة صحية أُطلق عليها «فضيحة ديوكسين». فبعد إيجاد عينات بيض تحتوي على ديوكسين خمسة أضعاف الحد القانوني الذي أقره الاتحاد الأوروبي منذ 1998. ووضعت وزارات الصحة والزراعة وحماية المستهلك في حالة استنفار قصوى، لا سيما أن هذه الفضيحة تلازمت مع تسريب ديوكسين إلى بعض أعلاف الحيوانات والدواجن، وعقبت نقل شحنات منتجات استخدم فيها بيض من نفس العينات التي ثبت تلوثها إلى هولندا وبريطانيا.
لم تمنع الإجراءات التي اتخذتها ألمانيا بعض الدول مثل سلوفاكيا وقبلها كوريا الجنوبية من حظر استيراد البيض وبعض أنواع اللحوم الألمانية، ولم تنجح التطمينات التي أطلقتها المفوضية الأوروبية في ثني الألمان عن الإضراب عن تناول البيض، فلقد أظهرت استطلاعات للرأي أن 21% منهم توقفوا عن تناول البيض بعد الإعلان عن هذه الفضيحة. سبق لباحثين وخبراء أن صرحوا أن مستويات «ديوكسين» في أوروبا تناقصت في البيئة ولدى الإنسان عن ذي قبل، لكن خوف الأوروبيين من انتشار أغذية وأعلاف أخرى ملوثة يتزايد، هذا في الوقت الذي ارتفعت فيه النداءات الداعية إلى الضرب بيد من حديد على أصحاب المزارع الذين سمحوا بتوزيع كميات بيض وأعلاف على الرغم من علمهم المسبق بأنها ملوثة وأن تركيز «الديوكسين» فيها عال إلى درجة السمية التي تؤدي إلى أضرار صحية مثل التسبب في الإجهاض والسرطان وتليف الكبد.
ما هو الديوكسين؟
يُطلق اسم «ديوكسين» على مجموعة من المُركبات الكيميائية العضوية تحتوي على الكربون والهيدروجين والأوكسجين والكلور وتنبعث من بعض المنتجات الثانوية خلال أنشطة صناعية مثل عمليات ترميد النفايات واحتراق الوقود والبنزين وصنع الطلاء والفولاذ، كما تتكون بكميات قليلة نتيجة بعض العمليات الطبيعية من قبيل حرائق الغابات والبراكين. وهناك 200 مركب ديوكسين عديم اللون والرائحة تختلف درجة تلويث كل منها تبعاً لعدد ذرات الكلور ومكان تموضعها في بنيته الكيميائية الخاصة. وتُصنف17 من مركبات الديوكسين في خانة المُركبات السامة. ولا تُستخدم مركبات الديوكسين في أي من التطبيقات الصناعية، وهي تنتشر بشكل ضعيف عبر الهواء من خلال التنفس وعلى شكل رواسب في الماء والتربة. ونظراً لعدم قابليتها للتحلل أو الذوبان، يلتصق ديوكسين في الماء بالجُسيمات الصغيرة وبالعوالق الدقيقة (مثل البلانكتون). أما في التربة، فيترسب على النباتات أو يلتصق بحبيبات التربة، لكن دون التسبب في الغالب في تلويث المياه الجوفية. وتُراكم الحيوانات مركبات ديوكسين في الدهون من خلال العلف الذي تأكله. ويزداد تركيز ديوكسين من حلقة إلى أخرى في السلسلة الغذائية.

أشكال التعرض
يصل أكثر من 90% من الديوكسين إلى جسم الإنسان من خلال ما يتناوله من أطعمة وأغذية، لا سيما ذات الأصل الحيواني (اللحوم والأسماك والبيض ومنتجات الألبان). ويؤثر ديوكسين على الأطفال الذين يستفيدون من الرضاعة الطبيعية بنسبة «عشرة إلى مئة مرة « أكثر مما يتأثر الكبار بسبب وزنهم القليل. ولقد تقلصت نسبة تعرض الناس إلى ديوكسين في الدول الصناعية بنحو 50% مقارنةً مع النسبة التي كانت عليها في تسعينيات القرن الماضي. ومن بين الحالات التي سُجل فيها تعرض الناس إلى نسب عالية من ديوكسين ما حدث في مدينة سيفيسو الإيطالية بعد انفجار أحد مصانعها الكيميائية، وفي اليابان وتايوان بسبب إكثار السكان من استخدام زيت الأرز في مأكولاتهم. وتوجد في سجلات السلطات الصحية بعدد من الدول حالات سابقة تعرض فيها العمال لمستويات عالية من ديوكسين أثناء عملهم في ترميد النفايات أوفي مصانع الكيماويات.

التأثير على الحيوانات
يمكن لمُركبات الديوكسين أن تصيب الحيوانات بأضرار صحية على مستوى التطور والنمو وقوة الجهاز المناعي والجهاز التناسلي. ولوحظت مثل هذه الأضرار على عدد من الحيوانات في الدول المصنعة في أوروبا الوسطى والمناطق التي يرتفع فيها تركيز ديوكسين. وقد قام باحثون بتحليل ديوكسين TCDD في المختبر فوجدوا أنه يزيد مخاطر إصابة إناث الحيوانات وذكورها بعدد من السرطانات، وذلك من خلال تحفيز ظهور خلايا غير طبيعية تتحول فيما بعد إلى سرطانية.

التأثير على الإنسان
يُعد ديوكسين من المركبات الصعبة، فتحوله الحيوي في جسم الإنسان بطيء جداً، وهو ما يجعل التخلص منه أمراً صعباً. فهو يتراكم في الأنسجة الدهنية وفي الكبد. وينتج عن تفاعل ديوكسين مع أحد المستقبلات الخلوية آثار بيولوجية تأخذ شكل اضطرابات هورمونية وتغيرات على مستوى وظائف الخلايا. كما قد يؤثر هذا التفاعل على وظائف الجهاز التناسلي والجهازين العصبي والمناعي، علاوةً على اضطرابات الأيض وتهيج الجلد والإصابة بالسرطان والهُزال. وتؤثر سموم ديوكسين على جسم الإنسان وباقي الفقاريات اعتماداً على نفس الميكانيزمات والآليات.
وقد أكدت عدد من الدراسات أن العمال الذين تعرضوا ولو بشكل عارض إلى مستويات عالية من مركبات ديوكسين ارتفعت لديهم القابلية للإصابة بالسرطان بنسبة 40%. غير أن نسبة تعرض الناس العاديين لمركبات ديوكسين أقل من هذه النسبة بكثير، باستثناء حالات اتساع رقعة استهلاكهم لمنتجات ذات تركيز عال من ديوكسين. ويؤخر ديوكسين تطور الجهاز العصبي ويبطئ التفاعلات العصبية، كما يُسبب تغيرات سلوكية عصبية لدى أبناء الأمهات اللاتي تعرضن لنسب عالية من ديوكسين. ولا تنتقل هذه التأثيرات من الأم إلى الطفل عبر الرضاعة الطبيعية فقط، بل قد تنتقل من الأم إلى جنينها عبر المشيمة. وقد يتسبب التعرض لمستويات عالية من ديوكسين في الإصابة بالسكري وأمراض القلب والكبد والتهاب ملتحمة العين والإعياء، بالإضافة إلى مشكلات جلدية مثل حب الشباب الشديد والشعور بالضيق.

آثار كامنة
تشير الوكالة الدولية لبحوث الأمراض السرطانية التابعة لمنظمة الصحة العالمية أن هناك علاقةً سببيةً بين التعرض للديوكسين TCDD والإصابة بالسرطان. غير أن بعض الباحثين أفادوا بعد إجرائهم لتجارب مخبرية على الفئران أن هناك مجموعة من العلاقات السببية بين الديوكسين والسرطان تحكمها كمية ديوكسين التي تتسرب إلى الجسم ونوعه. وبعد تقييم المخاطر المحتملة للتعرض لمزيج من الأنواع المختلفة للديوكسين، تبين أن آثارها الصحية كامنة وبالغة التعقيد.

تقييم وخلاصات
يرجع انخفاض مستويات ديوكسين في الطعام والغذاء وحليب الأمهات والبيئة خلال الفترة الممتدة من بداية تسعينيات القرن الماضي إلى الآن إلى قيام السلطات الصحية بحملات توعوية مكثفة وسن إجراءات رقابية صارمة وبذل جهود كثيرة. ويبلغ متوسط الكمية التي تصل إلى الجسم بشكل يومي في الوقت الحالي ما بين 1 و3 بيكوجرام (جزء من 12 جزءاً من الجرام) لكل وحدة دولية لعامل التكافئ السمي في كل كيلوجرام من وزن جسم الإنسان، وهو مستوى لا يشكل خطورةً على الصحة. أما إذا تجاوز ذلك وبلغ مستويات عليا، فإنه يُضاعف من احتمال الإصابة بأنواع مختلفة من السرطانات وأمراض أخرى. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تعرض الإنسان إلى ما بين 1 و4 بيكوجرام من ديوكسين يعتبر مقبولاً إلى حد ما ولا يشكل تهديداً حقيقياً على الصحة العامة، إلا أنها تنوي مع ذلك تخفيض هذا المعدل إلى أقل من 1 بيكوجرام في اليوم. وحول تسبب حليب الأم عند الإرضاع الطبيعي في نقل الديوكسين إلى الرضيع، يقول باحثون وأطباء أوروبيون إن فوائد حليب الأم ومزاياه لا يُقارن بالأضرار والمخاطر الناجمة عن نقل الديوكسين، ولذلك فهم يوصون الأمهات بالاستمرار في إرضاع أطفالهن طبيعياً.

(اقتباس ـ عن موقع «greenfacts.org»)

اقرأ أيضا