أرشيف دنيا

الاتحاد

«الانزلاق الغضروفي» أكثر مشاكل العمود الفقري شيوعاً

يعد انزلاق الفقرات القطنية، أو ما يعرف بالانزلاق الغضروفي، من الشكاوى الشائعة جداً بين الناس لأسباب عديدة، وتعتبر أهم أسباب الشكوى من آلام العمود الفقري. وكثيراً ما تترامى إلى مسامعنا عبارات «قرص منزلق»، أو «قرص ممزق» أو «قرص خرج من مكانه». وعلى الرغم من أن تلك العبارات هي عبارات وصفية، إلا أنها قد تكون مضللة في أحيانٍ كثيرة. فما تشير إليه هذه التعبيرات هو انفتاق القرص، وتعتبر حالات انفتاق الأقراص شائعة خاصة في منطقة أسفل الظهر»الفقرات القطنية»، فما هي حقيقة «الانزلاق الغضروفي»، ولماذا تنتشر حالات الشكوى منه بين الناس؟ وكيف يتم تشخيصه وعلاجه؟

تساؤلات حملناها للبروفيسور الدكتور يسري الهواري، أستاذ جراحة العمود الفقري بجامعة القاهرة، ورئيس الرابطة العربية لجراحات العمود الفقري.
بداية يوضح الدكتور الهواري حقيقة الانزلاق الغضروفي، ويقول «يعتبر القرص القطني المنفتق من الأسباب الشائعة لألم أسفل الظهر والساق، وحيث توجد الأقراص التي تعمل كماصات للصدمات بين كل من فقرات العمود الفقري، ويحتوي كل قرص على شريط خارجي يشبه الإطار ويسمى «الحلقة الليفية» التي تحيط بمادة تشبه «الهلام»، وتسمى»النواة اللبية»، وحتى نتصور كيف يحدث الانزلاق، علينا أن نعرض بإيجاز الهيئة التشريحية للعمود الفقري، فمن الأهمية القصوى أن يتوافر لدى مرضى اضطرابات العمود الفقري فهم أساسي لتشريح العمود الفقري ووظائفه، فوظائف العمود الفقري تتمثل في حماية الحبل الشوكي والجذور العصبية، والعديد من أعضاء الجسم الداخلية. وتوفير دعم هيكلي وتوازن للحفاظ على الوضعية المستقيمة المنتصبة مع السماح بالحركة المرنة للجسم».
ويوضح الدكتور الهواري مكونات العمود الفقري، ويقول: «العمود الفقري ينقسم إلى أربع مناطق رئيسية تتمثل في الفقرات العنقية، والفقرات الصدرية، والفقرات القطنية، والفقرات العجُزية. ولكل منطقة خصائصها ووظائفها المحددة. فالفقرات العنقية خاصة بمنطقة الرقبة، وتتألف من سبع فقرات، من الفقرة العنقية الأولى إلى الفقرة العنقية السابعة «من الأعلى إلى الأسفل»، وتحمي هذه الفقرات جذع المخ والحبل الشوكي، وتدعم الجمجمة، وتسمح بنطاق عريض من حركات الرأس، كذلك الفقرات الصدرية، وتوجد تحت آخر الفقرات العنقية 12 فقرة تشكل الفقرات الصدرية، وتطلق عليها الفقرة الصدرية الأولى وحتى الثانية عشرة. وتتميز الفقرات الصدرية بكبر حجمها مقارنة بالعظام العنقية. أما الفقرات القطنية، فتتكون من 5 فقرات يطلق عليها اختصاراً L1 إلى L5. كما أن حجم وشكل كل فقرة قطنية مصمم لحمل معظم وزن الجسم، ويلاحظ أن كل عنصر بنائي في الفقرات القطنية أكبر، وأعرض، وأكثر امتداداً من المكونات المماثلة في المناطق العنقية والصدرية. كما تمتلك الفقرات القطنية نطاق حركة أكبر من الفقرات الصدرية، لكنه أقل من الفقرات العنقية. وتسمح المفاصل الوجيهية القطنية بحركة ثني وبسط كبيرة، لكن لا تسمح سوى بدوران محدود. وأخيراً الفقرات العجزية، وتقع خلف الحوض. ويتشكل العجز من خمسة عظام «من S1 حتى S5» مندمجة مع بعضها في شكل مثلثي. ويقع العجز بين عظمتي الوركين ليوصل بين العمود الفقري والحوض. وتتمفصل الفقرة القطنية الأخيرة L5 مع العجز. ويوجد تحت العجز مباشرة خمسة عظام إضافية، مندمجة مع بعضها البعض مكونة العصعص، ويعتبر مستوى الجسم سطحاً تخيلياً مسطحاً ثنائي الأبعاد، وعند النظر إلى العمود الفقري السليم من الأمام فإنه يبدو مستقيماً، وعند النظر إليه من الجانب يظهر للعمود الفقري الناضج أربعة انحناءات مميزة. وتوصف هذه الانحناءات بالحدابية أو القعساء».

المفاصل والأقراص
يكمل الدكتور الهواري توضيحه، ويشير إلى أن مفاصل العمود الفقري تقع خلف جسم الفقرة «على الجانب الخلفي». وتساعد هذه المفاصل العمود الفقري على الانثناء واللف والانبساط في مختلف الاتجاهات، وعلى الرغم من أن تلك المفاصل تمكن من الحركة، إلا أنها تقيد في الوقت نفسه الحركة الزائدة مثل فرط التمدد، أو فرط الانثناء، ويوجد في كل فقرة مفصلان وجيهيان. يتوجه الوجيه المفصلي العلوي إلى الأعلى ويعمل كمحور مع الوجيه المفصلي السفلي. وكغيرها من المفاصل الأخرى في الجسم، يحاط كل مفصل وجيهي بكبسولة من النسيج الضام وينتج سائل زليلي لتغذية وتزليق المفصل. وتغطى أسطح المفصل بغضروف يساعد كل مفصل على الحركة بسلاسة. أما الأقراص الموجودة بين الفقرات فهي تعمل كوسادات لامتصاص الضغط والصدمات التي يتعرض لها الجسم أثناء الحركة ويحول دون احتكاك الفقرات ببعضها البعض».

انفتاق الأقراص
يشير الدكتور الهواري إلى كيفية حدوث «انفتاق الأقراص»، ويقول:» عندما يتمزق أو يتشقق الشريط الخارجي للقرص وتتسرب المادة الشبيهة بالهلام إلى الخارج، يشكل ذلك ضغطاً على القناة الشوكية أو الجذور العصبية. علاوة على ذلك تفرز النواة مواد كيماوية تسبب تهيج الأعصاب المحيطة مما يؤدي إلى الالتهاب والألم. وتحدث معظم حالات انفتاق «انزلاق» الأقراص القطنية نتيجة لشد مفاجئ أو صدمة عنيفة كما يحدث في الحوادث، وربما يحدث ذلك تدريجياً، على مدى أسابيع أو حتى أشهر. وهناك عوامل مساعدة خطرة يمكن أن تساهم في إمكانية حدوث انفتاق القرص في حالات التقدم في السن حيث تجف الأقراص تدريجياً فتفقد قوتها ومرونتها. وزيادة الوزن، أو عند تغيير وضعية الجسم بطريقة غير سليمة، أو الرفع أو اللف بطريقة غير صحيحة مفاجأة أو متكررة مما يشكل إجهاداً إضافياً على الفقرات القطنية».

الأعراض والعلاج
يلخص الدكتور الهواري أعراض «فتق الأقراص القطنية» في الألم الحاد أسفل الظهر، ولا سيما عند الانثناء أو السعال أو العطس، ووجود تشنجات أو تقلصات في العضلات، وألم وحرقان ووخز وتنميل يمتد من الأرداف إلى الساق أو القدم، وهو ما يطلق عليه «عرق النسا»، وضعف الساقين أو فقدان وظيفة الساق، والتشخيص يتم من خلال الفحص البدني، والأشعة والصور المقطعية بالرنين المغناطيسي».
أما العلاج - بحسب الدكتور الهواري ـ فالشواهد تشير إلى أن الألم المصاحب للأقراص المنفتقة يتضاءل دون علاج جراحي في غضون 4 - 6 أشهر، لكن لايمكن التنبؤ بالحالات التي تحل بشكل طبيعي، فالعلاج غير الجراحي ممكن بالعقاقير المضادة للألم والالتهابات ولتقليل التورم، ومرخيات العضلات لتهدئة التشنجات، أو مسكنات الألم المخدرة لتخفيف الألم الحاد، كذلك العلاج بالحرارة والبرودة، خاصة خلال الساعات الأربع والعشرين إلى الثماني والأربعين الأولى، مع تمارين العلاج الطبيعي. أما العلاج الجراحي فيلجأ إليه إذا استمرت معاناة المريض غير المحتملة، أو في حالة وجود عجز عصبي، والجراحة تستهدف في العادة إزالة جزء من القرص التالف أو إزالته بالكامل، لتخفيف الضغط على العصب وألم الساق. ويسمى ذلك استئصال القرص باستخدام تقنيات متخصصة مثل الميكروسكوبات والمناظير الداخلية، ونادراً ما تكون هناك حاجة إلى إجراء دمج بين الفقرات في حالة انفتاق القرص للمرة الأولى. وعند الضرورة، يمكن ملء الحيز الذي تخلفه إزالة القرص باستخدام طعم عظمي - قطعة صغيرة من العظم تؤخذ عادة من ورك المريض. وخلال مرحلة المعافاة - تحت الإشراف الطبي ـ يستأنف المريض نشاطاته الأساسية مثل المشي أوالقيادة ورفع الأشياء الخفيفة إلى أن يعود إلى طبيعته».


نصائح مهمة للمتعافين

ينصح الدكتور الهواري المرضى المتعافين من «فتق الأقراص القطنية»، بالحرص على عدم زيادة الوزن، وتنظيم الغذاء، والانتظام في العلاج الطبيعي والمشي والتمرينات الرياضية وتجنب استمرار الجلوس أو الوقوف لفترات طويلة، وإذا كان ذلك ضرورياً فيجب أن يكون هناك فاصل كل نصف ساعة على الأقل يقوم خلاله بالمشي قليلا ويغير الوضع، مع تجنب الجلوس بانحناء للأمام ويجب أن يكون المكتب أو المنضدة التي يعمل عليها الشخص مناسبة حتى لا يميل الظهر أكثر من اللازم، وتجنب النوم أثناء الجلوس. والاستعانة بمخدة صغيرة أو مسند أسفل الظهر في المكتب أو السيارة. وتجنب ثني الظهر بشدة أو بشكل مفاجئ، أو العمل أو حمل شيء، والحرص على المشي المنتظم لمدة 15- 20 دقيقة مرتين أو ثلاثاً يومياً، وتجنب القراءة أو مشاهدة التلفزيون والشخص مستلق على السرير. وتجنب الانحناء للأمام أثناء العطس أو السعال، ويفضل قبض عضلات الظهر والبطن قبل العطس أو السعال، وعند القيام من السرير ينصح المريض بثني الركبتين وأن يستدير للنوم على جنبه ويقوم من هذا الوضع إلى الجلوس عن طريق الدفع باليدين بينما ينزل ساقيه ثم القيام، ويقوم المريض بنفس الخطوات للنوم على السرير ولكن بترتيب عكسي. وتجنب رفع الأشياء الثقيلة، وتجنب إجهاد الظهر أو حمل شيء عند الاستيقاظ من النوم، وتجنب استخدام الحذاء ذي الكعب العالي بالنسبة للنساء. وتجنب النوم على البطن، ويجب أن يكون فراش النوم صحياً، وعدم الاعتماد على المرتبة الرخوة المجهدة لأنسجة الظهر.

اقرأ أيضا