الاتحاد

الاقتصادي

خروج الملايين من هوة الفقر يشعل أسعار السلع العالمية

نمو استهلاك السلع والطاقة في الصين يساهم في ارتفاع أسعارها

نمو استهلاك السلع والطاقة في الصين يساهم في ارتفاع أسعارها

قفزت أسعار القمح وفول الصويا بنسبة 70 في المائة في العام الماضي، أما النفط الخام والفضة والرصاص واليورانيوم والمواشي والكاكاو والذرة، فقد اقتربت أسعارها جميعاً من المستويات القياسية، بينما اجتاز الذهب أعلى مستوياته التاريخية محلقاً فوق 915 دولاراً للأونصة في تعاملات الأسبوع الماضي، والآن فإن الازدهار العالمي في أسعار السلع، قد دخل سادس عام له دون وجود مؤشرات على التوقف، وفيما كانت السلع في السابق عرضة لدورات الارتفاع والانخفاض إلا أن العديد من الاقتصاديين باتوا يرون تحولاً جوهرياً يدفع هذه الأسواق الى ارتفاعات جديدة باستمرار·
وحسبما ورد في صحيفة انترناشيونال هيرالد تريبيون فإنه وفي ظل تواصل التنمية في الدول الفقيرة - التي طالما كانت تعاني من الحرمان- وبهذه الوتيرة المتسارعة التي أدت الى خروج المليارات من الأشخاص من وهوة الفقر فإن الطلب على المواد الغذائية والمعادن والوقود يقترب من درجة الغليان، بحيث أصبحت جموع المزودين تناضل من أجل تلبية الطلب·
وفي الحقيقة، فقد بدا الأمر كتغيير جوهري في هيكل الاقتصاد العالمي، كما يقول بارت ميليك، استراتيجي السلع في مكتب ''بي إم أو كابيتال ماركيتز'' شركة الاستثمارات في تورنتو الذي يشرح وجهة نظره، قائلاً ''إن أسعار جميع السلع العالمية ابتداء من النفط ومروراً بالمعادن إلى الحبوب تتجه إلى صعود مستمر في الوقت الذي أضحى فيه مليارات الأشخاص في الصين وأنحاء أخرى من العالم أكثر ثراء ويستهلكون المزيد من المنتجات''·
والآن وفي ظل تباطؤ الاقتصاد الأميركي فقد أصبح السؤال يتمحور حول ما الذي سوف يحدث بعد ذلك؟ إن أحد الاحتمالات يكمن في إمكانية أن يفضي الركود الأميركي - في حال التأكد من حدوثه - الى إضعاف الطلب بدرجة تكفي لإجبار أسعار السلع على الانخفاض لأول مرة في هذا العقد، إلا أن العديد من الاقتصاديين يعتقد بأن الطلب العالمي سوف يبقى على ارتفاع حتى في حال مواجهة ركود أميركي، وذلك لأن الطلب أضحى مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى في العصر الحديث بعوامل وأحداث خارج الولايات المتحدة الأميركية وبخاصة بحركة التصنيع النشطة في الصين وبقدر أقل في الهند الى جانب ازدهار الاقتصاديات النفطية مثل المملكة العربية السعودية وروسيا، وهو أمر يمكن تلخيصه في أن الطلب على السلع أصبح يشعل الطلب على المواد الخام، كما يقول جيمس جلاسمان كبير الاقتصاديين في جيه بي مورجان شيز·
وحتى في الوقت الذي أصبح يتنامى فيه الطلب على السلع فإن مقابلة هذا الطلب أضحى أمراً يتسم بالمزيد من الصعوبات، فالنفط لم يعد مادة يسهل الحصول عليها إذ أن الحقول الجديدة المتوفرة توجد عادة في أسوأ وأقسى أنواع المناخات والمناطق مثل القطبين الشمالي والجنوبي أو في داخل المياه العميقة للبحار، وبعضها الآخر يتواجد في المناطق التي تعاني من الاضطرابات السياسية مثل فنزويلا وأنجولا، أما معدلات الجفاف والأمطار المفرطة في السنوات الأخيرة والتي يربطها العديد من العلماء بالاحتباس الحراري العالمي فقد تمخضت عن نقص حاد في الحبوب ولكن جذور هذا الازدهار غير المسبوق في أسعار السلع يعود أصله الى اندفاع الصين في بناء العديد من المصانع الجديدة والعقارات والطرق من أجل استيعاب كميات متزايدة من التعداد السكاني الحضري الذي اكتسب الثراء وأصبح يتوق الى تملك السيارات وسلع المستهلك العصرية الأخرى·
فالصين لديها حالياً أكثر من 7 آلاف مصنع للفولاذ، أي ضعف ما كان لديها في عام ،2002 وكل مصنع منها يحتاج الى الكهرباء، ما يعني ضرورة بناء المزيد من محطات الطاقة والحاجة الى المزيد من القطارات التي تعمل بالديزل من أجل الفحم الذي يشغل محطات الطاقة·
وكذلك المزيد من الشاحنات والموانئ المتوسعة لنقل الفولاذ الى الأسواق بل ان الثورة الصناعية في الصين زادت من الاستهلاك اليومي للنفط الخام في هذه الدولة الى مستوى 7,5 مليون برميل يومياً في عام 2007 من مستوى 5,5 مليون برميل في عام 2003 وفقاً لإحصائيات وكالة الطاقة الدولية· وظلت الصين أكثر الدول ازدحاماً بالسكان في العالم مسؤولة عن الزيادة بمعدل 64 في المئة من زيادة الطلب العالمي على النحاس وبمعدل 70 في المئة على الألمنيوم وبمقدار 82 في المئة من الطلب على الزنك وجميعها معادن صناعية أساسية في عملية التصنيع· وفي هذه الأثناء ظل العطش الى النفط يتنامى في كبريات الدول النامية مثل روسيا والمكسيك، حيث ازداد الطلب أيضاً على السيارات وبمعدلات قياسية، ولكن الطلب العالمي على النفط أضحى بدوره يشعل أسعار المعادن والأغذية، لذا فإن مشاريع التنقيب الهائلة التي استمرت تحفر الرمال في كندا وتلك التي تواصل البحث عن النفط التقليدي في أنحاء منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا أخذت تدفع بأسعار الفولاذ الى أعلى مستوياتها وكذلك فعلت مشاريع البتروكيماويات والتكررير الضخمة التي انتظمت في جميع أنحاء الشرق الأوسط·
وفي الوقت الذي تشهد فيه أسعار النفط مستويات عالية فإن دولاً مثل الولايات المتحدة والبرازيل بدأت تتطلع لإنتاج بدائل الطاقة مثل الوقود الإحيائي بكثافة وبشكل أدى إلى رفع أسعار الذرة الى مستويات جديدة، ولما كانت الذرة تعتبر أحد أهم المقومات الحياتية للحيوانات فقد تبعتها أسعار اللحوم والألبان في هذا الارتفاع، أما أسعار سائر أنواع الحبوب الأخرى فقد مضت الى ارتفاع بسبب تناقص مساحات الأفدنة التي أصبحت تحتلها زراعة الذرة وبشكل أصبح يوحي باندلاع حرب جديدة بين الطاقة والغذاء، على أن الارتفاع في أسعار السلع تزامن فيما يبدو من اتساع كبير في الطبقة الوسطى في العديد من الدول وبصورة تؤكد أن لا أحد سيخرج منتصراً في هذه المعركة·
فجموع الفقراء في العالم باتوا ينفقون نسبة كبرى من مداخيلهم الضعيفة أصلاً على الغذاء، لذا فإن ارتفاع أسعار الذرة والقمح لن تشكل سوى المزيد من المعاناة لهم، وكذلك فإن المستهلكين في الولايات المتحدة وأوروبا أصبح يتعين عليهم إنفاق أموال أقل على التسوق في المحال في وقت يدفعون فيه مبالغ إضافية على الجازولين، بينما تواجه العديد من الشركات في قطاعات الطيران والأغذية والإنشاءات تراجعاً هائلاً في إيراداتها بعد أن ظلت تعاني من ارتفاع التكاليف

اقرأ أيضا

الولايات المتحدة تدرس حظر 5 شركات صينية