الاتحاد

ثقافة

«أنتيغون» و «الصمت الذهبي» عرضان يوظفان التقنية المعاصرة بلا تفاصيل فائضة

لقطة من مسرحية “أنتيغون”

لقطة من مسرحية “أنتيغون”

واصل مهرجان الفجيرة الدولي الرابع للمونودراما، الذي تقيمه هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام بالتعاون مع فرقة مسرح الفجيرة القومي، فعالياتها مساء أمس الأول حيث عرضت مسرحية “أنتيغون” للممثلة والمخرجة بيروت مار من ليتوانيا ومسرحية “الصمت الذهبي” للكاتب والممثل أكيرا شميزو.
لكن، ما الذي يجعل العرض البعيد قد جرى إعداده للمأثرة الباقية للشاعر الإغريقي سوفوكليس راهنة ومعاصرة إلى هذا الحد؟ أهو استخدام تقنيات حديثة في هذا العرض المدوّخ الذي تمّ بناؤه على أسطورة مأساوية أم ماذا؟ هذا السؤال هو الذي يطرق ذهن المرء ما إن يغادر قاعة مسرح جمعية دبا الحصن، حيث عرضت” أنتيغون” مأساتها مجددا.
الأرجح أن ثمة أمرين جعلا من هذا العمل بالكامل هو توظيف التقنيات المعاصرة في عمل قُدِّم باللغة الليتوانية لم يفهم ما قالته بيروت مار لكنه ظل مشدودا إلى خشبة المسرح وما يجري عليها من فعل استطاعت صاحبته، التي هي شاعرة أيضا، أن توصل لكل فرد من المتفرجين عددا من المشاعر الملونة والمتحولة من الغضب إلى الحزن بحس راق من الجمال. لقد جاء فعل التمثيل أنيقا بالفعل، ولمس المرء ذلك من تعليقات ممثلين عرب شعروا بالغيرة من هذا الصنيع الفتّان ومن ما تعنيه تعليقاتهم على العرض جملة وتفصيلا.
يمكن القول إن هذا العمل مشغول بتفاصيل إلى حدّ أنه ما من فائض فيه أو نقص في حضور موسيقى أو حركة جسد لجهة علاقته بملفوظ بل إن الجسد بدا لينا ومطواعا لمخيلة صاحبته وليس لجسدها فحسب.
قدمت بيروت مار ست شخصيات من المأساة الإغريقية “أنتيغون” فأعادت خلط الحكاية ونسفت اتساقها الكلاسيكي المعهود لتجعل منها استعارة لمأساة تحياها امرأة تعيش في هذا العالم اليوم وتشهد مآسيه إنما في صورة شعرية جرى فيها الاستفادة من تقنية الفيديو وكذلك التوظيف الشعري باستعاراته البليغة للعبة الضوء والظلّ التي جعلت من هذه المسرحية نشيدا إنسانيا راقيا أساسه ليس الكلام إنما الجسد القائم في هندسته المحسوبة بدقة وهو يحرك بين الضوء والظلّ حيث لا ذرّة عتمة واحدة. كان جسد بيروت مار أكثر شبها بقوس في وتر، فلم تتوقف طيلة العرض عن التنقل بين حالة مسرحية وأخرى وبين شخصية مأساوية وأخرى إنما لنكتشف معها مأساوية القدر الإنساني على هذه الأرض عبر جملة المصائر التي تواجهها “انتيغون” المعاصرة.
لكن هذا الفعل المسرحي المدوّخ لم يمح أثر صنيع الممثل والكاتب الياباني أكيرا شميزو في عمله الذي تلى عرض مسرحية “انتيغون” من خلال صمته الذي كأنه استعارة لبوح إنساني طويل وشفيف يقول كل شيء ويذكّر بما يوجع وبما هو منسي ومسكوت عنه.
ينتمي عمل “الصمت الذهبي” للياباني أكيرا شميزو إلى فن التمثيل الصامت فلا كلمة واحدة ينطق بها لسان بل كانت لغة الصمت والجسد هي التي تقول الحكاية مع بعض الموسيقى والمؤثرات الصوتية الأخرى.
بدا العمل مزيجا من مشاعر إنسانية تنقلت بين اليأس والأمل والرضى والغضب والكراهية والحب مع الإحساس بالعزلة عندما يتحسس المرء ذاته فيما يراقب هذا الممثل بقامته النحيلة على الخشبة وقد أغرق جمهوره بنوع من الضحك الذي تخالطه بحّة قادمة من يأس إنساني ما.
وعلى مستوى الأداء فما بدا باهرا أيضا، فبرما تجسد في سلاسة الانتقال المدهشة من حركة دالة إلى أخرى تضيف المعنى في قالب حكائي يقول أفكارا عميقة بأفكار ومعان عميقة، لا يغيب عنها ما تواجهه البشرية من مصير تندفع إليه بحماقة الحروب والتطورات التقنية المذهلة وضياع الفرد وعدم مقدرته على إحداث تواصل ما مع الآخرين. وعلى مستوى الحركة أيضا، فقد استفاد الممثل من موروثه الياباني الحركي، إذا جاز التوصيف، الذي نعرفه في طقوس شرب الشاي لدى هذه الأمة العريقة وكذلك البعض من الحركات والجلسات القادمة من فن اليوغا التي جرى استيعابها في توظيف معاصر استفاد أيضا من فنون الرقص الحديث

اقرأ أيضا

حبيب الصايغ.. شعرية الإبداع ودرب الخلود