الجمعة 7 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

المخطوف هو الخاطف

المخطوف هو الخاطف
21 ابريل 2011 20:25
أحمد محمد (القاهرة) - فقد الأب عقله وجن جنونه بعدما تسلم رسالة خطية يخبره صاحبها أنه ضمن عصابة خطيرة تضم أربعة أشخاص من عتاة المجرمين الذين يعرفون كيف يخططون لجرائمهم وكيف ينفذونها من دون أن ينكشف أمرهم أو تصل أيدي الشرطة اليهم، وأنهم خطفوا ابنه الصغير «عمر» التلميذ بالصف الرابع الابتدائي والذي لم يتجاوز العاشرة من عمره، وإذا لم يستجب لمطالبهم فوراً فإنه لن يرى فلذة كبده إلا جثة ممزقة بلا معالم. وقرر أعضاء المافيا في رسالتهم أنهم ليسوا من مصاصي الدماء، ولا يحبون الإيذاء، ولا يفضلون كثرة الأخذ والرد والشد والجذب، لأن كلمتهم واحدة ولا يرغبون في المساومة وهم في نفس الوقت لا يبغون اللهو واللعب وإنما الفعل والإنجاز، ولو أنه خالف ما يريدون فإن الأمر جد خطير وإذا وقعت الواقعة فإنه سيندم وحينها لا ينفع الندم، لأنه سيكون قد سبق السيف العزل ووقع الفأس في الرأس، وقالوا في رسالتهم إنهم يعلمون أنه ليس ثريا ولا يملك أموالا كثيرة ولا قصورا ويعرفون أنه عامل حرفي يحصل أجره يوما بيوم ولكن حرفته تدر عليه دخلا لا بأس يجعله يعيش حياة جيدة وإن لم تكن رغدة، ولم يكن لهم عنده إلا مطلبين أو أمرين واجبي التنفيذ، الأول أن يعيد السيارة القديمة التي اشتراها مؤخرا لصاحبها مرة أخرى، والثاني ألا يبلغ الشرطة لأن مجرد وصول الأمر إلى السلطات الرسمية يعني انكشاف شخصياتهم وسقوطهم وذلك ما لم يكن مقبولا عندهم أبداً، فهم لم يكونوا مجرمين ليقعوا في ايدي الشرطة، إنما ليمارسوا نشاطاتهم واحدا تلو الآخر لكن الأهم والنتيجة المؤكدة أنه إذا أبلغ عنهم فإنهم لن يفكروا ولن يترددوا في التخلص من الصغير بوسائل لا يعرفها، وربما لن يراه مرة أخرى، وها هي الاختيارات كلها أمامه وبين يديه وعليه أن يختار ويقرر بنفسه ما يعتزم أن يفعله. أعاد الرجل قراءة الرسالة في عجالة شديدة عدة مرات حتى حفظ كل كلماتها، لكن الغريب فيها أن أفراد العصابة الخاطفين لم يحددوا له موعداً لإطلاق سراح ابنه، ولا يدري ماذا يفعل، راح يلف ويدور حول نفسه وقد فقد توازنه وأصيب تفكيره بالشلل، لا يعرف من اين يبدأ. شك الأب للحظة أو هكذا راوده الأمل، في أن تكون الرسالة غير صحيحة، أو وصلته بطريق الخطأ وانه ليس المعني بها لا هو ولا ابنه الصغير، لكن عندما يعيد قراءتها يجد اسمه عليها وفيها معلومات صحيحة عنه وعن أحواله، فيضرب كفا بكف ويؤكد لنفسه أن ابنه في خطر، فهرول مضطرا إلى زوجته الأولى أم ابنه التي تركها منذ أربعة أشهر وساءت العلاقة بينهما، ذهب ليستجلي الأمر، ربما يكون الولد عندها قد عاد من المدرسة، حتى أنها عندما رأته قادما من بعيد أشاحت بوجهها عنه لا تريد أن تلتقي عيونهما، ولا تقبل أن تنظر الى وجهه، لكن اللهفة التي كانت في عينيه وصرخته جعلتها تتوقف لتعرف ماذا وراءه، وبكلمات متداخلة سريعة أخبرها بفحوى الرسالة. وقلب الأم أكثر ضعفًا من قلب الأب، فضربت على صدرها مع صرخة مدوية جمعت الجيران، واتهمته بأنه السبب في فقد ابنها، وتوالت الصرخات وهي تولول، بالفعل الوقت تأخر ولم يعد، وليست هذه عادته ولم يفعلها من قبل، لابد أنه تعرض لمكروه وأذى، وأمام عدم وجود أي معلومات تدل على الخاطفين ولا كيفية الاتصال بهم ولا كيف يعرفون أن مطالبهم قد أجيبت لم يجد الأب والأم إلا الانتظار على أحر من الجمر لحين التوصل إلى معلومة مفيدة تجعلهما قادرين على اتخاذ القرار المناسب، لكن العقلاء من حولهما والذين يفكرون بهدوء أشاروا عليهما بعدم تضييع الوقت في الانتظار وما لا يفيد لأن الوقت الآن غال جدا ولابد أن تكون الخطوة الأولى هي إبلاغ الشرطة، فهي الأكثر قدرة على التصرف في مثل هذه الأحوال، ويستطيعون التعامل معها وايضا يمكنهم الحفاظ على السرية وعدم وصول خبر الإبلاغ إلى الخاطفين. البلاغ السريع الذي كان في دفاتر الشرطة ليس اختفاء طفل، وإلا لكان هينا، فربما يعود بعد لحظات أو أنه تخلف هنا أو هناك، لكن الأمر هنا مختلف، انهم أمام جريمة اختطاف لا تحتمل التأخير وبسرعة فائقة يجمعون المعلومات عن الصغير وعن أمه وابيه وعلاقاتهما جميعا، لكن المهمة ليست سهلة لأن أفراد المافيا يضعون الجميع في حيرة حيث لم يحددوا مثلا مبلغا من المال كفدية وبهذه الطريقة يمكن التعامل معهم والاتصال بهم أو من جانبهم للتسليم والتسلم، وقد يتم إسقاطهم في هذه الحالة، كل ما حدث أنهم نصحوا الأب بأن يعيد السيارة للبائع الذي اشتراها منه كنوع من الاستجابة الوهمية للخاطفين الذين ربما يكونون يتابعون الموقف بطريقتهم وعند تنفيذ المطلب قد يطلقون سراح الصغير، خاصة أنهم ليست لهم مطالب أخرى وإن كان مطلبهم غير معقول ولم يسبق له مثيل في مثل هذه الحوادث. خمس ساعات مضت منذ وصول الرسالة الكئيبة واختفاء «عمر» مالت الشمس نحو المغيب، وبدأ الليل يرخي سدوله، وقلب الأم يحترق ألف مرة مع كل ثانية تمر، والأمل يتضاءل ويتلاشى، فمعنى حلول الظلام أن ابنها لن يعود، وأن جهود البحث حتما ستتوقف، ولا يعقل أن تمر الليلة وهو بعيد عنها، تعود إلى الصراخ والضرب بكلتا يديها على صدرها تارة، وعلى رأسها تارة أخرى وسيل دموعها لا يهدأ ولا يتوقف، بينما دس الأب رأسه بين أصابعه، وأعلن بينه وبين نفسه عجزه الكامل عن التصرف وفشله الذريع في اتخاذ أي قرار أو فعل أي شيء، وكلاهما لا يعرف إن كان الوقت يجري سريعا أم بطيئا. وهكذا، وبعدما ضاقت واستحكمت حلقاتها فُرجت من أوسع الأبواب وبما لا يخطر على بال أحد ولا حتى في خياله وأحلامه، فقد جاء الصغير بنفسه ماشياً على قدميه، لكنه منهك القوى، ممزق الملابس وقد أصيب ببعض الجروح في وجهه وبعض أجزاء جسده، احتضنته أمه وهي غير مصدقة، وازدادت دموعها انسيابا واذا كانت عودته هي اقصى أمنيات الأم، لكنها لم تغلق المحضر الرسمي الذي تم تحريره، فهذا لا يوقف البحث عن أفراد العصابة لأنهم ارتكبوا جريمة لابد أن يعاقبوا عليها ويجلس الصغير العائد من الخطف، ليؤكد أن اربعة أشخاص كانوا في انتظاره أمام المدرسة فور انتهاء اليوم الدراسي واختطفوه في سيارة وكمموا فمه وعصبوا عينيه فلم يستطع ان يستغيث وتوجهوا به إلى مكان بعيد وانهالوا عليه ضربا، ولم يخبروه بالسبب وفي نهاية اليوم ألقوا به في الشارع وعاد إلى البيت ولا يتذكر ملامحهم ولا أوصافهم. وبمجرد نظرة مزدوجة من الضابط الذي يعرف كيف يتعامل مع هذه الأحداث، اكتشف أولا سذاجة رواية الصغير وأنها لم تحدث كما ذكرها، أما الأهم من ذلك فإن خط يده في كراسات المدرسة، هو نفس الخط الذي سطر رسالة التهديد والوعيد، ولذلك عندما واجه الصغير بذلك لم ينكر وجلس يقول الحقيقة التي دفعته لفعلته. قال «عمر» في اعترافاته إن أباه تركه هو وأمه وأخته بلا نفقة أو رعاية وتزوج امرأة أخرى سبق لها الزواج ولها ثلاثة أبناء رغم أنهم ليسوا أبناءه إلا انهم استحوذوا على أمواله واهتمامه ووقته ومنذ زواجه انقطع عن زيارتهم وأن أمه لا تكف عن البكاء بسبب هذا الحال، ففكر في وسيلة لاستعادة أبيه وجمع الأسرة مرة أخرى فوردت على خاطره هذه الحيلة واختفى هذه الفترة ثم قام بتمزيق ملابسه وإحداث الإصابات بنفسه. ولأن الصغير ارتكب جريمة إزعاج السلطات فكان لابد من عرضه على النيابة التي أخذت على أبيه تعهداً بحسن رعايته وأخلت سبيل الطفل مؤقتاً لحين التصرف في القضية بينما المجرم الصغير ينتظر نتيجة جريمته فلا يعرف بعد أن كان سينجح في إجبار أبيه على العودة اليهم أم لا؟
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©