الجمعة 2 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

إثيوبيا وطفرة الاستثمار الزراعي

إثيوبيا وطفرة الاستثمار الزراعي
23 نوفمبر 2009 23:59
ستيفاني ماكرومين إثيوبيا خلال الشهور الأخيرة الماضية بدأت الحكومة الإثيوبية تسويق الأراضي الزراعية، السلعة الأعلى طلباً في عالم بات مكتظاً بالأفواه الجائعة؛ فلماذا هذا الاتجاه والإغراء؟ إذا ما أجلت بصرك في اللافتات البراقة اللامعة الخضراء المعلقة في شوارع ومباني العاصمة أديس أبابا، لرأيت صوراً فوتوغرافية لمساحات شاسعة ممتدة من الأراضي الزراعية الخصبة الواعدة بالخير الوفير وبأسعار وأجور تنافسية وزهيدة للغاية؛ وإلى جانبها هناك موارد المياه الغزيرة والعمالة الإثيوبية الرخيصة، ثم هناك كرم الضيافة الإثيوبية المذهل. والملاحظ أن هذه الدولة الفقيرة التي تعاني من مشكلات مزمنة لها صلة بانعدام الأمن الغذائي في منطقة القرن الإفريقي كلها، اتجهت بسرعة غير متوقعة لأن تكون قبلة للاستثمارات الصاعدة في مجال استئجار الأراضي الزراعية، ما يمكن الدول الغنية وأصحاب المزارع الاستثمارية من إبرام عقود تتراوح مدتها بين 99-40 عاماً بهدف استزراع مساحات واسعة من الأراضي هناك. وقد استغلت حكومات منطقة جنوب شرق آسيا كلها، وكذلك حكومات دول أميركا اللاتينية، وبخاصة الحكومات الإفريقية فرصاً مماثلة لجذب هذا النوع من الاستثمار الناشئ في بلدانها؛ وضمن هذا الاتجاه انشغلت بجذب المدراء التنفيذيين الزراعيين وإنشاء وكالات استئجار الأراضي، وتوفير مواصفات الأراضي الزراعية المزروعة للعملاء والمستأجرين المحتملين. وتشير تقديرات الخبراء إلى أن إفريقيا وحدها تمكنت من إبرام عقود إيجارية لأراضيها الزراعية تقدر بنحو 50 مليون فدان من تلك الأراضي خلال العامين الماضيين، مع ملاحظة أن هذه المساحة تعادل تقريباً مساحة ولاية نبراسكا. ويفسر هذا الاتجاه الجديد إلى حد ما بأزمة الغذاء التي شهدها العالم كله في العام الماضي؛ وبسببها اتجهت الدول الغنية نسبياً إلى زيادة مخزونها الاحتياطي من المواد الغذائية عن طريق استزراع المحاصيل الإضافية خارج حدودها، كالتوجه الحالي للمملكة العربية السعودية؛ ولكن يزداد في الوقت نفسه سوء حسابات وتقديرات الشركات الاستثمارية الساعية وراء تحقيق الأرباح وحدها وراء استغلال الأراضي الزراعية المذكورة. وكما قال أحد المستثمرين المدعومين من قبل المملكة العربية السعودية، فإن عدد سكان العالم يزداد باطراد وبأعداد مهولة، ما يعني نقصاً حتمياً في مساحات الأراضي والإمدادات الغذائية. وبالنتيجة فسوف يرتفع الطلب على الغذاء ما يدفع بالأسعار إلى حد لا يمكن تصوره في المستقبل. وقد أثار هذا الاتجاه -مع ما نرى من تدافع الاستثمارات على استئجار الأراضي الزراعية في الدول الفقيرة- قلق صناع السياسات على تداعيات هذا السلوك على الأمن الغذائي في بعض الدول مثل إثيوبيا التي ناشد مسؤولوها منذ وقت ليس ببعيد المجتمع الدولي لتوفير مساعدات غذائية إنسانية لنحو 6 ملايين مواطن بات يتهددهم شبح المجاعة بسبب موجة الجفاف التي ضربت أجزاء من شرقي إفريقيا مؤخراً؛ وتنعقد في الوقت الحالي قمة روما للأمن الغذائي التي تنظمها منظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة؛ والمتوقع منها أن يتحاور رؤساء الدول والحكومات البالغ عددهم 62 رئيساً حول القوانين والقواعد المنظمة لصفقات وعقود الأراضي الزراعية في بلدانهم. والملاحظ أن هذه الصفقات والعقود غالباً ما تعقد دون مشاركة مواطني الدول في التفاوض عليها أو مناقشتها. وقال "دفيد هالم" نائب مدير منظمة الفاو معلقاً على هذه العقود والصفقات بقوله: فهي غالباً ما تكون ضئيلة العائد، ولا تتوفر أي ضمانات للدول الفقيرة فيها. فأنت ترى وتسمع التصريحات الصادرة عن وزراء دول يعدون بكل شيء تقريباً، دون توفر الضوابط أو الشروط اللازمة لتنفيذ تلك الوعود. هذا ويشير منتقدو هذه السياسات بصفة خاصة إلى صور مواطني الدول الفقيرة الذين يعانون ويلات المجاعة وأمراض سوء التغذية، بينما يهرّب الغذاء التي تنتجه دولهم ليكدس في شكل احتياطي غذائي للدول الغنية؛ وكثيراً ما يضرب المثل بحال المجتمعات الإفريقية عند الاحتجاج على هذه السياسات. وهناك من المنتقدين من يقول بأن عقوداً من الزراعة التي تستخدم فيها الآليات والتكنولوجيا الصناعية المتطورة سوف تضر بالأراضي على المدى البعيد، حتى وإن ساهمت هذه التكنولوجيا في تحسين مستوى حياة المجتمعات المحلية في المدى القريب. ثم هناك من المتشككين من يدعو إلى أهمية عدم تجاهل السياق السياسي الذي تتم فيه مثل هذه السياسات. من هؤلاء يقول "ميريرا جودينا" -أحد المعارضين الإثيوبيين البارزين- نحن لا نثق بهذه الحكومة مطلقاً. ويتهم السيد "ميريرا" حكومة رئيس الوزراء الحالي مليس زيناوي باستغلال سياسات الأراضي هذه في الاحتفاظ بالسلطة لأطول فترة زمنية ممكنة. وأعرب "ميريرا" عن مخاوفه من أن تكون حكومة بلاده تعمل على شراء الدعم الدبلوماسي الذي تحتاجه بتضحيتها بأراضي الفلاحين الفقراء. غير أن هناك من الخبراء الزراعيين من يبدي تفاؤلاً حذراً بأن يسهم اتساع الاستثمارات الزراعية الضخمة في سد حاجة الملايين عن طريق استخدام تقنيات الزراعة الآلية في الدول الفقيرة مثل إثيوبيا التي تقدر نسبة الفلاحين فيها بحوالي 80 ? من سكانها البالغ عددهم 75 مليون نسمة . ولا تزال غالبية المزارعين تستخدم الثيران والوسائل التقليدية في حرث الأراضي وزراعتها. ومن رأي "مافا تشيبيتا" مندوبة منظمة الفاو في إثيوبيا أنه وفيما لو أحسن التفاوض على هذه الصفقات من جانب الحكومة، فإن من شأنها إحداث تحول في ديناميات الاقتصاد الغذائي الإثيوبي في زمن قياسي. وفي معرض نفيها لأسوأ السيناريوهات التي يمكن أن تسفر عنها هذه الصفقات كأن تستغل لتجويع مواطني الدول الفقيرة، قالت "تشيبيتا": لا أعتقد أن هناك حكومة دولة ما تسمح لأراضيها أن تستغل كما لو أنها خالية من السكان. ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©