الاتحاد

دنيا

الدباغة فن يطوّع الجلد بالزيت و «الكروم»

عرف أجدادنا منذ القدم صناعة الجلديات يدوياً ليلبوا بأنفسهم احتياجاتهم المنزلية، حيث كانت الماشية من ماعز وغنم وأبقار هي المصدر الرئيسي للجلود (في حالات نادرة استعانوا بجلود الإبل والغزلان)، كما اعتمدوا في حياتهم اليومية خلال فصل الشتاء على فرو المواشي. مما دفع “نادي تراث الإمارات” إلى إحياء هذه الحرفة اليدوية من خلال السوق الشعبي في القرية التراثية بأبوظبي، فأطلق ورشة ومحل لصناعة الجلود لبث الحياة فيها مجدداً.
حرفة قديمة
تشير شيخة الجابري- باحثة في التراث البيئي في النادي؛ في بحث لها عن مستلزمات أجدادنا المنزلية إلى أن “الأجداد في المنطقة مارسوا مهنة الدباغة والصباغة بطرق بدائية لكنها مكّنتهم من تصنيع الجلود وتأمين مستلزمات حياتهم اليومية”. ورجّحت أن يكون التعرّف إلى هذه الحرفة قد تم عبر التواصل الجغرافي مع الدول المجاورة كالهند وإيران وسلطنة عمان، أو خلال الأسفار إلى الحج.
تضيف الجابري: “تمر دباغة الجلود بعدة مراحل تبدأ بإزالة طبقة اللحم الملتصقة بالفروة ثم نزع الشعر ومعالجة الجلود قبل نقلها إلى مدبغة بدائية صغيرة تصونها من التعفن من خلال وضع الملح عليها ثم تجفيفها (حالياً تتم معالجة الجلود بالكروم قبل دباغتها بالزيت)، وبعد ذلك بأيام يقومون بتنظيفها وتجفيفها، وبحسب الأداة أو الغرض منها (نعال، حقيبة، بيت السلاح) يتم تفصيلها ثم رشها بالورنيش قبل خياطة أجزائها”.
ورشات مختصة
من جهته يقول علي حسن الرميثي (80 عاماً)- كبير استشاريي التراث في النادي: “سعى أهلنا في المنطقة إلى تأمين احتياجات بيوتهم من الجلود بأنفسهم ومن خلال “حلالهم”- جلود مواشيهم، وكان النوع الرئيس من الجلود مخصص لنعل الحذاء، وتصنع من جلود الماشية السميكة والحيوانات الكبيرة الأخرى، وتصنع الطبقة العلوية للحذاء من الجلود الرقيقة للعجول الصغيرة والماعز والحيوانات الصغيرة، وتتميز تلك الجلود بمرونتها ومقاومتها للرمال والماء معاً، كما كانت تصنع من تلك الجلود “دلاء الطوي”- دلو البئر، وحقائب وبعض المفروشات خاصة مع الفرو. وكذلك أحزمة اللباس والسلاح والمعاطف إضافة إلى منتجات أخرى عديدة كانت تخص الحيوانات كالسروج وأرضيات الهوادج، ورحلات الغوص والفرش المنزلي وما إلى ذلك. كما أطلقوا على عملية تحويل جلد الحيوان إلى منتج مفيد “الدباغة”.
يضيف الرميثي أن قلة قليلة كانت تحترف هذه المهنة، لأنها تتطلب عدة مراحل غير سهلة!
مصادر مختلفة
تتنوع مصادر الجلود التي يعمل عليها الحرفيون في القرية التراثية بأبوظبي، فمنها جلود أغنام وماعز وأبقار، ومنها أنواع جديدة كلياً، يشير إليها علي السامري- صانع في السوق الشعبي، ويقول: “لدينا جلود اعتيادية وأخرى لثعابين وتماسيح وأخرى نادرة، لكننا نعتمد على الجلود التقليدية (المواشي) حيث تبدأ مراحل تصنيعها بفصل الطبقات والصباغة والرص والتشطيب وإخراج الجلود المدبوغة من محاليلها لتجفيفها وتقطيعها بآلة مخصصة لفصلها إلى طبقتين متساويتين. وبعد عملية الدباغة نصبغ الجلود في أسطوانات ونستخدم صبغات الخشب الطبيعية والحمضية وصبغات الأنيلين، وذلك بتقليب الجلد مع مزيج الماء الفاتر ومادة الصباغة، وخلال ذلك يضاف الزيت لتأمين النعومة للجلد، تليها مرحلة رص الجلد ليكون جاهزاً لمرحلة التشطيب النهائية برش مادة على الجلد في صورة طبقات مع استخدام البروتين الموجود في الحليب ومركبات أخرى مثل “الكازين” أو الشمع والزيوت”.
يذكر أن هيئة الجلد في نهاية عملية التحسين، تكتسب بفضل “الورنيش” النعومة والمرونة واللمعة البراقة.

اقرأ أيضا