أجرى الحوار: جون-جاك لوتي*
ترجمة أحمد عثمان

جورج حنين (1914 - 1973) شاعر يكتب بالفرنسية. رائد وناقل السوريالية إلى مصر، أمير المنفى أو «تروبادور الصمت» كما لقبه أندريه بروتون. ولد في القاهرة لعائلة قبطية أرستقراطية. وهو ما زال شاباً رحل مع والده صادق حنين باشا، السفير المصري، إلى روما وفرنسا ومدريد. درس في الخارج، وبعد أن تخرج في كلية الحقوق، رغب في دراسة الأدب، غير أن قيام الحرب العالمية الثانية قضى على آماله. في العام 1931، تعرّف إلى أندريه بروتون، ونيكولا كالاس وإيف بونفوا، وكاتب بعض المطبوعات الفرنسية والبلجيكية. عند عودته إلى القاهرة، مع بداية الحرب العالمية الثانية، راح يبشّر بين الأوساط الفرانكفونية المصرية بالسوريالية. شارك في إصدار عدد من المطبوعات سواء بالعربية: «التطور»، «المجلة الجديدة»، وبالفرنسية: «دون كيشوت» و«حصة الرمال»، التي أسسها بمساعدة الشاعر المصري إدمون جابيس. وعندما تعاون في تحرير مجلتي: «جون أفريك» و«لونوفيل أوبزرفاتور» خلال إقامته في فرنسا، ستينيات القرن الماضي، تمسّك بمفهوم متطرف عن الحرية استمده السورياليون من تراث الفوضوية.
مات جورج حنين في باريس العام 1973 عن عمر يقارب التاسعة والخمسين، ودفن في مصر.

* ما هي أعمالك؟ مكان وتاريخ النشر؟
** تتمة ونهاية (القاهرة، 1934)، لا مبررات الوجود (قصائد، جوزيه كورتي، باريس، 1938)، من أجل وعي تدنيسي (ماس، القاهرة، 1943)، جاذبية الرعب (ماس، القاهرة، 1945)، المتنافر (حصة الرمل/‏‏‏ لا بار دو سابل، القاهرة، 1949)، مثالان (مقالات، حصة الرمل /‏‏‏ لا بار دو سابل، القاهرة، 1953)، العتبة المحرمة (نصوص، ميركور دو فرانس، باريس، 1956).
* ما هو كتابك المفضل؟ ولماذا؟
** أعمل بالاقصاء. أتقدم بالاستبعاد. يتبدى لي، في بعض الأحايين، أن هذه الطريقة المتعلقة بالعمل تمكنني من منح قوة الحياة لبعض الصور الدقيقة، لبعض المواقف التي تقطع شرائط الوجود. في هذا الشأن، يرضيني بعض قصائد «العتبة المحرمة» وقصيدتان أو ثلاث قصائد من «المتنافر».

أفكار جسورة
* ما هي الموضوعات الجديدة التي أدخلتها في الأدب المصري المكتوب بالفرنسية؟
** كنت، في بدايات شبابي، مشبعا بالجمالية السوريالية. لم أعمل على اقتراح موضوعات جديدة وإنما عملت على إثارة مناخ سوريالي، أطلق شكلا تعبيريا ورؤية صادران من أفكار تعسفية وجسورة. بعد ذاك، عملت على مواد مجمعة في عقل صارم للغاية وقاس للغاية، ليس فقط من ناحية رفض «الفوضى المقدسة» التي تكلم (آرتور) رامبو عنها، ولكن لردها إلى أماكنها الضرورية، ولحظاتها المؤكدة. انفصلت عن الحركة السوريالية في عام 1948، وبقيت معارضا شرسا لتضخم المخيلة الشعرية.
* ما هي دراستك ومن هم معلموك الذين أسهموا في تكوينك الأدبي؟
** دراسات ثانوية في مدريد، روما، باريس. ليسانس الحقوق من كلية الحقوق بباريس. التجهيز لشهادة الليسانس في الآداب بيد أن الحرب منعتني من الحصول عليها. المعلمون الذين أسهموا في تكويني: آندريه بروتون، آندريه مالرو، والى حد ما: آندريه جيد، ومن الكتاب القدامى: لاكلوس، شاتوبريان، كونستان، فلوبير، لوتريامون.
* ما هي تأثيرات الوسط (الصالونات، الحلقات، المقاهي) على انتاجك الأدبي؟
** التردد على بعض الجماعات الأدبية التي تجتمع بانتظام في بعض المقاهي الباريسية (لا بلاس بلانش، ليه دو ماغو، وغيرهما) مكنني من التعرف الى أناس أصبحوا فيما بعد من أصدقائي. أذكر هنا بالتحديد نيكولا كالاس، الكاتب اليوناني اللامع والحاد، الذي يقيم منذ عام 1940 في نيويورك، وايف بونفوا، أكبر الشعراء الفرنسيين الأحياء بالنسبة لي. بدلا عن التأثير، أتحدث عن العلاقات المجدية.

عن مصر
* من هم كبار الأدباء في مصر عصر ذاك؟
** لا أجد، في مصر، أدباء كبار. أحمل في نفسي تقديرا خاصا للشاعر أحمد راسم، ومن بين الشباب، آلبير قصيري.
* ما هي الصحف المصرية والأجنبية التي كتبت فيها؟ وكيف؟
** في مصر، كتبت في «لا بورس ايجبسيان»، «لو جورنال ديجيبت»، «النيل»، «لو بروغريه ايجبسيان»، لا روفو دو كير»، «كارفور»، «فالور»، «التطور»، «المجلة الجديدة»، لوازير». في الخارج، كتبت في المجلات التالية: «ليه همبل»، «كليه»،»ذا لندن بويوتان»، «فيو» (نيويورك)، V-V-V (نيويورك)، «لو سييل بلو» (بروكسيل)، «بلو» (بروكسيل)، «ايدا» (بروكسيل)، «فاز»، «ليه ليتر نوفيل»، «امبيدوقل»، «ليه دو سور» (بروكسيل)، «ليه كاييه دو سود»، تروازييم كونفوا»، «ليه كاتر فون»، «بوا» (بوينس آيريس). (1)
* هل ترى بأنه يمكن للمرء التمييز بين المدارس الأدبية في مصر؟ وما هي هذه المدارس؟
** لا، لا أعتقد بأنه من الممكن ذكر مدارس أدبية. على أكثر تقدير، يستطيع المرء التمييز بين كتاب يجتهدون في نقل مشاهد ومناظر محلية بلغة مثيرة للاعجاب وآخرين غارقين في شخصيتهم. يقع الخط الفاصل بينهم بين الوصف الفولكلوري والابداع الشخصي.
* من وجهة نظرك، من هو أهم الروائيين المصريين الذين يكتبون بالفرنسية؟ ما هي أسباب هذا التفضيل؟
** من دون أدنى شك، آلبير قصيري أفضل الروائيين المصريين الذين يكتبون بالفرنسية. استبعد التعبيرات البلاغية لكي يحافظ على ما هو إنساني. ومن خلال انشغاله بالتعبير عن كل ما هو مصري بنوع خاص، مكنته حساسيته العالية من ملاقاة العالمي.
* من هم أفضل الشعراء الذين يكتبون بالفرنسية في بلدنا؟
** منير حافظ (2)، روان فوغل، آندريه شديد.
* ومن بين كتابنا المسرحيين؟
** لا أحد.

القاهرة والإسكندرية
* القاهرة أو الاسكندرية، أيهما تعتبر الأهم بالنسبة للأدب المكتوب بالفرنسية في مصر؟
** لكل مدينة وظيفتها. إذا كانت أهمية القاهرة أكبر، فهذا لأنها تقع في قلب الحياة القومية. الاشعاع الثقافي الذي تحقق فيهما لا يثير اهتمام العناصر الأجنبية أو الكوزموبوليتانية فقط وإنما وسط المواطنين الأصلاء. الطريق أحيانا واضح الى حد ما، معاكس في الغالب، ولكن ثابت ومؤكد، في مساهمته الثقافية.
* بعض الأدباء منسيون. من هم، من وجهة نظرك، الذين تود أن تراهم ثانية؟ لماذا؟
** من بين هؤلاء الذين لم يستأهلوا التكريم، ليس ككاتب وإنما كإنساني، أذكر راؤول بارم (3). ثقافته وذهنه المتوقد يكفيان لكي يثيرا احترامنا.
* ما هي تأثيراتك على الأدب الفرنسي في مصر؟ أنجاح هو أم فشل؟ لماذا؟
** نجاح أو فشل الأدب الفرنسي في مصر لا يمكن قياسه في مصر نفسها. يقاس بعدد الكتّاب الذين صعدوا المنحدر وعرف نتاجهم شيئا من الصدى ما وراء حدودنا وبلغوا بعض الشهرة العالمية. من اللائق القول أن هؤلاء الكتّاب قليلون. ومع ذلك، منذ عام 1945، وبينما بدأ الانتاج الأدبي المكتوب باللغة الفرنسية يقل كميا، كان يتطور نوعيا، ونجح عدد من الكتاب في جذب اهتمام الجمهور الأجنبي. منذ عام 1945، دخلنا الى طور التصفية التي ساعدتنا في التمني بأن الصالح سيبقى.

هوامش
1 ـ لم يذكر جورج حنين مجلات أخرى عديدة، مثل «دون كيشوت» التي شارك في تأسيسها وإصدارها مع هنري كورييل، كما مجلة «فالور» (قيم)، التي أصدرها في مصر الناقد الفرنسي الشهير ايتيامبل في عام 1945، وكتب فيها عدد معتبر من الكتاب الغربيين.
2 ـ منير حافظ (1911-1998) باحث وشاعر مصري يكتب بالفرنسية. يعرف في فرنسا بكون ه مرجعا مهما عن الصوفية الاسلامية. ولد في الاسكندرية لعائلة مسلمة تقليدية. تنتمي والدته الى العائلة الملكية المصرية. درس في فرنسا، منذ السابعة من عمره، ثم تابع دراساته العليا في السوربون (ليسانس في الفلسفة، وأيضا دراسات علمية: فيزياء، كيمياء، علوم طبيعية). أتم تدريبه العملي في مستشفى سانت-آن وبعد ذاك واصل دروسا حول الاغتراب العقلي. رجع الى مصر بناء على طلب والده، لكي يهتم بممتلكات العائلة. بيد أنه قرر في آخر الأخر الاقامة صيفا في باريس وشتاء في مصر، وذلك حتى عام 1952، عام استقراره النهائي في باريس.
نشر نصوصا شعرية في مجلة «حصة الرمال» (مصر) و»الرياح الأربعة» (باريس)، وغيرهما.
في الثلاثينينات، تابع دروس لوي ماسينيون في «الكوليج دو فرانس»، ونشر أولى دراساته الشعرية. وفي نفس الوقت، كان يشارك في الندوات المقامة في القاهرة، وقت اقامته.
مع إقامته في باريس، تابع دروس هنري كوربان، في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، وحاز على درجة الدكتوراه عن أطروحته حول التصوف الاسلامي. من كتبه: «بين التقليد والفكر المعاصر» (2005).
3 ـ راؤؤل بارم، شاعر مصري يكتب بالفرنسية. ولد في بورسعيد. درس في القاهرة لدى مدارس الارسالية الألمانية، وبعدها لدى اليسوعيين في القاهرة، ثم في مدرسة الليسيه بالاسكندرية. منذ سن الرابعة عشر، نشر قصائده في المجلات المحلية. وفي عام 1926، أصدر ديوانه الأول: «القطاف الأول». ثم «آنطولوجيا الشعر الألماني» (ترجم الى الفرنسية). لاقى ديوانه «خمس عشرة سوناتا لبترارك» (1946) صدى طيبا، واعتبره النقاد عصرذاك نتاجه الأكثر اكتمالا. بين الحربين العالميين، سافر إلى العديد من دول العالم. في عام 1954، يرحل عن مصر للاقامة في لندن، بعد فترة قضاها في إيطاليا. لم يكف يوما عن كتابة الشعر حتى يوم وفاته في عام 1989.

(*) الحوار مستل من:
-Marc Kober (dir.), Irène Fenoglio, Daniel Lançon, Entre Nil et sable. Écrivains d›Egypte d›expression française (1920-1960), Préface de Robert Sole, Paris, Centre National de Documentation Pédagogique, 1999, 332p.
والمحاور جون-جاك لوتي (1929-2015) بروفيسور تاريخ الفن والفلسفة المقارنة (جامعة باريس 3). خلال إقامته في فرنسا، ومصر والسويد، مارس التدريس، التجارة، الصحافة والترجمة الفورية. قام بالتدريس في جامعة القاهرة وجامعة ستوكهولم. يعتبر لوتي من أهم المتخصصين في التاريخ الثقافي المصري بشقيه الفرنسي والعربي. منذ عام 1982، عضو في العديد من الآكاديميات. من كتبه: «نهاية الرق في مصر» (2013)، «قراءة الصحافة المكتوبة بالفرنسية في مصر» (2013)، «حوار مع كتاب فرانكفونيين مصريين» (2008)، «مصر الجمهورية» (2006)، «بحثا عن فرنسية مصر» (2005)، «الأدب المصري المكتوب بالفرنسية في مصر» (2000)، «نظرة على مصر زمن بونابرت» (1999)، «الحياة اليومية في مصر زمن الخديويين (سعيد واسماعيل)»، «مصر الملوك» (1997)، «اللغة الفرنسية في مصر» (1979)، وغيرها.