ما الذي يدفع فنانا في الثامنة والعشرين من عمره، وفي أوج تألقه وتوهجه إلى الانتحار، ومن ثم ترك هوة عميقة من الأسئلة حول دوافع هذا الفعل التراجيدي الغامض؟ ولماذا تتحول حياة أغلب الفنانين والمبدعين إلى جحيم داخلي، وإلى فضاء لأرواح معذبة رغم مظاهر النجاح والشهرة المحيطة بهم؟ ··· تداعت مثل الأسئلة وبقوة بعد المشهد الداكن والواقعي والمأساوي الذي أداه الممثل هيث ليدجر القادم من أستراليا وبرغبة سينمائية فائرة إلى هوليوود: أرض الفرص والأحلام· في هذا المشهد الأخير تناول ليدجر مزيجا فتاكا من العقاقير المهدئة والمنومة والمسكنة للألم وسقط ميتا على سريره، في صمت قاحل هذه المرة، ودون إشارة واحدة لمسببات هذا الرحيل المفاجئ والمدبر في آن! ففي الثاني والعشرين من شهر يناير الماضي تحول منزل هيث ليدجر الهادئ بضواحي مانهاتن بنيويورك سيتي إلى ساحة مزدحمة بالتحقيقات والتأويلات والتفاسير المختلطة، فهذا الفنان الجامح صاحب المسيرة الفنية المشابهة في بداياتها لمسيرة مواطنه ميل جيبسون، والمهيأ لمساحة سينمائية كبرى لا تخطئها عين المستقبل، لم يكن بحاجة لتبديد حياته هكذا، وتركها في مهب نسيان موجع ورحيل قاطع وأبدي· ومناسبة الحديث عن هيث ليدجر رغم المسافة الزمنية البعيدة لحادثة انتحاره، هو مشاهدتي لفيلم ''الرجل الوطواط'' المعروض مؤخرا في صالات السينما المحلية، ففي هذا الفيلم بالذات، قام هيث ليدجر وفي دور ''الجوكر'' بأداء واحدة من أهم وأقوى أدواره على الإطلاق، دور تجاوز ما قدمه عام 2005 في الفيلم الحائز على الأوسكار ''جبل بروكباك''، وتجاوز أيضا المساحة التعبيرية والتكنيك الأدائي لجاك نيكلسون الذي ارتدى زي الجوكر في أحد الأجزاء السابقة لسلسلة الرجل الوطواط· فهل كان هذا الدور بمثابة الذروة اللامعة والمتبوعة بالظلمة والانطفاء الأخير، وهل كان الجوكر هو خلاص هيث ليدجر ولعنته أيضا، ففي تجسيد مفرط وهذياني ومدوخ لتركيبة الشخصية الشريرة للجوكر ترجم ليدجر في الفيلم وبواقعية جارحة أطروحات الفيلسوف الألماني الإشكالي فردريك نيتشة المروج لنظرية (إرادة القوة) حيث البطل هو من يستلذ بالألم، ويميل للزيف والخداع والقسوة وسعار التشوق الحيواني والدموي، من خلال قناع أو مكياج يفصله عن ذاته الأخرى المكدسة بالعاطفة والضمير والشفقة· خارج السيطرة فالجوكر والحال هذه ورغم مظهره التهكمي والساخر إلا أنه يخفي في داخله عقدة هائلة من الخيالات المشوشة والتدميرية والمروعة، وهو ما ينطبق ربما على شخصية هيث ليدجر نفسه لأن قناع الشهرة وألقاب الفتي الوسيم والمدلل التي طاردته والتصقت به، لم تكن توحي مطلقا بجروحه النفسية وبالأمواج السوداء التي جرفت حياته السرية إلى منتهاها· في حوار سابق معه، وصف ليدجر دوره في فيلم الرجل الوطواط قائلا: ''لقد استمتعت كثيرا بأداء دور الجوكر، إنها أغرب شخصية قمت بتقمصها حتى الآن، لأنها خارج السيطرة، ولا عاطفة يمكن أن تلجمها، شخصية سيكوباتية لأقصى مدى، الجوكر في هذا الفيلم مهرج شرس ودموي، وأنا منجذب بعمق لأحاسيسه الداخلية وتصرفاته القاسية، إنها باختصار شخصية لا يمكن توقع ردات فعلها، كما لا يمكن توقع ردات فعل الجمهور حول أدائي في هذا الفيلم!''· وعن تكنيكه الأدائي في الأفلام يقول ليدجر: ''ليس ثمة تكنيك معين أتبعه، ولا أؤمن بالتكنيك الثابت للتمثيل، ليست هناك قواعد، ولا دفتر شروط في هذه المهنة، لأنه وفي النهاية، هناك شيء اسمه الغريزة، وهذه الغريزة هي التي تقودني عند اتخاذ أي قرار بخصوص الدور المعروض عليّ، أحيانا أقرأ السيناريو لمئة مرّة، ولكن عند بدء التصوير لا أنظر لورقة السيناريو مطلقا، ويستمر معي هذا الوضع حتى نهاية العمل، لأنني أشعر أن السيناريو انطبع نهائيا في ذاكرتي منذ بدء البروفات، وما يحكم في موقع التصوير إنما هو الحس العفوي، وانفعالات اللحظة الموازية لمتطلبات المشهد''· ومن شاهد فيلم ''لست هناك'' عن المغني الأسطورة بوب ديلان والذي أدى فيه ليدجر دور بوب ديلان في مرحلة الأزمة العائلية التي مر بها سوف يلاحظ التشابه الغريب بين دور ليدجر في الفيلم وبين حياته الشخصية، خصوصا بعد انفصاله عن صديقته ميشيل ويليامز، وهي الصداقة التي أثمرت عن طفلة وحيدة هي ماتيلدا· رحلة اللاعودة ولد هيث ليدجر في مدينة بيرث الاسترالية عام 1979 وبدا معروفا في الوسط الفني والسينمائي منذ عام ،1999 حيث حظى بلقب (الفتي الوسيم) لفترة طويلة، قبل أن ينضج هذا الفتى ويتخلص من اللقب نهائيا، ويغادر الأدوار الهامشية والضحلة التي وسمت بداياته السينمائية، الفيلم الذي حمل عنوان ''زئير'' كان بمثابة الانعطافة التي أكدت موهبة الفتي القادم من بلاد الكانجارو، ثم ظهر في فيلم ''يدان'' مع إخراج الاسترالي جورج جوردان، وهو الظهور الذي حجز له موقعا بعد ذلك في فيلم ''عشرة أشياء أكرهها فيك''، ولكي يغادر منطقة الأدوار النمطية كان فيلم ''الوطني'' مع ميل جيبسون هو الموعد الأهم لتكريس حضوره السينمائي وسط عالم إنتاجي وتجاري هائج بالمنافسة والغيرة والعلاقات النفعية، وتتالت الأدوار على ليدجر في أفلام أخرى مهمة مثل ''مونستر بول'' ،2001 وفيلم ''نيد كيلي'' ،2003 و''كازانوفا'' و''الاخوة غريم''، ثم الفيلم الذي أثار جدلا كبيرا في الأوساط المجتمعية والدينية وهو ''جبل بروكباك'' الذي يتناول قصة نشوء علاقة مثلية بين اثنين من رعاة البقر وسط طبيعة خلابة وحياة فطرية، تمازج فيها الحس الإخراجي العالي للمخرج التايواني آنج لي، مع خصوصية القصة وتبدلاتها المشحونة بعزلة الذات والخارج، والعلاقة المخفية تحت سطح يموج بالعواطف المحرمة والنشوات الضالة· مثل أسطورة السينما جيمس دين رحل هيث ليدجر مبكرا، ولكن باختياره، ومثل الشاعر الفرنسي أرثر رامبو الذي انتحر شعريا واختار الحياة على ضفاف صمته الذهبي، ذهب ليدجر إلى رحلة اللاعودة، وبتوقيعات غائرة ومؤثرة ـ رغم قلتها ـ على الشريط السينمائي للقرن الجديد·