صحيفة الاتحاد

دنيا

مدفع رمضان.. «مصادفة» تحولت إلى تقليد

عمرو أبو الفضل (القاهرة)

رغم التطورات التكنولوجية المذهلة التي يسرت معرفة مواعيد الإفطار بدقة، إلا أن سماع دوي مدفع رمضان يعد أحد الطقوس والعادات المميزة للشهر الفضيل، والتي تشير إلى بدء الإفطار والسحور والإمساك في العديد من الدول الإسلامية، حيث يتم إطلاق قذيفة مدفعية صوتية لحظة مغيب الشمس وقبل طلوع فجر كل يوم من أيام شهر رمضان.
تضاربت الروايات حول بداية تاريخ استخدام مدفع الإفطار، وتقول إحداها، إن «خو شقدم» والي مصر في العصر الإخشيدي كان يجرب مدفعاً جديداً أهداه له أحد الولاة، وتصادف ذلك وقت غروب الشمس في أول يوم من شهر رمضان عام 865 هـ، وظن الناس أن السلطان تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حان، فخرجت جموع الأهالي إلى مقر الحكم، تشكر الوالي على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها، وعندما رأى الوالي سرورهم، أصدر أوامره بإطلاق المدفع كل يوم، إيذاناً بالإفطار، ثم أضاف بعد ذلك مدفعي السحور والإمساك.

المدافع الحربية
وذهبت رواية أخرى إلى أن محمد علي الكبير، والي مصر، كان اشترى عدداً كبيراً من المدافع الحربية الحديثة، وفي أحد الأيام الرمضانية كانت تجرى الاستعدادات لتجريب أحد هذه المدافع، فانطلق صوت المدفع مدوياً في لحظة غروب الشمس وأذان المغرب من فوق القلعة، فتصور الصائمون أن هذا تقليد جديد، فاستحسنوه وطلبوا من الأعيان والعلماء والأئمة أن يسألوا الحاكم استمرار هذا التقليد خلال شهر رمضان في وقت الإفطار والسحور، فوافق على جعله تقليداً شعبياً.
وهُناك رواية تقول، إن انطلاق مدفع الإفطار حدث في عهد الخديوي إسماعيل، عندما كان بعض الجنود يقومون بتنظيف أحد المدافع، فانطلقت منه قذيفة دوت في سماء القاهرة، وتصادف أن كان ذلك وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان، فظن الناس أن هذا للإعلان عن موعد الإفطار، وصاروا يتحدثون بالثناء عن الخديوي، ولكن لما توقف المدفع عن الإطلاق بعد ذلك ذهب العلماء والأعيان لمقابلة الخديوي لطلب استمرار عمل المدفع في رمضان، فلم يجدوه، والتقوا بابنته التي كانت تدعى «الحاجة فاطمة»، فأعجبتها الفكرة ونقلت طلبهم للخديوي، فوافق وأصدر فرماناً بإطلاق المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية، فأطلق الأهالي اسم «الحاجة فاطمة» على المدفع، وتحول إطلاق المدفع إلى ظاهرة رمضانية، وتم وضعه في مكان مرتفع حتى يصل صوته لأبعد مكان من القاهرة، واستقر في جبل المقطم، حيث كان يحتفل قبيل بداية رمضان بخروجه من القلعة محمولاً على عربة ذات عجلات ضخمة، ويعود يوم العيد إلى مخازن القلعة مرة أخرى.
وفي عهد الوالي عباس حلمي الأول عام 1853، كان ينطلق مدفعان للإفطار في القاهرة، الأول من القلعة، والثاني من سراي عباس باشا الأول بمنطقة العباسية، ومع التغيرات العمرانية تقرر إطلاق خمسة مدافع مرة واحدة من خمسة أماكن مختلفة، حتى يسمعه كل سكان القاهرة، لكن أدى اتساع، وكبر حجم العمران، وكثرة السكان، وظهور الإذاعة والتلفزيون إلى الاستغناء تدريجياً عن مدافع القاهرة، والاكتفاء بمدفع واحد يتم سماع صوته من الإذاعة أو التلفزيون.

إعادة إطلاق المدفع
استمر توقف استخدام المدفع في بعض الأعوام بسبب الحروب، والاكتفاء بإذاعة تسجيل له في الإذاعة، وفي عام 1983، صدر قرار من وزير الداخلية بإعادة إطلاق المدفع مرة أخرى، من فوق قلعة صلاح الدين الأثرية جنوب القاهرة، غير أن استمرار شكوى خبراء آثار من تدهور حال القلعة وتأثر بنيانها بسبب صوت المدفع أدى إلى نقله من إلى هضبة المقطم، ونصبت مدافع أخرى في أماكن مختلفة من المحافظات المصرية، ولا يزال الشعب المصري يستمع إلى طلقاته عبر أثير الإذاعة والتلفزيون.
وانتشر هذا التقليد في الأقطار الإسلامية، لتنبيه الصائمين بموعد الإفطار، فانتقل إلى القدس ودمشق ومدن الشام، ثم بغداد، والكويت السعودية ودولة الإمارات واليمن والسودان، ودول غرب أفريقيا مثل تشاد، والنيجر، ومالي، والمغرب، وتونس، والجزائر، ودول شرق آسيا، حيث بدأ مدفع الإفطار عمله في إندونيسيا عام 1944.