الاتحاد

عربي ودولي

في بلاد عرب الشمس والسلطان (10- 10)


مسقط: خالد عمر بن ققه - سعيد سالم البادي: كل ما في البيئة العربية من خليجها إلى محيطها يؤكد على حقيقة كونية هي أنها 'أرض الشمس'، لكن حين تمتد بصيرة الإنسان ويداه إلى إحداث تغييرات في مجتمعات مختلفة فإن ذلك يعني أن العرب يوصلون الشمس إلى غيرهم بهدف الدفء والنور والبقاء·· وهكذا لا يرتد إليهم طرفهم إلا حين تشتد العواصف فيضطرون إلى التحايل، لكنهم لا ينتهون من فعلهم -كموناً- بعد مرحلة الظهور، فإذا ما أضيف إلى ذلك شروق الشمس وغروبها كل يوم من أرضهم فإنه يحق لهم عند ذلك أن يكونوا عرب الشمس ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يمتد إلى سلطان العلم والمعرفة والملك، وهو ما سنتابعه في التجربة العمانية·
الشمس والسلطان طرفان إذن لامبراطورية تراجعت من ناحية الجغرافيا، وتلك دولة اليعاربة، لكنها ظلت ثابتة من ناحية القيم والتاريخ وذلك ميراثها، وأضيف إليها الفعل الحضاري البناء، وتلك هي الآن في مرحلة السلالة الخامسة·· ومنهما -الشمس والسلطان- اشتق عنوان هذا الملف الخاص بمشاهدة ومتابعة وتقييم التجربة السياسية العمانية الراهنة·
المدخل إليها هو التاريخ عبر موروث يستحضر الآن بهدف الاتجاه نحو المستقبل، لا تحدده طبيعة السلطة فقط، حيث أمر أهل عمان 'شورى' بينهم، ولكن يظهره التنوع الجغرافي والتضاريس وعلاقات البشر وحكمة أولي الأمر الذين يراكمون الفعل استجابة للسلطان ، تفاعلا معه أو تأييدا لما يذهب إليه·· هنا تقوم المؤسسات على أساس التمكين ورؤية راشدة اختار أهلها طريق الصمود في الماضي والتنمية في الحاضر والإنجاز في المستقبل ·· إنها جملة من القضايا سيتناولها الملف معتمدا التحليل السياسي بناء على وقائع عايشناها وحوارات حمل فيها أهلها همّ تساؤلاتنا ولم تكن بعض إجاباتهم مرضية لنا، وان كانت - على ما تبدو- مرضية لهم دائما، وجولات ميدانية في فضاء واسع تعذر علينا تغطيته بالكامل·
في هذا الملف - الذي ينشر على حلقات - سيكتشف القارئ معنا سيادة التعمير في الأرض وبياض المساكن والقلوب واخضرار الأرض مما أعطى للسياسة معنى آخر وأوجد أحزابا -مختلفة عن تلك التي نعرفها في المجال السياسي- على مستوى الفرد والجماعة والقبيلة اجتمعت كلها لتلبي بشكل متواصل رؤية الرشد عند سلطان جمع بين ارث إمبراطورية وواقعية المرحلة وموقع يحفره لدولته في صخور المدنية الراهنة التي تلفظ من ليس بقادر على البقاء أو العطاء
تطرقنافي الحلقة الماضية إلى الحديث عن علاقة الإنسان العُماني بالبيئة من خلال تلك التعبيرات الوجدانية التي جاءت نقشا على الصخور والأحجار، وتتبعنا آثار الأميرة ديانا، وانتهينا فيها إلى توصيف خاص للعشق العُماني، واتخاذه أساليب خاصة كان التعبير فيها أقرب إلى النجوى في تلك الجبال الرواسي، التي كشف عندها العشاق مكنونات أنفسهم، فأجرت معهم حواراً لم ينته بتبليغ الأسرار، بل وصل إلى الآخرين، وهو ما جئنا به نصوصاً شعرية مختصرة في نهاية الحلقة·
وفي هذه الحلقة الأخيرة من الملف، نقدم صورة اجمالية للسياسة العُمانية، سواء تلك الخاصة بالداخل، أو الأخرى التي تعبر عن مواقف الدولة تجاه الخارج، وهي هنا ستعتمد على الانجازات التي تحققت في اطار الممارسة الديمقراطية المسؤولة والتي هي مبنية على خلفية دينية لجهة تطبيق مبدأ الشورى، إن لم يكن ذلك بالفعل فعلى مستوى الخطاب السياسي، ونحن هنا لا نميزها عن غيرها من السياسات العربية، ولكن فقط نحاول الكشف عن ممارساتها وتطبيقاتها خصوصاً في جوانبها العلائقية، والاخلاقية والدبلوماسية فكيف تتجلى؟ وإلى أين تتجه؟ وما مدى تطويع السلطان قابوس للسياسة؟ وكيف يتم التعبير عن مواقفه؟·· نتابع اجابات الأسئلة في الحلقة التالية:
أسرار الدولة
ليست هناك شواهد تؤكد على أن سياسة الدولة العمانية تظهر خلاف ما تبطن، ومع أن تلك هي القاعدة الأساسية لكل سياسة، لجهة أن هناك أسرارا تخص كل دولة، والخلاف هنا ليس حول وجود أسرار مصحوبة بمبررات لاتخاذ هذا الموقف أو ذاك، ولكن حول مرجعية المواقف والهدف منها، ونحسب أن هناك مرجعية يمكن للمراقب أن يراها في المواقف التي تتخذها سلطنة عُمان، تظهر فيما ما يمكن أن نطلق عليها بالدبلوماسية الهادئة·
لنا هنا أن نقدم العديد من الأمثلة على ذلك منذ أن ظهرت في حياتنا معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل وإلى غاية احتلال العراق، ويمكن للقارئ أن يعود إلى المواقف الظاهرة وتلك الأخرى التي تفادت الاعلان عنها، وجاءت فعلا طاهرا، كما هو الحال بالنسبة للتعامل مع العراق أثناء الحصار، وعلى المستوى الداخلي يتم تقديم الأخلاق عن القرارات، فتطوع السياسة ولا يحدث العكس أبداً، مما ينتهي بنا إلى القول: تتميز المواقف السياسية لسلطنة عمان بالرشد لأنها تصدر من عقلية جمعت بين الوعي بالتراث والتاريخ- تاريخ امبراطورية- وبين الوجود في بحر متلاطم، ترمي أمواجه كل يوم بالدول الصغيرة بعيدا، لذلك تتقدم الأخلاق عن أي قضية مهما كانت جوهرية، وبما أن الأخلاق مسألة قيمية، فإنها قد تلقى قبولاً من بعض الدول وترفض من أخرى، لكن المواقف مهما تم الطعن فيها، تظل ثابتة، ويعيد اليها الآخرون بعد سنوات، حتى إن لم يعترفوا بصدقها أو أهميتها زمن اتخاذها·
باتريك سيل·· وعُمان
والواقع أن هناك كثيراً من الدول تخلط بين الأخلاق والسياسة، وأخرى تصر على أن السياسة لا علاقة لها بالأخلاق، وثالثة توظف الأعمال الأخلاقية لتدمير الدول، فمثلا تكون لديها حقوق الأقليات أهم من حماية الدول وتجنب الفتنة فيها·· تلك الدول جميعها وإن اختلفت المسميات تطوعها السياسة، وتسبقها، ثم تصبح أسيرة قرار معين، مع أن النظرية الشائعة هي لا وجود لصداقة دائمة وإنما هناك مصالح دائمة، وهنا يمكن الخلاف حول مسألة الرشد في السياسة، تلك العبارة التي أطلقها الكاتب الصحفي باتريك سيل على عُمان في احدى مقالاته·
ميدانياً يمكن لنا ملاحظة ذلك الرشد في السير تدريجيا نحو الديمقراطية سواء لجهة اشراك المرأة، أو حتى لمساهمات الرجال، فهناك مجتمع يتطور في كل مجالات الحياة، ومنها المشاركة السياسية في صناعة القرار، صحيح أن رأيه غير ملزم للسلطان قانونا، لكن ملزم إليه أخلاقيا، وإلا ما كان اهتم بها، وعرض على المجلس لابداء الرأي، فالأخلاق هنا أسبق من كل قرار وأبقى وأهم، نعرف أن هذا الأمر يبدو غريبا عن الذين يستعجلون في تحقيق ديمقراطية لا نعرف نتائجها، دون تهيئة مناخ مساعد لها، غير انهم حين يتابعون التجربة العُمانية بوعي، بلا أحكام مسبقة- سينتهون إلى فهم علاقة الأخلاق بالسياسة·
التدرج·· والمرأة
التدرج في المواقف السياسية لجهة اشراك كل فئات المجتمع ليس أمرا يتعلق بتحديد سلطة السلطان ولكنه مرتبط بوعي المجتمع، واستعداده لدخول هذه المرحلة من التاريخ أو تلك، إذن هناك عوامل كثيرة تؤخذ في الحساب عند اتخاذ أي قرار، لا نعرف إن كانت أغلبية الشعب العُماني راضية بها بصدق، لكن التعبير العفوي، والشهادات العابرة تؤكد على هذا، ونحن هنا لسنا طرفاً في الحكم عن أي قرار، لأن ذلك يتطلب المعايشة المتواصلة ميدانيا، ولا تكفي هنا الملاحظات العابرة، المهم أن التدرج في المواقف السياسية، يقابل بتصعيد اجتماعي للبعدين عن العاصمة، وأيضا بمزيد من الترقية للعناصر المثقفة، فأبناء الأرياف والقرى، وأبناء الطبقة الفقيرة أصبحوا اليوم في عهد السلطان قابوس رجال دولة يعتلون أهم المناصب، أما المثقفون الذين بنوا أنفسهم قبل بداية النهضة، فهم اليوم الآباء الأوائل للنهضة الحديثة·
والواقع أن التطور السياسي الحاصل الآن على صعيد المشاركة يكشف عن تغير في الذهنيات، وعن تطور في العلاقات الاجتماعية، ولكي نقرب الفهم أكثر للقارئ، نقول: من ملامح السياسة الرشيدة هو اقناع سكان القرى، خاصة الذين لم يكن لهم حظ من العلم، ليس بتعليم بناتهم فقط، وإنما بالسماح لهن بالنشاط السياسي وعلينا هناك أن نعترف بالجهد الذي بذلته المرأة للوصول إلى المكانة التي فيها الآن، صحيح أن مكانتها اعتمدت على الدعم الكامل من السلطان قابوس، لكنها هي أيضا استجابت للدعوة، فوصلت إلى مرتبة وزيرة، وعضوة في مجلس الشورى، ومجلس الدولة وقد جلسنا مع كل من الدكتورة ثويبة بنت أحمد اليرواني، وسعادة رحيلة بنت عامر الريامي، ومن النقاش معهما اكتشفنا دور المرأة وأهميته في الساحة السياسية العُمانية، فكل واحدة منهما يحذوها الأمل في تحقيق مزيد من التقدم للمرأة، وكان واضحا انهما ينطلقان من خلفية ثقافية وعلمية واسعة، وتمتلكان من التجربة ما جعلهما محل اختيار السلطان والشعب·
نعمت المرأة العُمانية بحق المشاركة في الانتخابات العامة لعضوية مجلس الشورى اعتباراً من فترته الثانية (1974- 1997) واقتصرت مشاركتها في البداية على محافظة مسقط ثم توسعت لتشمل باقي مناطق ومحافظات السلطنة ابتداء من الفترة الثالثة للمجلس (1997- 2000)، وبالرغم من اتاحة المجال للمرأة بالمشاركة في العمل السياسي كناخبة ومرشحة في فترة وجيزة نسبيا، إلا أن نسبة تمثيلها بالمجلس ظلت محدودة ومتواضعة، فلم يزد عدد العضوات عن اثنتين طوال فترة المجلس·
المشاركة السياسية للمرأة العُمانية جاءت نتيجة لتراكم التجربة في المجالات الأخرى، حيث تشغل الآن 21 بالمائة من الوظائف بالهيئات والمؤسسات غير الخاضعة لنظام الخدمة المدنية، أما نسبة العاملات العمانيات في القطاع الخاص المسجلات في الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية فإنها تبلغ حوالي 18%، ولو تتبعنا أرقام ونسب مشاركتها في كل المجالات لأدركنا أن الدعوات المتواصلة من الغرب لاشراك المرأة قد سبقتها السلطات العُمانية منذ سنوات، وما يهمنا هنا أن تواجد المرأة في العمل السياسي هو نتيجة وليس مقدمة·
الكلباني·· ورحيلة·· وثويبة
والمرأة هناك لا تسير وحدها في طريق التمدن والعصرية، بل يشاركها الرجل- مؤيدا وداعما- وحين يستمع الزائر الى احاديث الرجال في مختلف الواقع يدرك الوعي السياسي والاجتماعي الذي وصلت إليه الدولة، وتلك الجلسة الممتعة التي قضيناها مع عضو مجلس الشورى محمد بن سعيد الكلباني ممثل ولاية عيري، بحضور رحيلة بنت عامر، عضو مجلس الشورى أرضا بينت لنا التعاون المثمر بين العمانيين - رجالا ونساء- لبناء الدولة العمانية الحديثة، اذ تطابقت وجهات نظرهما حينا، وتقاربت أحياناو ولم يختلفا حول الدور السياسي لهما، وكان واضحا دفاع الكلباني عن دور المرأة العمانية وقد لاحظنا تبادل الأدوار بينهما لجهة الدفاع عن القضايا الخاصة أو المشتركة·
من ناحية أخرى فإن كل نشاط سياسي داخل السلطنة مرتبط بالتنمية، ولذلك يرى المراقب - عن قرب للتجربة- انشغال المسؤولين بما يحقق الهدف العام، وهم في ذلك يقدمون صورة عن الالتزام الاخلاقي والسياسي بالاهداف الكبرى للدولة، يظهر ذلك جليا في الاستجابة الفورية - خاصة خلال الجولات السلطانية- الى مطالب المواطنين وشكواهم مما يعطي انطباعا بوجود دولة مؤسسات، وقد كان لنا في تجربتنا مع وزارة الإعلام خير مثال لجهة الالتزام بالمواعيد، وبالشخصيات التي تم الاتفاق معها مسبقا، ليس هذا فقط بل ان مرافقنا سعيد الهاشلي كان يعمل بكل جد من أجل انجاح الملف الذي بين يدي القارئ، وبذلك قدم اروع صورة للموظف الذي يحترم دولته أولا، والضيوف ثانيا، وقد عمل بكل جهد للتخفيف عنا أثناء سفرنا بالليل والنهار·· المهم ان دولة المؤسسات حاضرة في اذهان المواطنين والمسؤولين، وتلك من عوامل النجاح التي تراهن عليها السلطات·
بريطانيا·· وعمان
ويعتقد معظم العمانيين- الذين تحدثنا اليهم- أن تجربتهم السياسية متميزة حجتهم في ذلك، الجمع بين التقدم الذي تشهده البشرية في كل المجالات، بما في ذلك حقوق الانسان، وبين الميراث المجتمعي الذي بدأ منذ عقود حين شكلت أول حكومة في المنطقة، ما يعني ان التدرج السياسي- الذي تحدثنا عنه في السابق- ليس خوفا من الفشل، ولكنه عمل واع، الهدف منه النجاح مهما كانت الصعوبات، وهذا يدخل في سياق ما أطلق عليه دولة المؤسسات غير ان ذلك لا ينفي وجود رأي عند بعض عناصر النخبة لجهة التأكيد على استقلالية التصور العماني لمسألة الممارسة السياسية، حيث يذهب البعض الى القول : تتميز الدولة العمانية بتراكم التجارب، وبالتالي فهي لا تحتاج الى اعتماد تجارب الآخرين، لو في ذلك الدول المتقدمة، إلا اذا كان المقصود تطوير المؤسسات في الجانب القانوني بحيث تضع عمان- بميراثها الجميل- الى التجارب الأخرى وعندها لن تأخذ فقط، ولكنها تثري·
تلك النظرة تستند الى التاريخ مقارنة بكل الدول الكبرى التي تجذرت في الماضي وما النموذج البريطاني ببعيد، فبريطانيا- التي كانت تضاف لها صفة العظمى- تراجعت، وانتهت كأمبراطورية، لكنها لا تزال قوية، بل مشاركة في أهم القرارات التي تصدرها الدول الكبرى، ولا يمكن لأحد أن ينكر انها دولة قوية - بغض النظر عن تبعيتها المطلقة لإميركا، فذاك موقف حكومة- لكن لا يمكن لعاقل ورغم انتشار لغتها وبعض من انماطها الثقافية وتقاليدها- أن يعتبرها امبراطورية كذلك الحال بالنسبة لعمان، فقد انتهت من القيام بدور الامبراطورية لخروجها من افريقيا- بعد ان جذرت ثقافتها هناك· ونشرت الدين الإسلامي لكنها قوية الآن- بمقايس المنطقة- بل متميزة على مستوى الدولة· بغض النظر عن رؤية البعض للتجربة العمانية من جهة النقص أو الكمال·
وبالعودة الى متابعة المواقف العمانية تجاه الداخل، أو ما يعرف بالسياسية الداخلية تكتشف ان القول بدولة المؤسسات لا يقوم - من جهته باعتباره حكما سياسيا يروج له- على قيام إدارة أو تشكيل حكومة، أو حتى بمشاركة سياسية من الشعب في الحكم، أو اختيار قيادات فاعلة، لأن هذه الأمور جميعها تقوم بها الدول التي تفتقر الى المؤسسات التي تتجاوزها حينا وترفضها أحيانا أخرى، مثلما تقوم بها الدول التي تحتكم الى المؤسسات، إنما القول بدولة المؤسسات يقصد به ذلك التغيير الحضاري الذي نقل العمانيين- بعد تراجعهم على مستوى الفعل- من حالة التخلف الى التقدم، أو على الأقل، القبول بالتغيير رغم أنه لا يزال في بدايته·
·· الصين مثلا
لا يمكن لنا الفصل- مهما حاولنا - بين الرشد في الفعل السياسي، وبين دولة المؤسسات، فهدف الأخيرة نتيجة حتمية للأولى، وبهذا المعنى تكون كل دول العالم المعاصرة، دول مؤسسات، والأمر في حقيقته ليس كذلك خصوصا إذا تعلق بالدول المتخلفة، في هذه الحالة ألا يصبح كلامنا السابق متناقضا مع النتيجة التي انتهينا اليها؟
إذا نظرنا الى الأمر من زاوية المقارنة بين الدول على اساس ما يتحقق من انجازات مادية على الأرض، يصبح كلامنا السابق متناقضا لكن علينا ألا ننجذب كثيرا لتلك الشعارات التي ترفع هنا وهناك، والتي هي في حقيقتها ليست بعيدة عن الواقع، حيث تؤكد - وهذا حقيقية- أن الدول الكبرى قطعت شوطا كبيرا في الرقي بالانسان، والممارسة الديمقراطية، ثم اقامة ديمقراطية أخذة في تحقيق المساواة والعدل، ولكن عن أي دول كبيرة نتكلم؟ هل على الصين مثلا التي تشكل الآن ربع العالم؟
الدول التي يعنيها معظمنا حين نتحدث عن دول المؤسسات هي الدول الغربية - وهي بالفعل كذلك- لكن هذا القول عليه مآخذ، فمثلا حين يتناقض الرأي العام، مع قرارات الدولة الخاصة بالحرب كما هو الحال في الولايات المتحدة وايطاليا، هل يعترف بدور المؤسسات بما فيها الاجهزة الأمنية، أو المراكز البحثية أو الاحزاب؟ الاجابة رأيناها ميدانيا في الحرب على العراق وما بعدها، وهذا الاشكال يقودنا الى اعادة النظر في مسألة دولة المؤسسات معتمدين هنا على التجربة العمانية في الحكم، حيث الانطلاق دائما من المفهوم الأخلاقي والفلسفي لطبيعة السلطة·
لنتأمل مليا الجولات السلطانية، سنراها بالمعاني الفلسفية والأخلاقية ناهيك عن السياسية تعني الشيء الكثير بالنسبة للسلطان قابوس حيث العودة الى الشعب، ومتابعة مشكلاته، والعمل من أجل حلها ميدانيا، وهذا يعني ان مؤسسة السلطنة- إن جاز التعبير- تنزل الى الميدان، فكم تنزل مؤسسة الرئاسة الى الشعب في الدول المتقدمة، هنا ستطرح حجم الدول لجهة القول، وكم عدد سكان عمان؟ فيقابل بسؤال منا، وكم مساحتها، وماذا عن صعوبة تضاريسها؟ أليست- عمان- أكبر مساحة من بعض الدول الاوروبية؟
اطلاع قائد
والواقع أنه ليس مطلوبا عند الحديث عن دولة المؤسسات اجراء مقارنات مع تجارب الآخرين، إذن من غير المعقول ان نقارن دولنا التي حاربت لعقود من أجل الحرية، بتلك الدول الاستعمارية، ناهيك على ان الدول العربية، ومنها عمان لها خصوصيتها وميراثها السياسي، ليس هذا فقط بل ان سلطانها -قابوس- وحسب ما جاء في بعض الكتب عن سيرة حياته أكثر اطلاعا على اوضاع العالم من قادة يتحكمون في مصير العالم اليوم، والمحك الحقيقي لمعرفة دولة المؤسسات من عدمها، هو الهزات الكبرى التي لا تبقي ولا تذر، فقد صمدت عمان، وحاربت لاستعادة حريتها رغم تخلفها وفقرها في الماضي·· وايضا رغم الفتن الداخلية، في حين عجزت دول أخرى- وهي كبرى وقوية في نظر الجميع- عن حماية نفسها من اعمال غيرت اسلوبها في التعامل مع دول العالم، وهنا يطرح السؤال التالي: هل دولة المؤسسات تتميز بالثبات أم التغير في المواقف السياسية؟
السؤال السابق تتعدد اجاباته، لذلك فإن الأفضل هو النظر الى تجاربنا العربية طبقا لخصوصيتنا الثقافية، وقبل التطلع الى تجارب الآخرين، لنمعن النظر في التطور الحاصل في المنطقة العربية، وليس شرطا ان تطبق التجارب أو تكون واحدة في الدول العربية، لكن هناك من القواسم المشتركة ما يجعل التجارب متقاربة حتى في حالات الاختلاف كما حدث في الستينيات من القرن الماضي، فقد شكل المجد القومي في محاولة منه تغيير الأنظمة ازعاجا وقلقا للآخرين، انتهى بعد عقود الى الحالة التي نحن عليها اليوم، وبالعودة مرة أخرى لقراءة تلك التجربة العربية نجد أن الاطراف كلها -ظالمة أو مظلومة، مشاركة أو محايدة- قد اعطت الفرصة للآخر الخارجي ودفعته الى العودة من جديد·
التجربة·· والجمال
الآن، وقد اتضحت الصورة أليس حريا بنا النظر بوعي للتجربة العمانية - بعيدا عن أي مواقف مسبقة- ووجود نقائص وسلبيات لا يقلل من أهميتها، خصوصا وان الايجابيات أكبر بكثير، والنظر لا يعني الاقتداء بها - وان كان ذلك مطلوبا· وانما يساعد على جعل النخب حيادية على الاقل فيما يخص الحكم أو الاستعجال بالنطق ارضاء للغرب، ذلك لأن التجربة -كما تابعنا خلال الحلقات التسع الماضية- ثرية ومتنوعة وواعدة، يحق لنا على الصعيد العربي والإسلامي ليس فقط الافتخار بها، ولكن دراستها ومتابعتها باستمرار·
من خلال قراءة التاريخ ومتابعة الفعل السياسي، والاقتصادي، والثقافي بدت لنا عمان الحاضر ذات تطلعات مستقبلية مشروعة ومؤسسة وعلينا - على الاقل على المستوى الإعلامي- ان ندعم كتابة ما تسعى لتحقيقه ونحن في ذلك نخدم أمتنا، ونعتقد اننا عملنا في هذا الملف من أجل توضيح الصورة، ولا شك ان كثيرين يتساءلون اين السلبيات وأوجه القصور؟ وهم محقون في سؤالهم، ونحن نقول بكل صراحة لانملك اجابة، ليس لأن عمان خالية من السلبيات، فنحن لا نتحدث عن الجهة أو عن مجتمع ملائكي، ولكن لأن ما اتيح لنا مشاهدته هناك، جذبنا اليه فغرقنا في جمال المكان وحسن عمل وأخلاق الانسان، ونعتقد ان القارئ قد استمتع معنا بذلك، وللقيح أهله، وكل مسير لما خلق·

اقرأ أيضا

الجيش الجزائري يرفض تشكيل حكومة انتقالية ويدعو لاحترام الدستور