الأحد 25 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الشاعر وقصيدته.. متعبان

الشاعر وقصيدته.. متعبان
20 ابريل 2011 20:23
وفق الشاعر أحمد يحيى القيسي في منح مجموعته الشعرية الأولى والصادرة حديثا عنوان: “أرتب فوضى سكوني”، حيث الشاعر هو ذلك الطائر الذي لايكف عن الرحيل من مكان لآخر، عن البحث في عالمه ونسج العش الذي يمكن أن يكون قصيدة، لايكف عن التنقل هنا وهناك في هدأته وسكونه ومن الجنوب حيث ولدت قصائده في فوضى الترحال وميلاد الأسئلة والشعور بغربة الشاعر الخاصة أمام عالم معقد وفي غالب الوقت ليس شعريا بما يكفي مع كل التحديات التي تواجه شاعر اليوم.. من هنا يكتب القيسي قصيدته متخداً من تلك الذاتية العميقة وأسئلته الخاصة طريقة كي يرتب تلك الفوضى. ففي قصيدته “عزلة” يقول القيسي: “حتامَ وأنت تلوي أعناق الاستفهام إليك، وتتوارى خلف أدواته، كما في غرفتك بغائر الحي؟”، أو وهو يبوح ويتجلى في نص عنوانه “غيمة”: “آهاتك التي تمتصها من سجائر آلامك فتنفثها في أحياز الصمت، تتشكل في طقوس العزلة غيمة أحزان”، وعلى الغلاف الخلفي للمجموعة حيث يكتب من قصيدة “انكفاء”: “مقيم بغيابي وكلما حاولت الرحيل من مدائن ذاكرتي ألتقيتك عند آخر المنعطف فأعود لأرتب فوضى أزمنتي من جديد”. ولعل هذا الهاجس الذي يلازم المجموعة هو هاجس يشترك فيه الكثير من شعراء اليوم، في ثيمات العزلة والفقد والحزن، حسب مفاهيمها المختلفة من تجربة لأخرى، لكن سنلاحظ أنها لدى القيسي في هذه المجموعة قد نضجت كحالة وتجربة حتى انكتب النص مليئا بتلك الومضات الخاطفة التي تختزل المعنى وتقدمه كقصيدة، علاقتها مع الجمالي ومع اللغة وثيقة ومتجذرة، وتجسد متخيلا أقرب إلى الواقع على الأقل. فالشاعر لايبوح بكل شيء بل هو يشتغل على نصه وعلى أدواته وبالكثير من الحذر والمغامرة في آن، لذا نجحت التجربة في أن تقدم جديدا نستطيع أن نعثر عليه وهو يتجول بنا في مضامينه المختلفة بل وحالته الشعورية في بعض القصائد التي تحمل دلالة خاصة أكثر في تجربة الحياة كنص “الخطوة الأخيرة” الذي أهدي إلى رجل راحل، أو نص آخر يهدى إلى كاتبة راحله (هديل الحضيف)، وكأن القصيدة لدى الشاعر أحمد القيسي هي لحظة حاسمة في الحياة والموت وبين الحزن والفقد والألم والذكريات والحيرة والصمت والكلمات والحب تدور عوالمه في جزء المجموعة الأول الذي ينتهي بنص “على زورق الصمت” حيث يقول: “كنت والصمت نفضح زيف المسافات التي اغتلتها ذات ضجر بخنجر مسمومة ثم.. ذوبتها في دلالات المستحيل، كنا حين نمشط الحكايا ونجدل ظفائرها.. ننزلق بوحل أحداث تتفرع من خصلاتها السرمدية، نتعثر في التقاطاتها مشهدا مشهدا، وموقفا موقفا حتى نعبر الفصل الأخير، فيتهيأ المرسى محطة لانزلاق آخر”. ومع أن هذا الجزء من المجموعة كما هو واضح من هذه القصيدة مكثف العبارة ومقتصد، ويعتني بلغته أكثر حيث السكون ظل علامة تضيء حتى أناقة العبارة، إلا أن هذا لم يحدث في النصف الآخر من المجموعة حيث النص النفس الطويل، ولم يكترث الشاعر فيه بتوليد نفس تلك الدهشة المختزلة في عبارات قصيرة، بل كان الاسترسال أحيانا يخرج القصيدة إلى حالة من التداعي المزدان باللغة الجمالية والتي وقعت في سردية محضة بدون أدوات الشعر في بعض أسطرها، ولعل هذا يتجلى في نص “هذيان الساعة الواحدة صباحا”، ونص “حرية أم جنون تلك التي تبوح للمرآة”.. يقول في أحد المقاطع: “فمتى سأبوح بحبر خال من نكهة المجاملة والكذب أو النفاق الاجتماعي كما يزعمون” أو غيرها من المقاطع. وفي الجزء الأخير الذي يحتوي على نصين عنوانه “فضاء آخر”، ربما أراد الشاعر أن يبعث إشارة إلى فضاء مختلف في أدواته وفي مساحاته التي يذهب إليها ليتقصى ويختبر حالته من جديد، حيث النص أكثر مغامرة وجرأة وأكثر قراءة للصلة الواقعية مع ثيمات حياته. مجموعة “أرتب فوضى سكوني” تعكس مشوار الشاعر ومكابدته ورغبته في اجتياز العادي والمكرور حتى يصل إلى المعنى المبتكر، وضمن شكل شعري حديث، بل هو هاجس نقرأه في إحدى قصائده: “متعب أنت.. والقصيدة متعبة أيضا”، وفي نص “غصة” حيث يقول: “أي حرف يليق لأفض به ازدحامي”، وفي قصيدة “فنجان أرق” حيث: “تتشكلين من مفردات القصيدة لتنفثي في خفوها الوهج”، وكما هي القصيدة الجديدة قصيدة اجتراح لأقاصي الأمكنة والمضي نحو مكاشفة للذات وبلغة بسيطة وغير معقدة مكترثة لليومي والمعاش بطريقتها، صدرت هذه المجموعة الأولى للشاعر السعودي أحمد القيسي واختار فيها أن يرتب فوضى سكونه في فضاءات وعوالم مسكونة بالبحث عن لحظة شعرية مختلفة.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©