الاتحاد

دنيا

ومن الحب ما قتل!

أحمد محمد (القاهرة) - سامحيني يا أمي فقد قتلتها لأنني أحبها فعلاً هذه هي الحقيقة، فلم أتصور أن تكون لغيري يوما ولم أجد أمامي حلاً آخر وأردت أن أحتفظ بها إلى الأبد أو على الأقل لا يقترب منها أحد، ولا تهم النتائج والعواقب والمهم الهدف، وأنا مصر على تحقيق هدفي وفكرت كثيراً وقلبت الأمر على كل الوجوه فوجدت أن قتلها هو الأفضل لي ولها وللجميع، وأنت تعرفين يا أمي كم أحبها وكيف أنني مستعد للتضحية بكل شيء من أجلها، فالحياة من دونها عدم وحكم بالموت في كل لحظة، وهذا ما لم أستطع تحمله وأنا أغار عليها من نسمة الهواء التي تداعب شعيرات رأسها.
قرأت الأم هذه الكلمات بصعوبة لأنها مكتوبة بخط رديء جداً، فابنها بالكاد يعرف القراءة والكتابة، ومع ذلك استطاع أن يعبر عمّا بداخله إلى جانب أنها هي أيضاً مثله في نفس المستوى، وراحت تحاول أن تفك طلاسم الحروف بسبب خطه الذي هو أقرب إلى رسم أشكال الحروف على طريقته وانخلع قلبها من مكانه كلما انتقلت من كلمة إلى أخرى، فهي تعرف أنه لا يمزح وأنه جاد فيما قال، لقد ضيع نفسه من دون أن يدري معتقداً أن هذا هو الحل، ومع ذلك فهي لم تفقد الأمل عساه هذه المرة أن يكون كاذباً وأن يكون ما قاله مجرد تهديد أو أنه لم ينفذه بعد، لكنه قال في الرسالة لقد قتلتها أي أن الأمر قد قضي.
بسرعة فائقة ومن دون أن تتأكد من هندامها ارتدت ملابسها السوداء وخرجت إلى الشارع تتلمس أخباره وتود أن تعرف عنه أي شيء يطفئ النار التي اشتعلت في قلبها على ولدها، حتى وإن لم تكن من قبل راضية عن تصرفاته وسلوكياته، وقد أعياها النصح والرفض والتوجيه ولقيت منه كل جحود ولا مبالاة، وقد جاءها الخبر السيئ بصحة ما وجدت في الورقة، فقد عثر اليوم على «منى» قتيلة داخل الشركة التي تعمل بها، فهي طالبة في الثانوية العامة وتقضي عدة ساعات كل يوم في شركة لأعمال الديكور وتعود في المساء أحياناً إلى الدرس الخصوصي، فهي من أسرة متوسطة، لكنها تحافظ على الأخلاقيات والالتزام بالعادات وجدوها مذبوحة في مطبخ الشركة مع محاولة لإحراق الجثة، لكن الجيران استطاعوا إطفاء النيران، بينما كانت الفتاة جثة هامدة واكتشفوا الجريمة البشعة.
فوجئ «ناجي»، بأن طلبه مرفوض، بل وإن أسرة الفتاة التي توجه لخطبتها قابلته بشكل غير مقبول لأنهم لم يستريحوا له أصلاً، وإن لم يكونوا فوجئوا بالخطوة التي أقدم عليها وكانوا حادين وجادين معه في الرد وقطعوا الكلام بقول فصل بأنهم لن يوافقوا على تزويج ابنتهم لواحد مثله، فهو مدمن مخدرات وتاجر سموم وسيئ الخلق ومسجل خطر ومطلوب في عدة قضايا، وكل واحدة من هؤلاء كافية لأن تجعلهم يرفضونه وقد كانوا على حق في رؤيتهم.
لكن على الجانب الآخر أراد أن لا يندفع بطريقته المعتادة وأن يتخلى قليلاً عن التسرع والتهور من أجلها، وحاول أن يقدم تنازلات وهمية معتمداً على أنه يحبها ولا يمكنه العيش من دونها، وأنه سيحافظ عليها ويضعها في عينيه، وأن ما يرفضونه من أجله مميزات وليست عيوباً لأننا في زمن البقاء فيه للأقوى، وهذا أيضاً من علامات القوة والرجولة والفتوة، فهو معجب بفتوات الحارات القدامى ويرى نفسه فتوة هذه الحارة أو هذا الشارع، ويجب على الجميع أن يسمعوا ويطيعوا ولا كلمة تعلو فوق كلمته، وها هو يجني من وراء ذلك المكاسب التي يريدها، وعندما واجهوه صراحة بأنه أمي لا يجيد القراءة ولا الكتابة وأن ابنتهم في طريقها لدخول الجامعة ولن يسمحوا بزواجها إلا بعد أن تحصل على شهادة عالية وهو لا طاقة له بذلك، ولن تكون مناسبة له أو بالأحرى لن يكون مناسباً لها، فكان جوابه بنفس مفهومه بأن التعليم لا قيمة له في هذا الزمن وأن الموظفين شحاذون برخصة رسمياً، وهو يربح أضعاف ما يحصل عليه المدير العام.
احتدم النقاش رغم أن الكلام عن خطبة وزواج ولم يتخل أحد عن موقفه ولم يتراجع عن حجته وقوبل الطلب بالرفض النهائي مع تحذيره بعدم معاودة الكرة مرة أخرى وأن ينسى ذلك تماماً، وهو من جانبه أراد أن يثبت أن كلمته لن تنزل الأرض أبداً وأصر على طلبه تاركاً الباب موارباً حتى يعود مرة أخرى، وهو يضمر في نفسه شراً لأنه شعر بجرح كرامته ولم يجرؤ أحد من قبل على المساس بها خاصة، وهو فعلاً عرف الحب هذه المرة والفتاة نفسها تميل إليه، وقد وافقت من قبل بينها وبينه على الارتباط فهي صغيرة ولا تستطيع أن تحكم على الأمور بشكل طبيعي، فقد أسمعها الكلام المعسول وتغزل فيها بما لم تتمكن معه من مقاومة مشاعرها والتحكم في أحاسيسها وارتضت بأن يأتي البيوت من أبوابها ويتقدم لخطبتها ولم تخف ما حدث عن أمها وأخبرتها به، لكنها وجدت رفضاً من الأسرة كلها وتأكد هذا الرفض عندما جاء ليطلبها رسمياً، وحتى بعد أن أعاد الكرة وجد نفس الرد والموقف لم يتغير.
اسودت الدنيا في عينيه وضاقت عليه الأرض، وخاصة بعدما رأى أن كل السبل قد سدت أمامه ولا سبيل إليها بعد ذلك، وهذه هي نهاية الدنيا والحياة لا قيمة لها ولا يستطيع أن يعيش من دونها ولا يمكن أن يتقبل الهزيمة القاسية وجرح القلب الذي لا يمكن للأيام أن تداويه، أما ما لا يمكن أن يتخيله ولا يخطر له على بال أن تكون حبيبته لرجل آخر غيره، وبما أن الأمور قد وصلت إلى ما وصلت إليه، فهي حتما ستتزوج غيره إذا لابد من الحيلولة من دون ذلك وحسم أمره واتخذ قراره الوحيد وتوجه إليها في الشركة التي تعمل بها لإيجاد حل.
هناك لم يتبق كلام ليقال، فقد تم حسم الأمر بالوصول إلى كلمة النهاية غير أنه يحمل الآن عرضاً جديداً هو آخر المتاح قبل إسدال الستار، يريدها أن تهرب معه إلى أي مكان في الدنيا ويتم عقد القران والزواج من وراء ظهر أسرتها وبما أنها تحبه، فيجب أن تثبت ذلك عملياً وتوافق على هذا العرض، لكن جاءه الرد قاطعاً بالرفض وأنها لن ترضى أن تفعل ذلك ولن تقبل أن تضع أسرتها في هذا الموقف الذي يريد أن يرميها فيه وهذا ليس حلًا، وإنما المزيد من التعقيد وعليه أن يغادر الآن لأن هذا مكان عمل ولا مجال فيه للقاءات العاطفية فعاد إلى غيه القديم واسترجع طبائعه التي جعلت الناس يفرون منه فرارهم من الأسد دفعها أمامه دفعة قوية وهو يستنكر ما تقول فسقطت على المقعد الذي كان وراءها وانهال عليها باللكمات والضربات وأخرج السكين الذي لا يفارق خصره وانهال عليها بالطعنات، وكلما رأى الدماء واصل الطعنات حتى بعد أن أصبحت جثة هامدة ولم يكتف بذلك، بل قام بجرجرتها إلى المطبخ وحاول إشعال النار فيها كأنه ينتقم منها، لا كما يقول إنه يحبها ولا يريد لأحد أن يقترب منها.
أُلقي القبض عليه واعترف بالتفاصيل الكاملة، وبكل برود يؤكد أنه لم يرد لها أن تتألم، وإنما لتستريح وإن كان قد ارتكب جرائم كثيرة من قبل لا يعرف عددها، لكن هذه ليست جريمة، ولكن من أجل عيون المحبوبة.
وأمرت النيابة بحبسه وإحالته إلى المحكمة بتهمة القتل العمد، نادى الحاجب بصوته الجهوري المعتاد «محكمة»، فخرج القضاة من غرفة المداولة متشحين بالأوشحة المعروفة واعتلوا المنصة ووقف الحضور تعظيماً للعدالة، وبدأت الجلسة بمرافعة ممثل النيابة الذي كان يبدو واثقاً وهو يسوق الأدلة والبراهين ويطالب بتوقيع أقصى عقوبة على المتهم وهي الإعدام شنقاً، ولو كانت هناك عقوبة أشد من ذلك لطالب بها، فقد ارتكب جريمة بشعة لم تكن مسبوقة ولم يعرف الناس مثلها، تحول إلى شيطان ونسي أنه إنسان، ولم يحكم العقل لحظة واحدة وتلطخت يداه بالدماء وراحت الفتاة بلا ذنب جنته.
بينما على الجانب الآخر وقف محاميه يفند الأدلة ويحاول أن يقدم البراهين على براءته مستنكراً وقوع الجريمة أصلاً وأن هناك شيئاً غامضاً وجانباً مفقوداً في الموضوع، والسؤال البسيط الذي يفرض نفسه هل يمكن أن يقتل أحد من يحب بحجة أنه يحبه كي لا يبتعد عنه وحتى لا يضيع منه؟ كيف يفعل ذلك بهذا المنطق المعكوس الذي لا يتفق مع العقل والمنطق، وبناء على هذا السؤال طالب ببراءته والبحث عن القاتل الحقيقي.
بعد المداولة قضت المحكمة بإعدام «ناجي»، هنا فقط آفاق وشعر بفعلته، إنه يموت كل لحظة ولا يعرف النوم وهو ينتظر لحظة تنفيذ الحكم وحبل المشنقة يتأرجح أمام عينيه في النوم واليقظة.

اقرأ أيضا