الاتحاد

تقارير

اليمينيون.. يساريون اقتصادياًَ!

في السياسة الأميركية، من المفترض أن تكون الشخصية قدراً مقدوراً، ومن ثم تجعل الشخصية المحافظة صاحبها محافظاً بشأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية. والعكس صحيح أيضاً بالنسبة لليبراليين. وإذا أمعنا النظر في الصور النمطية نجد أن الليبراليين معروفون عادة بتأييد «الإنفاق الحر والتحرر»، بينما يُعرف المحافظون بـ«الأفكار المتشددة والسوق الحر».
ولكن ليس ثمة أيضاً ما هو صحيح بشأن هذا الربط بين الشخصية وتلك الأيديولوجيات المطلقة. وبالأحرى، يتشكل هيكل انقسامنا الأيديولوجي من خلال الرسائل السياسية وليس الاختلافات النفسية. وفي الحقيقة، يشير بحثنا، الذي نشرناه مؤخراً في دورية «بيرسونالتي وسوشال سايكولوجي»، إلى أن الصفات الشخصية التي تجعل المرء محافظاً من الناحية الثقافية تميل غالباً إلى تأييد الآراء الاقتصادية اليسارية، التي تحابي التدخل الاقتصادي من جانب الحكومة لإعادة توزيع الدخل. ولكن كيف يتأتى ذلك؟
لنبدأ بالنظر في أكثر الآراء العلمية أثراً في كيفية تأثير الشخصية على الأيديولوجية السياسية: نموذج «تشدد اليمين». حيث يرى هذا النموذج أن الأشخاص يختلفون عن بعضهم بعضاً من حيث الانغلاق وتفضيل ما هو مألوف، أو التفتح وتحبيذ ما هو متنوع.
وتبعاً لذلك، ينجذب على الأرجح أصحاب الشخصية المحافظة -الذين يُعتقد أنهم متأثرون باختلافات عقلية هيكلية ومدارك عصبية أساسية- إلى أيديولوجية محافظة واسعة النطاق، سواء على الصعيد الثقافي أو الاقتصادي. وتفترض وجهة النظر هذه أن الشخصية المحافظة تجعلك محابياً للاستقرار وديمومة المبادئ الثقافية التقليدية، وتدفعك إلى محاباة السياسات الاقتصادية اليمينية لأن ذلك النوع من السياسات لن يتعارض مع الهرم الاقتصادي السائد. وهذا النموذج اليميني على رغم تأثيره إلا أن قسوته تحمل اتهامات بالتحيز الأيديولوجي داخل مجتمع الباحثين. ولكننا نعتقد أن هناك خطأ أكثر جوهرية في هذا النموذج وهو: أن معظم الاختلافات الأساسية بين اليسار واليمين تكمن في الأمور الاقتصادية، وغالباً ما توجد قوى حاسمة تجبر أصحاب الشخصية المحافظة على أن يكونوا يساريين اقتصادياً!
وكان بحثنا، الذي نشرناه بالتعاون كريستوفر سوتو من كلية «كولبي» ويفتاك ليليكس من جامعة «أمستردام»، هو أكبر اختبار دولي بشأن مدى ارتباط نموذج الشخصية المحافظة حقيقة بالمواقف الاقتصادية والثقافية. ومن خلال تحليل إجابات أكثر من 70 ألف شخص من 51 دولة، وجدنا أن أصحاب الشخصيات المحافظة يميلون غالباً إلى تبني مواقف محافظة من الناحية الثقافية بشأن أمور مثل الإجهاض والهجرة وغيرها. وفي هذا الجانب، يبدو نموذج التشدد اليميني ملموساً.
ولكن عندما يتعلق الأمر بالجوانب الاقتصادية ذات الصلة بسياسات الرفاهية الاجتماعية والتدخل الاقتصادي كانت النتائج مختلفة تماماً، حيث تميل الشخصيات المحافظة إلى ناحية اليسار!
ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة «ديوك» كريستوفر جونستون وزميلاه كريستوفر فريديركو وهوارد لافين من جامعة «منيسوتا» أن الشخصية المحافظة قد تسحب الناس حقيقة في اتجاهين حسب مواقفهم الاقتصادية. وسيقود وضع النظام والاستقرار في مقدمة الأولويات إلى الاهتمام بالضمان الذي تهدف السياسات الاقتصادية اليسارية إلى توفيره، بيد أن تبني هذه الشخصية المحافظة يدفع أيضاً نحو التوق إلى المحافظة الثقافية، الأمر الذي قد يقود الشخص بصورة غير مباشرة إلى محاباة السياسات المحافظة اقتصادياً، إذا كان الشخص نشطاً سياسياً. والسبب وراء ذلك هو الرسائل السياسية!
وكثيراً ما تروج الرسائل السياسية لوجهة النظر القائلة إن الأولويات الاقتصادية اليمينية تتلاءم بصورة طبيعية مع الأولويات الثقافية اليمينية تحت شعار «محافظ» مطلق. وتحدد هذه الرسائل ما يشكل حزمة من الأولويات الأيديولوجية الراسخة، وتجعل الناس يتبنون هذه الحزمة، وتجعلك تقول: «إذا كنتُ محافظاً على الصعيد الثقافي، فلابد أن أكون كذلك اقتصادياً».
بيد أن الأدلة التي جمعناها من بحثنا الدولي كانت متسقة مع وجهة النظر القائلة: «بشكل عام تجعل الشخصية المحافظة الناس يميلون إلى اليسار اقتصادياً، مع وجود استثناء واحد مهم، هو أنه بين الناس الذين يكونون ناشطين سياسياً ويعيشون في دول يبرز فيها الصراع الأيديولوجي اليساري، مثل الولايات المتحدة، فإن شخصيتهم المحافظة ترتبط بآراء اقتصادية يمينية».
ويعني ذلك أنه بالنسبة للصراع الأيديولوجي في الولايات المتحدة، لابد أن نكون حذرين بشأن قبول مزاعم أن الصراع الأيديولوجي الواسع بين المحافظين المناصرين للتقاليد الثقافية والمؤيدين للسوق الحر، والليبراليين التقدميين المؤيدين لإعادة توزيع الثروة، هو نتيجة طبيعية لاختلافات الشخصية. فهي ادعاءات خاطئة؛ إذ إن ذلك الصراع مرتبط بالرسائل السياسية التي يتلقاها الأميركيون بشأن طبيعة الصراع الأيديولوجي للسياسيين.

آريل ماركا ومايكل إنزليخت
* أكاديميان مختصان في العلوم الإنسانية
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

اقرأ أيضا