تقارير

الاتحاد

التنافس بين «القاعدة» و«داعش»

ترى، لماذا تم استهداف مكاتب صحيفة «شارلي إيبدو» في باريس في صباح يوم الأربعاء الماضي؟ من المؤكد أننا سنعلم قريباً، ولكن إذا كان صحيحاً أن المسلحين قالوا إنهم من تنظيم «القاعدة» في اليمن، كما ذكرت بعض الصحف، فإن فرضية محتملة تبرز: هذا طراز قديم، هجوم لـ «القاعدة» ضد عاصمة غربية يستهدف جذب الانتباه العالمي! وهذا هدف رئيسي للتنافس مع الأسلوب الجديد من الإرهاب الذي يمثله تنظيم «داعش».
ولم تكن ظاهرة «داعش» مفاجئة للمراقبين الغربيين وحدهم، بل إنها ربما فاجأت أيضاً المنظمات الإرهابية التقليدية. لقد خلقت «داعش» نموذجاً جديداً من العنف والتغرير. وفي هذا السياق، تحاول التنظيمات التابعة لـ«القاعدة» بذل جهود للحاق بهذا النموذج -وربما ينبغي فهم هجوم الأربعاء كمحاولة للعودة إلى العناوين الرئيسية وجذب الانتباه بعيداً عن «داعش» من خلال استخدام أساليب قديمة.
وتذكروا أنه منذ هجمات 11 سبتمبر وما بعدها، خلق تنظيم «القاعدة» بزعامة بن لادن نموذجاً للعنف الإرهابي تمكن من الاستحواذ على الانتباه العالمي وجذب درجة من الانتباه الدولي.
وفي صميم نموذج «القاعدة» تأتي محاولة تصدر العناوين الرئيسية للصحف الدولية من خلال استهداف العواصم الغربية، حيث تعد نيويورك، ولندن، ومدريد، هي أبرز الأمثلة. كما أن قتل أكبر عدد من الأشخاص هي الطريقة الأكثر فعالية في رأي الإرهابيين للحصول على مثل هذا الاهتمام، ويساعد في استهداف وسائل الإعلام الإخبارية نفسها. وتناسب «شارلي إيبدو»، وهي صحيفة ساخرة، هذا النموذج للاستهداف. ولن يجذب عدد القتلى الناتج عن الهجوم العناوين الرئيسية فقط، ولكن أيضاً يمكن التعويل على وسائل الإعلام الأخرى للتعليق على الهجوم، كل بطريقته الخاصة.
وكانت آخر مرة تتعرض فيها الصحيفة للهجوم في عام 2011 -وذلك في أعقاب نشر رسوم كاريكاتيرية تسيء إلى الإسلام. صحيح أنها نشرت هذا الأسبوع قصة الغلاف حول رواية «ميشيل ويلبيك» التي تم انتقادها باعتبارها تحفل بالتحامل والكراهية ضد المسلمين «الإسلاموفوبيا». ولكن من غير المرجح أن التخطيط لمثل هذه العملية قد حدث في بضعة أيام قليلة فقط. والتفسير الأكثر ترجيحاً هو أن المهاجمين كانوا ببساطة يبحثون عن هدف إعلامي في عاصمة غربية.
أما «داعش»، فهي تفعل شيئاً مختلفاً تماماً عن «القاعدة»، وعلى رغم أنها في الأصل فرع من فروع تنظيم «القاعدة»، إلا أنها قفزت إلى واجهة الخريطة الإرهابية.
ويتمثل توجه «داعش» في استخدام القوة والعنف لإخضاع الأراضي واحتلالها. ولهذا السبب تمكنت «داعش» من إعلان إقامة «الخلافة» المزعومة، الأمر الذي لم تكن «القاعدة» قادرة على القيام به. وتتطلب «الخلافة» المزعومة احتلال الأراضي الفعلية. وبطبيعة الحال، فإن تنظيم «داعش» يستخدم أيضاً أساليب شنيعة للعنف، أبرزها قطع رؤوس الصحفيين الغربيين، لكسب الاهتمام العالمي.
وتشعر الحكومات ووسائل الإعلام الأميركية والأوروبية بالقلق بشأن «داعش». ومن بين المتطرفين -أو أولئك الذين لديهم استعداد لأن يصبحوا متطرفين- قامت «داعش» بجذب الآلاف من المؤيدين للأراضي التي تحتلها. وقد سبق أن تمتعت «القاعدة» بمثل هذا النوع من القدرة على التغرير بالقاصرين، ولكنه تضاءل.
وإذا كان هجوم باريس هو حقاً من تنفيذ «تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية»، الذي يضم اليمن، فمن المؤكد غالباً أن هدفه هو استعادة انتباه الرأي العام من «داعش» وتذكير العالم بأن النموذج الإرهابي القديم لا يزال فعالًا. وفرنسا ليست لديها أية قوات في الشرق الأوسط حالياً، ولذا فإن الهجوم في حاجة إلى سبب آخر. فالصحيفة كانت مجرد سبب ملائم لعودة نهج «القاعدة» مرة أخرى إلى العناوين الرئيسية، لا أكثر.
وبطبيعة الحال، فإنه من الممكن أيضاً أن يوجد ارتباط بين «داعش» وهذا الهجوم. وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا سيكون دليلًا على أن التنظيم أراد الاستيلاء على سوق الإرهاب التقليدي لـ«القاعدة» لمصلحة العلامة التجارية الخاصة به. ومن شأن هذا أن يكون مثيراً للاهتمام، لأنه سيعني أن «داعش» كانت تحاول احتكار الامتياز العالمي للإرهاب.
ومع ذلك، فإن أفضل تخمين لي هو أن النموذج القديم يتصل بجهات فاعلة في «القاعدة». ومن المحتمل أن تتمسك «داعش» بعلامتها الأساسية. ومع ذلك، فإن هجوم باريس يثبت أن الأسلوب القديم للإرهاب لم يمت بعد.

نوح فيلدمان*
* أستاذ القانون الدستوري والدولي بجامعة هارفارد
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا