الاتحاد

دنيا

كابتن سامية الحيائي·· أحلامٌ فوق السحاب

حوار- محمد الأنصاري:
كان حلم جدها أن يرى أحد أبنائه طياراً، وحين لم يتحقق ذلك في الجيل الثاني، كان الحلم ينتقل معها عبر حكايات والدها عن الطيران، فدخلت الاختبار الخاص وحازت نتيجة ممتازة، وكغيرها من سيدات الإمارات؛ كانت توجيهات 'أم الإمارات' سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك ورؤاها، خير إضاءة لدربها في مواصلة مشوارها والانطلاق في رحلتها نحو السحاب، وكان لرعاية الفريق الأول سمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لهواة الطيران ودعمه لجميع أنشطة عالم الطيران في الدولة، خير ما يشد من عزمها في المضي قدماً لتحقيق حلمها وحلم أجيال مضت، سبقتها في الحصول على رخصة كابتن لقيادة الطائرات، مواطنتان من بنات بلدها، كابتن طيار علياء المهيري وكابتن طيار عائشة الهاملي، فكان ترتيبها الثالث من حيث الحصول على هذه الرخصة والدرجة، إنها السيدة الإماراتية كابتن طيار سامية إبراهيم عبد الله الحيائي، التي تمارس هوايتها في مركز الفجيرة للطيران، وهي واحدة من السيدات اللواتي أصبحن مثالاً وأنموذجاً تفخر به المواطنة الإماراتية في طريقها نحو حياة أجمل·
الحديث مع كابتن سامية الحيائي- التي سَمَتْ وحلّقت فوق سماء الوطن وجباله- كان شفافاً وإنسانياً، وكانت الإجابات تنساب منها كندىً يتقاطر من تلك السماء التي حلّقت فيها بطائرتها، فكان كلامها كأحلام تتشكل فوق سحاب الوطن:
؟ كيف بدأت هواية الطيران، وهل كان موقف الأهل إيجابياً أم سلبياً إزاء ذلك، وما هي نظرة المجتمع تجاه هوايتك التي تمارسها مواطنات إماراتيات قليلات؟
؟؟ بدأت هوايتي الفعلية مع عالم الطيران في مركز الفجيرة للطيران في ديسمبر من عام 2002م، حيث كنت أتوجه إلى المركز للرحلات الترفيهية التي يقدمها المركز للجمهور، وعلمت أن المركز يقدم للطلبة الدارسين رخصة قيادة طائرات معترف بها دولياً، فبادرت بالتسجيل كي أبدأ مشواري نحو هدفي وحلم والدي في أن أصبح طياراً مدنياً، وكان لمساندة الأهل وتشجيعهم لي؛ خير دافع وحافز لي للاستمرار في رحلتي مع الطيران·
كان والدي أكثر من ساندني وشجعني للخوض في هذا المجال، ويعود ذلك إلى أمنية والده- الذي هو جدي- بأن يكون أولاده: مهندساً وطياراً وضابطاً، وحقق اثنان من أعمامي تلك الأمنية القديمة، فعمي الأوسط مهندس بترول، وعمي الأصغر رئيس نيابة الاستئناف في أبوظبي، أما والدي فلم يحالفه الحظ بأن يكون طياراً لظروفه الصحية·· كنتُ في طفولتي أستمع لوالدي وهو يحدثنا أنا وأخي؛ عن حلمه بأن يكون طياراً، فترعرع هذا الحلم معي يوماً بعد آخر، وحين تقدم أخي للفحص الطبي في القوات الجوية؛ لم يحالفه الحظ أيضاً، وكان التوفيق حليفي- ولله الحمد- في اجتياز الفحص والاختبار لتحقيق حلم الوالد·
أما بالنسبة لنظرة المجتمع الإماراتي، فأعتقد أنها متطورة وآخذة بالتطور يوماً بعد آخر حول العديد من القضايا التي كانت تعتبر حساسة أو غير مقبولة بالنسبة لعمل وهوايات المرأة، وأرى أن سيدات الإمارات قد وصلن إلى درجة من الحرية والاحترام والمناصب تغبطهن عليها العديد من نساء العالم، وكل ذلك بفضل الوطن الإماراتي المتقدم الذي أرسى دعائمه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وبفضل توجيهات وآراء الوالدة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك التي بذلت كل ما في وسعها من أجل سعادة وحقوق وحرية المرأة الإماراتية، ولا أنسى بالطبع رعاية سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لمواهب الشباب في مجال الطيران، حيث عشق الكثير من الإماراتيين هذا المجال بعد أن شاهدوا 'صقر الوطن' ببدلة الطيران·
فرح في السماء
؟ هل كان الخوف من الارتفاعات موجوداً لديكِ، كيف تغلبتِ عليه، وحين تصعدين الطائرة كراكبة الآن هل تتمنين أن تكوني في مقعد الطيّار؟
؟؟ قبل ممارسة أي عمل أو هواية؛ هناك دائماً شعور غامض ينتاب المرء، وربما ساور البعض شعور الخوف، أما بالنسبة لي فقد كنتُ أشعر بالسعادة والفرح وأنا أحلّق عالياً في السماء، وربما غطى هذا الشعور الفرِح؛ شعوري بالخوف أو أي شعور سلبي آخر، حيث كنتُ منشغلة بمتابعة التعليمات التي كنتُ أتلقاها ونحن في الجو، ومتابعة الأجهزة في قمرة القيادة وكيفية عملها كلاًّ على حدة، أما بخصوص الشق الثاني من السؤال فأقول: كنتُ أصعد الطائرة المدنية وأنا محبة للجلوس فيها والنظر من نافذتها، أما الآن فأشعر بأني أتحلى بمقدرة الطيار على القيادة، وأتمنى الجلوس بدلاً عنه في مقعد القيادة·
شهادة تقدير
؟ ما هي الدورات التي دخلتها لتعلم الطيران، وكم عدد ساعات الطيران الفعلية التي مارستها، ومن هو أبرز أستاذ أشرف على تدريبك وتعليمك؟
؟؟ دخلت دورة تدريب 'برايفت بايلُت' وكان ذلك على طائرة 'سفنا'، أما عدد ساعات طيراني الفعلية فهي تقارب 41 ساعة طيران، وقد حصلت من المركز على شهادة تقدير منذ اجتياز ساعة طيراني الأولى بنجاح، وقد أعطتني هذه الشهادة اندفاعاً قوياً وحباً كبيراً لهذا المجال، وأعتقد أني مؤهلة لقيادة الطائرة بأمان ونجاح، أما أهم أستاذ أشرف على تدريبي فهو الكابتن 'مبشر' وهو حاصل على رخصة القيادة من هيئة الطيران المدني في الإمارات، وله خبرة أكثر من 4 سنوات في التدريب بمركز الفجيرة وأكثر من 3 آلاف ساعة طيران، وأعتقد أنه من الطيارين الأساتذة الأكفاء في الدولة·
طائرة خاصة
؟ بماذا تشعرين حين تشاهدين طائرة في فيلم سينمائي، ولو خيرتِ بين قيادة طائرة مدنية ومقاتلة فماذا ستختارين؟
؟؟ كثيراً ما أرى نفسي بديلاً للطيار في أي فيلم أشاهده، فغاية أحلامي الآن أو في المستقبل أن أمتلك طائرة خاصة متكاملة المواصفات للتحليق بها حول العالم بحرية مطلقة، وأتابع كثيراً الأفلام الخاصة بعالم الطيران وبداياته، ولو أتيحت لي فرصة الاختيار بين قيادة طائرة مدنية وأخرى مقاتلة؛ لاخترتُ الأولى لأني لستُ من دعاة الحروب ولا أحب مشاهد العنف والخراب، بل إني أرى أجنحة الطائرة كأجنحة فراشة ملونة وهبها الله للإنسان ليرى جمال الوجود والبحار والبراري والجبال التي صنعتها يد القدرة الإلهية، والطيران بالنسبة لي هو عالم يفيض بالحرية والجمال·
لوحات تشكيلية
؟ حلّقت فوق أرجاء الوطن؛ فما هي أجمل المناظر التي شاهدتها، وما هي أهم المواقع التي حلقتِ فوقها؟
؟؟ كان منظر إمارة الفجيرة التي أقوم بالتدريب في أجوائها؛ منظراً خلاباً وجميلاً جداً، لأنها من أجمل المناطق السياحية في الإمارات؛ حيث ترى زرقة مياه البحر معانقة لجبالها البُنية التي تكسوها الخضرة في الشتاء، فتعطيك شعوراً بالدهشة والسحر والجمال، وحين تحلّق فوق ذلك المنظر البديع تتجسد أمام عينيك في مشهد متألق عظمة الخالق وإبداعه في خلق الجمال، وقد حلقتُ فوق مناطق صحراوية على امتداد الإمارات، فشعرتُ وأنا أراها من الجو وكأنها لوحات تشكيلية قد تكونت من حبات الرمل الذهبية التي توحي بالتأمل والاستغراق، وأجد أن المناظر من الأعلى- خصوصاً حين يكون الارتفاع ليس عالياً جداً- تكون أجمل مما هي عليه في الأرض، أما أهم المواقع التي حلّقت فوقها في الإمارات فهي ولا شك مدينة أبوظبي وما حولها، حيث يكون التحليق أكثر حذراً لوجود المباني والأبراج الشاهقة، والحركة الكثيفة في مطارها الدولي·
جرأة الأنثى
؟ ماذا تقولين لبنات جنسكِ ممن يخفن من الطيران، أو يعتبرنها هواية خطرة أو 'ذكورية'؟
؟؟ أنا لا أرى في هواية الطيران أي خطورة، وبإمكان أي شخص أن يمارس الطيران بعد حصوله على التدريب اللازم، وأشجع من خلال هذا اللقاء جميع بنات الإمارات اللواتي يحببن الطيران؛ لخوض هذه التجربة الجميلة، ولا أعتقد أن مجال الطيران مقتصر على الذكور دون الأناث؛ بل وأضيف أن المرأة لديها ميزات ربما تساعدها على ممارسة الطيران بسهولة أكثر من الرجل، حيث إن المرأة- في الأغلب- ذات شخصية هادئة ومرنة وعصبيتها أقل من الرجل بدرجات، وهذه كلها أمور تساعد في السيطرة على دفة القيادة وسرعة الاستيعاب في التدريب، وبالنسبة للخطورة والخوف من الطيران فالإجابة بسيطة جداً حين تنظر إلى عدد الفتيات اللواتي يمارسن مهنة 'مضيفات طيران' حيث يبلغ عشرة أضعاف الرجال العاملين في هذا المجال·
استعراضات
؟ هل تتابعين أخبار عالم الطيران، وهل تعتقدين بضرورة وجود مجلة أو دورية متخصصة بهذا المجال في الدولة، وهل تعتقدين أن مهرجانات وفعاليات العروض الجوية التي تقام في الدولة؛ مثل مهرجان الاستعراضات الجوية في العين يساعد على تنشيط مجال الطيران في الإمارات؟
؟؟ أتابع يومياً كل ما يتعلق بأخبار الطيران، وأقترح على الجهات المختصة مثل وزارة الإعلام والثقافة أن تتكرم بترجمة كتب الطيران الأجنبية إلى اللغة العربية؛ ليسهل على الهواة في هذا المجال فهم أكبر قدر ممكن من المعلومات والمصطلحات الحديثة الخاصة بالطيران، كما أتمنى أن أرى في الدولة مجلة أو دورية متخصصة بعالم الطيران أسوة بالهوايات الأخرى، وبالنسبة لإقامة الاستعراضات والمهرجانات الجوية في الدولة، فهي من الأشياء المشجعة لتنمية مواهب الهواة وأرى أنها ضرورية لأي بلد يسعى نحو التقدم، وقد حضرت العام الماضي مهرجان العين للاستعراضات الجوية، وأعجبتني طريقة التنظيم والموقع، حيث شاركت به مجموعة متميزة من الطيارين من خارج الدولة وداخلها، وهو ضروري للتواصل بين الهواة الإماراتيين وهواة الطيران من كافة أنحاء العالم، وأتمنى لاحقاً الدخول في دورة 'أكوبتل' الخاصة التي تتيح لي حق المشاركة في مثل هذه الفعاليات، وأعتقد أن بلدنا وأجواءنا آمنة بفضل الله وبفضل قيادتنا الرشيدة·
طعم الحرية
؟ هل تتمنين البقاء في الجو فترة طويلة، وما هو تأثير الطيران على صفاتك الشخصية؛ بمعنى ماذا أضاف لكِ الطيران؟
؟؟ لو لم تكن هناك ساعات محدودة للتحليق وكمية محدودة للبترول في الطائرة؛ لخصصت للطيران أكثر ساعات النهار، وعندما تكون محلّقاً تشعر أن هذه المساحة من الجو ملكٌ لكَ، فتطلق لروحك ولطائرتك العنان بحريه تامة، وكأنك طائرٌ حر ارتفع بجناحيه فوق السحاب لأول مرة، ويزداد هذا الشعور لديك- خصوصاً- حين تكون حالة الجو مشجعة كوضوح الرؤية وعدم وجود مطبات هوائية، أما ما أضافته لي دراسة الطيران؛ فقد جعلتني أكثر شجاعة وأقل إحساساً بالخوف، وبدأ ذلك منذ اللحظة الأولى في مشواري في عالم الطيران، وأرى أن الطيران أضاف إلى شخصيتي أموراً أخرى كالإحساس الكبير بالمسؤولية تجاه حياتي وحياة الآخرين، وأهمية وجمال الحياة، وأن أكون جريئة وسريعة باتخاذ القرارات- خصوصاً- في الحالات الطارئة، كما ازدادت سرعة البديهة لدي في حياتي الخاصة، وأنا في طريقي ليكون الطيران مستقبلي وعملي إن شاء الله·
رخصة كابتن
؟ ما هو ترتيبكِ بين فتيات وسيدات الإمارات اللائي يمارسن الطيران، وهل أنتِ مع تأسيس نادٍ لهواة الطيران في الدولة؟
؟؟ ترتيبي هو الثالث؛ حيث سبقتني الزميلتان: كابتن علياء المهيري وكابتن عائشة الهاملي في الحصول على رخصة قيادة الطائرة، ولا زال الحديث عن تأسيس نادٍ خاص بهواة الطيران في الدولة مبكراً، ولكني أدعو المرأة الإماراتية لممارسة هذه الهواية كي يزداد العدد، فيكون لنا نادٍ خاص لممارسة الهواية، ونستطيع من خلاله الاشتراك بالمهرجانات والاستعراضات الجوية في الدولة وخارجها، وكي يكون للمرأة الإماراتية حضورها في هذا المجال كما كان لها الحضور القوي في العديد من مجالات الحياة، وذلك ليس ببعيد عن طموح بنات الإمارات·

اقرأ أيضا