الاتحاد

دنيا

التلوث تهديد حقيقي يواجه سكان المغرب وبيئته

التلوث يعكر جمال الطبيعة (الصور من المصدر)

التلوث يعكر جمال الطبيعة (الصور من المصدر)

سكينة أصنيب (الرباط) - يعاني المغرب من التلوث البيئي، الذي أصبح يهدد طبيعة هذا البلد الغني بتنوع مناخه وتضاريسه، ورغم الجهود التي تقوم بها الوزارة المكلفة بالبيئة ومراكز البحث فإن مشكلة التلوث لا تزال يشغل بال المغاربة، سواء في المدن الكبيرة التي تعاني من الاكتظاظ وكثرة المصانع أو في القرى والبراري التي تحولت إلى مدافن للنفايات المتنوعة.
دراسة مقلقة
بحسب دراسة رسمية، تهدف إلى تقييم تأثير تلوث الهواء على صحة المواطنين بمدينة الدار البيضاء كبرى مدن المغرب، فإن هناك علاقة وطيدة بين مؤشرات التلوث الهوائي المتمثلة في الأدخنة السوداء والوفيات وأزمات الربو والالتهابات التنفسية عند الأطفال.
ولاحظت الدراسة أن ارتفاع نسبة الأدخنة السوداء من 9 إلى 87 ميكروجرام بالمتر المكعب يؤدي إلى ارتفاع الوفيات بنسبة 9%، وارتفاع نوبات الربو بنسبة 6%، مع ارتفاع إصابة الجهاز التنفسي لدى الأطفال أقل من 5 سنوات بنسبة 8,37%.
وحاولت دراسة أخرى الوقوف على مدى تأثير تلوث الهواء بمدينة المحمدية التي تضم عدد من المصانع، على صحة الأطفال المصابين بالربو والأكثر حساسية للتلوث، فتوصلت إلى أن ارتفاع نسبة ثاني أوكسيد الكبريت من 1 إلى 5,70% ميكروجرام بالمتر المكعب يؤدي إلى ارتفاع تردد نوبات الربو بنسبة 3,41% وارتفاع السعال الليلي بنسبة 9,53%، كما أن ارتفاع نسبة أول أكسيد الآزوت من 2 إلى 5,18 ميكروجرام بالمتر المكعب يؤدي إلى ارتفاع تردد نوبات الربو بنسبة 3,33% وارتفاع السعال الليلي بنسبة 9,32%، وارتفاع الإحراجات التنفسية بنسبة 6,14%، بالإضافة إلى ارتفاع الالتهابات التنفسية مع الحمى بنسبة 8,33%.
وحسب مجموعة من الأطباء المتخصصين في علاج الأمراض المتعلقة بالأمراض الجلدية فإن التلوث يتسبب في إصابة الأشخاص المعرضين لمختلف أنواع التلوث، لحساسية شديدة للجلد وحكة، ناهيك عن ما يحدثه التلوث من مضاعفات وخيمة على الكبد، بحيث يصاب بالتليف عند استفحال الوضع الصحي عند المصاب. وتشكل الأمراض المتنقلة عبر الماء أحد أهم المشاكل الصحية بالمغرب، فقد أظهرت الإحصاءات الصادرة عن وزارة الصحة حول الأمراض الوبائية وجود مستوطنات للأمراض الطفيلية، خاصة في بعض الجهات من العالم القروي كحمي التيفوئيد والبلهاريسيا والملاريا والتهاب الكبد الفيروسي.
العامل الأخطر
تثير قضية معالجة النفايات الطبية قلقاً متزايداً لدى المغاربة الذين يعتبرون أن سوء تدبير هذا الملف يهدد صحة السكان والمجال البيئي، وتحتوي النفايات الطبية على مواد خطيرة تتضمن حقنا ملوثة وأعضاء بشرية ومواد مشعة وأدوية انتهت صلاحيتها ومشارط ملوثة تستعمل في العمليات الجراحية، بالإضافة إلى مواد أخرى.
إلى ذلك، يقول شكيب الطيبي، باحث في مجال البيئة: إن «النفايات الطبية تنقسم إلى قسمين ملوثة وغير ملوثة، فالنفايات الملوثة تتعلق بالأمور العضوية كالأعضاء البشرية، وكل شيء عضوي هو ملوث، لأنه يولد الكثير من الجراثيم التي تفتك بالإنسان، وحتى مختبرات فحص الدم فإنها تحتوي على نفايات ملوثة، ومن النفايات الملوثة الحقن والمشارط المستعملة في العمليات الجراحية فهذه الأخيرة هي ناقلة للتلوث، وتتطلب معالجتها والتخلص منها. أما النفايات غير الملوثة في المستشفيات فتتعلق بكل شيء له صلة بالطعام وملابس المريض والثياب وأغطية الأسرة».
ويضيف: «بحسب إحصاءات رسمية فإن المغرب ينتج 38 ألف طن سنوياً من النفايات الطبية من بينها 12 ألف طن تصنف في عداد النفايات الخطيرة، ويؤكد أن هذا النوع من النفايات أضحى أكثر تعقيدا على مستوى المعالجة لاحتوائه على مواد غير قابلة للتفتت بيولوجيا مثل الأكياس البلاستيكية، إلى جانب التحديات التي يطرحها تدبير هذه النفايات وآثارها السلبية على السكان والبيئة».
وعن الأثر التي تحدثه معالجة النفايات الطبية على البيئة، يقول الباحث «محارق النفايات الطبية تشكل خطراً حقيقياً بسبب الغازات الناتجة عن إحراق نفايات متعددة الأنواع وتشمل المنبعثة من المعادن الثقيلة كالزئبق والرصاص والزرنيخ والكادميوم والزنك وأول أكسيد الكربون وأكاسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين وكذلك تشمل الجراثيم والفيروسات».
ويشير إلى أن الحرق ليس الوسيلة الأجدى في معالجة النفايات الطبية الخطرة، لأن نتائجه خطيرة على صحة أفراد المجتمع. والديوكسين هو من أخطر نتائج عمليات حرق النفايات الطبية، حيث إنها تعد نفايات سامة بحتة تتكون عند حرق النفايات التي تشكل نسبة كبيرة من نفايات المستشفيات.
ويضيف أن عملية التخلص من النفايات الطبية الملوثة في المستشفيات تتم من خلال رميها أو حرقها في أفران خاصة، ولكن هذه الأفران بدائية وليست مجهزة بمصفات، الشيء الذي يتسبب في انبعاث الغازات السامة ومنها غاز الديوكسين، الذي يتسبب بسرطان الكبد والرئة والمعدة والأنسجة الرقيقة، ويؤثر في ذكاء واستيعاب الأطفال ويؤدي إلي إصابتهم بأمراض نفسية وعصبية خطيرة. ويعتبر أن التخلص من نفايات المستشفيات بالحرق في الهواء الطلق أو الطمر في مكبات عشوائية أو التخلص منها في الطبيعة أو في مطارح النفايات، مضر جداً بالبيئة، فالطمر من دون اللجوء لمعالجة أولية خطر جداً لأن احتمال تلوث التربة وتسرب السائل السام الصادر عن الطمر إلى خزانات المياه الجوفية كبير. ويوضح الطيبي أن أفضل طريقة للتخلص من النفايات الطبية هي حرقها في أفران مجهزة وطحن النفايات الملوثة ثم حرقها أو تعقيمها على طريقة البخار.
النقاط السوداء

ينتج المغرب نحو 800 ألف طن من النفايات الصناعية في السنة، 63% منها تنتج عن الصناعات الزراعية، وتزايدت خطورة التلوث البيئي نتيجة توسيع الصناعة الكيماوية المعدنية القائمة على تحويل الفوسفاط المحلي والكبريت إلى حامض فوسفوري وتحويله إلى أسمدة، وأيضا نتيجة لعدم توفر التجهيزات الأساسية للتطهير في بعض المناطق، وعدم التحكم في مياه الصرف الصحي. ويحذر مختصون من تفاقم مشكلة النفايات الصلبة بفعل التطور المستمر في تعداد السكان من جهة وتطور نظم الإنتاج والاستهلاك من جهة أخرى، كما نبه باحثون إلى أن القوانين التي تهم التطهير والتخلص من النفايات أصبح معظمها متجاوزاً، بل لم يعد يساير التحولات التي شهدتها البيئة والتطورات الجديدة، الشيء الذي انعكس سلباً على صحة المواطن والموارد الطبيعية.
وتتسبب النقاط السوداء للنفايات المتواجدة بالمدن والتي أصبح أغلبها غير قادرة على استيعاب المزيد من النفايات في إحداث وضع بيئي خطير، أما الموارد المائية فتتعرض بدورها لتلوث حاد بسبب تفريغ المقذوفات الصناعية والمنزلية دون معالجة مسبقة.
وبسبب الاستعمال المكثف للمبيدات والأسمدة ومطارح النفايات، التي غالباً ما تتركز على ضفاف المجاري المائية، كل هذه العوامل تؤدي إلى تدهور جودة المياه السطحية والجوفية ما ينعكس سلباً على صحة الإنسان عند استعماله لمياه الشرب من دون معالجة أو السقي بمياه الآبار في الفلاحة أو عند الاستحمام في مجاري مياه ملوثة.

اقرأ أيضا