الاتحاد

الملحق الثقافي

سنة برأسين!

إلى أصدقائي الذين تَباركْنا معهم سنتنا مرتين نطل في تقويم الأيام والآلام برهة.. حاملين عبء سنة تقضت بفجائعها ومفاجآتها.. امتدت خطواتنا في الغربة القريبة بين القُرباء، عابرين بحورا وقارات لنلوذ بما نحسب أنه أمان بين الغرباء.. سنة تقضت فشهدنا لها رأسين بحكم التوقيت الذي يجسد البعد بتلك الساعات الفارقة بيننا ومن نحب: ننام وهم جلوس، وننهض وهم نيام؛ فصار لسنتنا رأسان، واحد هناك شاركنا فيه الذين فارقونا وحلت سنتهم، ثم بعد ساعات تسع دارت سنتنا لتدخلنا دورة حياة جديدة؛ فعشنا قدومها مرتين، كأنما لتضاعف الشجن: على من فقدنا وطواهم الغيب أو بعدوا؛ فصار لقاؤهم حلما وذكراهم مبعث ندم وحزن، أمكنة حميمة صارت صورا تنتزع الدمع من العيون، كلما برقت على شاشة باردة أو ومضت في حلم كالكابوس..
رأسان لسنة واحدة كأنما أفعى برأسين تلسع موضع الجرح من قلوبنا.. تلك الأفعى التي تتحدث عنها الحكايات الشعبية وتبتكر العشب الذي ينفّرها ويبعدها عن البشر، وتصورها المنحوتات والجداريات والرقم في وادي الرافدين من خلال عداء مستحكم بين العراقي والأفعى: لكأنه يثأر منها؛ لأنها لم تكتفِ بالتسبب في خسران آدم جنته وسلامه ونزوله إلى الأرض بعد مكيدتها ومكرها ونصيحتها بتذوق الشجرة المحرمة وإهدائها شقاء المعرفة للبشر، ثم عادت في المتن الملحمي المدهش والخالد: جلجامش لتقوم بنهب عشبة الخلود التي عانى جلجامش الصعاب وغاص في بحور العالم السفلي ليحصل عليها مكافأة من جده أوتونبشتم فجاءت لتسرقها وهو نائم على ضفاف بركة.
تصف الملحمة ذلك الحدث بإيجاز ذي دلالة:
"نزل فيها واستحم بمائها، فتشممت أفعى رائحة النبتة. تسللت خارجة من الماء وخطفتها. وفيما هي عائدة، تجدد جلدها. وهنا جلس جلجامش وبكى. فاضت دموعه على خديه. لمن بذلت دماء قلبي؟ لم أجن لنفسي نعمة ما، بل لحية لها التراب جنيت النعمة. بعد حملي لها المسافات، جاء من خطفها".
هكذا ندب جلجامش فقدان حلمه وأمله بشيء يعيد الشباب ويرجع الشيخ صبيا كما تقول الملحمة التي وصفت النائم لكي تبرر غفلته بالقول "النائم للميت توأم"..
إلى أين مضت بنا سنتنا برأسيها وكيف سننجو من سمها المضاعف؟ لقد حسب الإنسان أنه يقضي على الزمن لكن الزمن هو الذي يقرضنا كفأر السد فلا نحس بخطاه على جثث أحلامنا وكِسِر آمالنا وشظايا أرواحنا.. أرواحنا التي كي تهرب من عسف الزمن وقسوته تمضي لتتلهى بتزيين الظلام ضياءً، شهدتْ عيناي من عجائبه ليلة الرأسين ما جعل البصر ينبهر لحظة، ثم يتوقف ليتأمل دلالة تحويل الحجرعناقيد ضوء مفتعل، والساحات فضاء شجرضوئي والماء نافورات لون، فتحسبهم هنا يشترون الضوء ويضعونه علامة لفرح زائف.
لأمرٍ ما - أفكر مخترقا الحشد لأنظر لسماء بعيدة بلا أضواء أو أشجار ميلاد خشنة الأوراق - هجر السياب حياتنا ليلة ميلاد رمزه ونموذجه. ترك كل شيء ونام في سلام متوسدا أعباء (ناء الفؤاد بها) كما يقول.

اقرأ أيضا