الاتحاد

تقارير

أكثر من هايتي واحدة

عبدالوهاب بدرخان
كاتب ومحلل سياسي - لندن



الزلزال لم يدمر هايتي، بل بدا أنه تمتع بتدميرها، على النحو الذي ذكّرها بأي مزاج "ما قبل إنساني" كان جنرالات الاستعمار الفرنسي يعذبون أهلها. الزلزال كشف بلداً راكم إلى الفقر والفساد والعنف الكثير المزمن من السأم واليأس والنقمة، حتى كأن هذه ثروته الوطنية الوحيدة، ولم يعرف كيف يستثمرها. الزلزال يبعث إلينا برسالة خطيرة: هناك في العالم أكثر من هايتي واحدة.
فجأة، للمناسبة، وجد العالم نفسه مستعيداً تاريخ هذا البلد الذي اندثر لتوِّه توكيداً لواقع أنه لم يكن موجوداً إلا بالاسم، لكنه كان دائماً مجرد بؤرة يعتمل فيها البؤس والبائسون. تاريخياً تعتبر هايتي أول جمهورية سوداء، وأين؟ في الكاريبي على بعد إغماضة عين عن الولايات المتحدة. لذلك لم يجد القس الأميركي بات روبرتسون، وهو يواسيها، سوى القول إنها استحقت الكارثة لأنها ثارت قبل مائتي عام على مستعمرها الأبيض لتحصل على الاستقلال. ومثل هذا الكلام "الغبي"، كما وصفه البيت الأبيض، ربما كان موجهاً إلى الرئيس الأسود الذي تعامل مع الزلزال كأنه نكبة وطنية، لكن المساعدات تأخرت، تحديداً لأن واشنطن أدركت أن عليها أن ترسل أيضاً بضعة آلاف شخص كقوة أمنية.
الكوارث تقع خلال دقائق، المساعدات تتطلب ساعات، طويلة أحياناً، وفي العادة تحاول البلدان المنكوبة أن تتدبر في الساعات الأولى بما تختزنه من غذاء ودواء، أما هايتي فتعاني أساساً نقصاً في كل أساسيات العيش. غوردون براون كتب أن هايتي تذكير بفقراء العالم الذين يمارسون، حيث هم، حياة هشة لا تصمد أمام غضب الطبيعة. ونيكولا ساركوزي استبق كل نبش لماضي الاستعمار الفرنسي في هايتي، داعياً إلى مؤتمر دولي حول مستقبل هذا البلد الذي بات نموذجاً صارخاً لدولة فاشلة وشعب فاشل.
من الاستعمار إلى الديكتاتورية إلى الفوضى، وصولاً إلى الأعاصير والفيضانات ثم الزلزال، أخيراً تبدو الفرصة مواتية لإعادة اختراع الدولة التي كانت موجودة شكلاً حتى الخامسة بعد ظهر الثلاثاء الماضي، لكن إعادة اختراعها من أجل ماذا؟ هذا ما يبدو أنه السؤال الذي طرح في اللحظة نفسها حين كان المعنيون يأمرون بإرسال المساعدات، فالمسألة في حالة هايتي تتخطى البعد الإنساني البحت. فهذا بلد أعطى أكثر من إشارة في العقود الأخيرة، وبإصرار مفزع، إلى أنه لا يريد أن يخرج من التدمير الذاتي الذي امتهنه. فلا ديكاتوريته أفلحت في بناء اقتصاد ولو على جثث قتلاها، ولا ديمقراطيته أنعشت الحريات على حساب الرفاه، والمليارات التي قدمها الخارج للتنمية تبخرت بمعظمها في كواليس الفساد.
ماذا عن المستقبل؟ طالما أن هايتي واقعة في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، فإن أحداً لا يرى مصلحة في الاقتراب منها. هايتي قبل الزلزال وبعده باقية مشكلة دولية قد تكون أكثر استعصاء من أفغانستان. كانت مشاكلها تطلبت أن تنتدب الأمم المتحدة إليها أكثر من سبعة آلاف جندي وبشكل دائم. الوضع الآن يتطلب أكثر، بل يحتاج إلى من يتبرع للرعاية، تماماً كمن يدعى إلى استثمار معروف سلفاً أنه خاسر. تبدو هايتي كأنها دولة لا لزوم لها، لكن ما العمل بتسعة ملايين إنسان فيها لم تتح لهم الجغرافيا ولا التاريخ ولا الطبيعة إلا فرصاً قصيرة ومتقطعة ليبرهنوا على أنهم قادرون على صنع مصيرهم.
قد يطرح أي مؤتمر دولي إمكان الشراكة في الإعمار والتنمية، لكن الولايات المتحدة ستنظر أكثر إلى البعد الأمني، وبذهنية "الحرب على الإرهاب"، لأن ما بعد الزلزال قد يجعل من بؤرة البؤس هذه بيئة مصدرة للعنف المنظم. قد يكون الوقت حان إذن لحسم الأمر، هايتي تكون قاعدة أميركية دائمة أو لا تكون.
هذا الزلزال يعلمنا الكثير، وبالأخص أن هناك نماذج هايتية عديدة في العالم ولا داعي لانتظار زلازل كي تفضحها. هايتي سقطت ضحية الإهمال واللامسؤولية، القسريين أو المنهجيين، فتركت بلا بنى فوقية أو تحتية، وبقيت رغم ما فيها من عمران بلداً تتنافس دول وشركات وبنوك وحكام أجانب ومحليون على نهبه وامتصاص دمه. وأي مراجعة تاريخية لسيرة هايتي والهايتيات الأخرى ستظهر أن الفساد ونقص التنمية البشرية وترك الجشع من جهة والفقر من جهة أخرى يفتكان بالأرض والبيئة، تجعل من أي زلزال كارثة مضاعفة

اقرأ أيضا