الاتحاد

الملحق الثقافي

تحولات الشارع العربي...

نظمت إدارة المسرح بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة مؤخرا “ملتقى المسرح العربي” الذي ضم نخبة من النقاد والمهتمين بالشأن المسرحي في الإمارات والدول العربية، وحملت الدورة التاسعة من الملتقى عنوان: “المسرح والتغيير” لاستنباط وفهم وتحليل التغيرات السوسيولوجية الكبيرة التي طرأت على معظم البلدان العربية بعد الثورات المتلاحقة فيها، وبعد التبدلات الملحوظة في منظومة القيم المؤسساتية المنضوية تحت مظلة الثقافة والفنون، حيث أزاحت هذه الثورات ــ ولو على المستوى الافتراضي ــ العديد من حواجز الخوف والذعر من هيمنة الرقابة المسبقة على حرية التعبير الفني، وخصوصا في مجال المسرح الذي يملك آليات وطرائق أكثر قربا وتماسا وحيوية مع الجمهور ومع ذوقه وتوجهه المشتبك براهن الأحداث وبحرارتها وأحلامها المتدفقة إلى أرض المستقبل.

حسب مدونة الملتقى فإن المتتبع لخارطة مساراته يلاحظ حرص الملتقى على أن يكون مكاناً رحباً لاستقبال الفاعلين في الساحة المسرحية العربية، على اختلاف توجهاتهم ومرجعياتهم الفكرية والفنية من أجل التفاكر والتشاور في شؤون وشجون وطموحات هذا المسرح الذي تتفاوت مستوياته، وبشدة أحيانا، حسب ظروف نشأته وقيمته وتأثيره بين بلد عربي وآخر، وبين مغرب مليء بالحيوية والانفتاح، ومشرق مبتلى بمزاج المؤسسة و الأنماط الديكورية المتخشبة والنمطية في المناسبات والمهرجانات المسرحية المختلفة.
أسئلة الحاضر
وفي هذا السياق يحاول ملتقى الشارقة، أن يبحث ولو نظريا في أصداء وانعكاسات وثمار التغيير العربي، كما أنه يأمل ومن خلال نوايا متحمسة وحثيثة أن يجعل الساحة المسرحية العربية وبكافة أطيافها واتجاهاتها أكثر حضورا وتفاعلا وتماسا مع نبض المكان الذي بات فائرا ومحتشدا بالأسئلة والتحديات التي تضع المسرح في صلب هذا الهياج المعرفي الجديد، وفي قلب العاصفة التي خلقت صدمتها الحضارية المفاجئة، ومازالت تنجب صدمات وإشراقات وانتباهات لم تخطر على بال الفنان العربي المشتغل والمنشغل بالمسرح، وبما يمكن أن يقدمه من فعل مواز ومجاور وملاصق للتغيرات الباهرة من حوله والتي يمكن أن تخلق محفزات جديدة وجريئة فيما يخص الذهاب عميقا وبعيدا في المغامرة المسرحية.
استلهم الملتقى شعاره في الدورة التاسعة وهو: “المسرح والتغيير”، من الكلمة التي ألقاها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في حفلة التكريم التي أقامتها الهيئة الدولية للمسرح لسموه في مدينة شيامين بالصين في شهر سبتمبر الماضي حين قال: “نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى مسرح جديد، يساهم مساهمة فعاّلة في خلق (أنسية جديدة) تحل محل الأنسية الحالية التي أصابها الوهن، نحن بحاجة لمسرح يضع الإنسان في صلب شواغل حكام العالم بأجمعه”.
وهي كلمة سوف تفتح دون شك كوة للضوء في الستارة السوداء والغليظة التي هيمنت على الفكر المحاصر، والإبداع المقيد، لمسرحيين عرب كثر ما زالوا بانتظار ربيعهم المسرحي وسط خريف ثقيل ومتراكم و شتاءات موحشة وداكنة امتد زمانها وخرابها على مدى عقود طويلة.
وتحت مسمى: “مسرح يغيّر ويتغيّر” أفصح الملتقى عن رؤيته من خلال الإشارة إلى أن ظهور المسرح إبّان القرن الماضي في العديد من البلدان العربية، كان علامة على تغيير ثقافي واجتماعي وسياسي، استشرافا لتغييرات أكبر، حيث أن مراجعة سريعة للذاكرة المسرحية في تلك البدايات تبين أن أبا الفنون ظل مرتبطا بالمجتمع، يؤثر ويتأثر به، فالمسرح كان له دور واضح في مقاومة المستعمر، وكان أداة للتحرير والتنوير، كما كان دعامة أساسية في بناء ركائز الدولة الوطنية، ولاحقا ــ وكما يشير بيان الملتقى ــ كان للمسرح حضوره الحيوي في الحراك المجتمعي الهادف إلى تعزيز أسباب الاستقرار والتطور والتقدم، كما كان مساهما في تغييرات عديدة شهدتها مجتمعاتنا العربية، وذلك عندما استدل المسرح على ذاته، واشتبك مع التحولات الاجتماعية، فشهد تغييرات واضحة في شكله ومضمونه وفي أساليب إنتاجه وفي ظروف ممارسته.
المسرح وأفق التحولات
الملتقى، وعطفاً على ما يشهده الفضاء العربي من تغيرات في الوقت الراهن، اختار ثلاثة محاور رئيسية للبحوث والأوراق والقراءات التي قدمها نخبة من النقاد المسرحيين العرب، وهذه المحاور هي: علاقة المسرح بالربيع العربي، والمسرح العربي وتغير المجتمع، وأخيرا: شهادات وتجارب حول تغيرات المسرح العربي.
ففي ورقة بعنوان: “لو تغير المجتمع، هل يتغير المسرح؟” يشير الباحث المسرحي السوري ماهر صليبي إلى أن التغير المجتمعي سيؤدي لتغير حتمي في المسرح، لأن المسرح يمكن اعتباره مفصلا أساسيا في رحلة الإنسان مع التغيير بكل وجوهه، فهو يقدم خيارات جديدة للمستقبل، ويبرز هذا الدور ــ كما يؤكد صليبي ــ من خلال اتجاهين متباينين إلى حد ما، فالمسرح إما أن يكون مبادرا للتغيير ومساعدا في هذا السياق، أو أن يكون نتيجة من نتائج هذا التغيير حيث يزدهر ويتألق، وضرب صليبي مثلاً مقارباً لهذا الطرح عندما أشار إلى أن الثورة الفرنسية التي قامت في العام 1789 اتخذت من المسرح وقودها الذي أزال النظام الملكي وحقق الحرية والديمقراطية في فرنسا.
وضرب صليبي مثلاً آخر معاصراً وقريباً لما يمكن أن يحققه المسرح الثوري، واستشهد بميدان التحرير الذي أشعل ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، مشيراً إلى أن الميدان أفرز نموذجا خاصاً ومختلفاً لمسرح التغيير، حيث بثت المحطات الفضائية مجموعة من المسرحيات القصيرة الساخرة التي صيغت بعفوية فنية وتلقائية أدائية ما صنع دافعاً ووقوداً داخلياً للشباب الثائرين والخارجين من قلب ميدان التحرير.
أما الباحثة المصرية رشا عبد المنعم فتحدثت خلال الملتقى عن حركة المسرح المستقل في مصر ودوره في مسارات التغيير، مشيرة إلى فترة الثمانينات في مصر شهدت ظهور تيار مسرحي مستقل خلخل المنظومة المسرحية وطرح نفسه كبديل عن مسرح الموظفين التابع للدولة، وهو المسرح الذي ازداد ازدهاره في أوائل التسعينات، وأوضحت الباحثة أن ولادة المسرح المستقل في مصر كان بمثابة احتجاج فني واعتراض فكري على آليات الإنتاج المتبعة والتي حولت الفنان إلى مجرد موظف، وحولت العمل الفني إلى عملية إدارية تصادر حرية الفنان وتحجب فكره بدعوى الانصياع لخطاب المؤسسة، وأوضحت الباحثة أن معظم فرق هذا التيار المستقل خرجت من مسرح الجامعة ومن معطف المهرجان الأول للمسرح الحر الذي أقيم في العام 1990 والذي ساهم في ولادة مجموعة من الفرق التي لم يستوعبها مسرح الدولة ومسرح القطاع الخاص، سواء لأن المنضوين لهذه الفرق كانوا حملة رؤى فكرية جريئة، أو لأنهم أرادوا الإفلات من قيود الرقابة التي عادة ما يخفت حضورها ويتلاشى شبحها في المهرجانات الدولية التي تقام في مصر.
النظرية الغائبة
أما الباحث الجزائري الدكتور حميد علاوي فأشار خلال الملتقى إلى أن المسرح العربي سيكون شريكا فاعلا وصريحا في أفق التغيير وفضاء التحولات التي أضافت بعدا زاهيا وملونا للشارع العربي، وذكر علاوي أن المسرح يعد فنا ملتصقا أشد الالتصاق بالإنسان، ومهتما كل الاهتمام بقضاياه الاجتماعية والإنسانية، فالمسرحية الجيدة ــ كما أوضح علاوي ــ لا جنسية لها ولا حدود لتأثيرها، بل يجد كل إنسان أنها تعبر عنه كل التعبير وتشير إلى واقعه بإلحاح، فتمس جوانب من حياته وتشخص مشكلاته، وقد تدفعه إلى إيجاد الحلول المناسبة للمعضلات القائمة.
وعرّج علاوي على علاقة المسرح بالثورة الجزائرية، حيث واجه هذا المسرح المنع والقمع من سلطات الاحتلال الفرنسي وتعرض المسرحيون الجزائريون للاضطهاد، فمنعت السلطات الفرنسية في العام 1843 عروض (القراقوز) لأنها كانت تدين الاحتلال، كما أوقفت السلطات الاستعمارية الكثير من العروض التي تعالج قضايا سياسية، ولذلك ــ وكما ذكر الباحث ــ كان مسرح الأربعينات وما قبله في الجزائر مهتما أكثر بالقضايا التربوية والإصلاح الاجتماعي وكان هدفه تحضير الأذهان والنفوس لخوض الثورة.
واختتم علاوي ورقته بالإشارة إلى ضرورة استغلال المسرحي العربي للحرية الواعدة والمنتظرة ليبدع أعمالا جديدة تتأسس في ضوئها النظرية المسرحية العربية الغائبة، وهي النظرية التي يمكن لها أن تثري منظومة النظريات والتجارب المسرحية السابقة والتقليدية، وحينها فقط ــ كما أكد علاوي ــ: “يكون لنا وجود على تضاريس الكون المسرحي، بعد أن عشنا لفترات طويلة ونحن نقتات من موائد الغرب الذي نريد مجابهته دون أن نمتلك أدنى شروط الندية، ونفتقر إلى أبسط مستلزمات المواجهة”.

اقرأ أيضا