الاتحاد

تقارير

الاستراتيجية الأفغانية... رؤى أميركية متضاربة

دويل ماكمانوس
محلل سياسي أميركي


عندما أعلن أوباما عن استراتيجية جديدة لأفغانستان الشهر الماضي، كان من المفترض أن ينهي قرارُه النقاشَ المحتدم داخل إدارته حول كيفية خوض الحرب، ولكن ذلك لم يحدث، صحيح أن أوباما حسم مسألة عدد الجنود الذين سترسلهم الولايات المتحدة إلى تلك الساحة هذا العام -30 ألفاً- ولكن النقاش حول كل المواضيع الأخرى تقريباً بين مدنيي البيت الأبيض والمخططين الاستراتيجيين في البنتاجون ما زال مستمراً بلا توقف. فأوباما يقول إنه سيشرع في سحب الجنود ابتداءً من يوليو 2011، في حين يقول وزير الدفاع روبرت جيتس إن خفض عديد الجنود سيكون متواضعاً ويمكن أن يؤجَّل. ويؤكد أوباما أننا لن ننخرط في عملية بناء دولة، في حين يقول الجنرال ديفيد بترايوس إن بناء الدولة أمر لا مناص منه. هذا في حين يعتبر نائب الرئيس "جو بايدن" أن الاستراتيجية المناسبة لا تقوم على محاربة حركة التمرد، في حين يشدد الجنرالات على أن ذلك تحديداً هو ما يقومون به. وحتى الجزء الأقل إثارة للجدل من مخطط أوباما -النشر السريع للقوات - طاله الغموض والجدل أيضاً؛ ذلك أن الهدف المتمثل في إرسال 30 ألف جندي جديد إلى منطقة الحرب قبل منتصف 2010 متأخر بشهرين، مما يثير استياء مساعدي أوباما، ولكن البنتاجون يقول إن المسألة ليست بالأمر الجلل لأن معظم القوات ستصل إلى أفغانستان بحلول يوليو المقبل.
وفي هذه الأثناء، يشدد مسؤولو الإدارة على أن الأمر لا يتعلق هنا بارتباك، وإنما باختلافات في وجهات النظر، ليس إلا، وعن ذلك يقول أحد مسؤولي البيت الأبيض: "ليست مفاجأة أن تكون لدى الناس آراء مختلفة بشأن هذه السياسة؛ وأعتقد أن الجميع على توافق".
ولكن الأمر لا يبدو كذلك؛ فاستمرار الخلافات قد يعني متاعب بالنسبة للرئيس ولمساعديه المدنيين والجيش حتى قبل أن يقوموا بالمراجعة الرسمية الأولى لمعرفة ما إن كان المخطط ناجحاً في نهاية هذا العام. ذلك أنه إذا استمر المسؤولون المدنيون والضباط العسكريون في وصف الاستراتيجية على نحو متنافر، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى ارتباك للموقف بين الولايات المتحدة وقوات التحالف التي من المفترض. كما أنه إذا كان لدى القيادة العسكرية والبيت الأبيض خلاف أكثر جوهرية حول ما يأملان تحقيقه، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى صدام مدني- عسكري خطير حين لا يكون ثمة بد من اتخاذ قرارات حاسمة.
وقد انصبت أحدث جولة من النقاش حول وتيرة إرسال البنتاجون لمزيد من الجنود المحاربين. ففي الشهر الماضي، أعلن أوباما أن الجنود سيكونون في أفغانستان بحلول منتصف هذا العام. ويؤكد مساعدو أوباما أن المؤشر على أن الرئيس جاد بخصوص تنفيذ المهمة بسرعة هو حالة الاستنفار التي أعلنت في البيت الأبيض حين أعلن المخططون العسكريون أنهم لا يستطيعون احترام الموعد المحدد. فهل كان البنتاجون يساند الرئيس في العلن ويقاوم أوامره في السر؟ الواقع أن التفاصيل ليست مهمة أهمية الازدياد الممكن في انعدام الثقة بين رجال الرئيس والقيادة العسكرية.
ويقول الجانبان إن الجدال قد حُسم الآن، ولكنه لا يمثل سوى لمحة بشأن النقاش القادم حول متى يمكن بدء الانسحاب الأميركي.
نظرياً، كان ينبغي أن يعلق قرارُ أوباما هذه المسألة لـ12 شهراً. فقد منح الرئيسُ جنرالاته عاماً ليرى ما يستطيعون فعله بمزيد من القوات -ولكنه بنى لنفسه أيضاً منفذاً في حال لم يُنتج القتال هذا العام تقدماً ملموساً، والجنرالات يعلمون ذلك. ولهذا فإن موضوع النقاش المقبل سيكون ربما هو الكيفية التي سيحدد بها الجنرال ستانلي ماكريستال، قائد القوات الأميركية وقوات التحالف في أفغانستان، مهمته بشكل عام وأين سيقرر تركيز قواته؟
في هذه الأثناء، يحاول مسؤولو البيت الأبيض، بدءاً بأوباما وبايدن، سحب مصطلحات طموحة مثل "هزيمة طالبان" و"محاربة التمرد" من قاموس الجيش. وهدفهم في ذلك سياسي في جزء منه -وهو طمأنة "الديمقراطيين" القلقين بأن أوباما لا ينوي البقاء في أفغانستان إلى ما لا نهاية. ولكن الجنرالات يعارضون لاعتبارات عملية: ذلك أنه بدون هذه المصطلحات، لا يمكنهم شرح وتوضيح المهمة لجنودهم.
على أن ثمة اختباراً آخر في الطريق حين يسعى ماكريستال إلى الحصول على الموافقة على حملة كبيرة في وادي هلمند، وهو أحد معاقل "طالبان" غرب قندهار، التي تعد ثاني أكبر مدينة في أفغانستان. فبعض المسؤولين في الجيش يؤيدون شن هجوم في هلمند كـ"مشروع تجريبي" - لإظهار أن مخطط ماكريستال قابل للنجاح، تماماً مثلما قوى النجاح العسكري في محافظة الأنبار العراقية في 2007 الثقة في تلك الحرب. وتذهب الحجة إلى أنه إذا كانت القوات الأميركية تستطيع هزيمة "طالبان" في هلمند، فإن ماكريستال سيكون قادراً على أن يؤكد (في المراجعة المرتقبة في أواخر 2010) أن مخططه بصدد النجاح.
غير أنه يتعين على ماكريستال أيضاً أن يُقنع البيت الأبيض بالفكرة أولا. فأوباما وافق على استراتيجية تركز على حماية المراكز السكانية في البلاد، والحال أن هلمند ريفية في معظمها. ومن وجهة نظر الجيش، فإن هزيمة "طالبان" في هلمند هي السبيل إلى اقتلاعها من قندهار. ولكن حملة عسكرية كبيرة في وادٍ ريفي قد تبدو بالنسبة للمتشككين كعملية مفرطة في الطموح لمحاربة التمرد.
إن النقاش حول أهداف الحرب واستراتيجيتها شيء جيد بالطبع؛ ولكن السبب الذي جعل أوباما يضع نفسه والبلاد وسط كل هذا الجدال العام الماضي هو حشد إجماع حول مخطط معقول. والآن وقد حصل على مخطط من هذا القبيل، يتعين عليه أن يرى ما إن كان يستطيع إقناع مساعديه بالموافقة على ما يعنيه هذا المخطط -ومنح ماكريستال فرصة لإنجاحه بدون التشويش عليه بالتصريحات المنتقِدة والمثبِّطة.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«م. سي. تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا