الاتحاد

الملحق الثقافي

«عايدة»... الأوبرا تتجه شرقاً

ربما كان كافيا للتعريف بجيوزيبي فورتونينو فيردي أن يقال إنه مؤلف اوبرا «عايدة». ورغم انه ألف بين العامين 1836 و1893 ثمانية وثلاثين عملا أوبراليا، تبقى هذه الأوبرا، التي أنجزها في 1871، أهم هذه الأعمال على الإطلاق.
وكانت محصلة هذا العمل مزدوجة، إذ أنه فتح، بفضل جودته العالية، نافذة للجمهور الغربي تطل على ما اعتبره «سحر الشرق» وإن كان فرعونيا في هذه الحالة. ومن الجهة الأخرى فقد قدم للشرقيين أنفسهم قطعة من تاريخهم بتأويل موسيقي غربي، وهكذا فتح لهم أيضا نافذة تطل على «سحر الأوبرا الغربية».

ألّف فيردي هذه الأوبرا بتكليف من خديوي مصر، إسماعيل باشا، الذي تمنى عليه، عندما التقيا في باريس، أن تكون جاهزة للعرض في يناير (كانون الثاني) 1871، ومنحه مقابل كتابتها 150 ألف فرنك. لكن عرضها تأجل بسبب الحرب الفرنسية – البروسية.
ويقول عدد كبير من المؤرخين الموسيقيين الآن إن من غير الصحيح الاعتقاد السائد القائل إن فيردي ألفها احتفالا بافتتاح قناة السويس، أو لمناسبة افتتاح دار الأوبرا المصرية. ويشيرون في هذا الصدد الى أن الدار افتتحت بعمل آخر (وإن كان لفيردي أيضاً) وهو «ريغوليتو». ويذكر في هذا الصدد أن فيردي نفسه لم يحضر عرض اوبراه «عايدة» في القاهرة.
على أية حال، الثابت هو أن هذه الأوبرا أصابت نجاحا مدويا عندما عرضت أول مرة في ديسمبر (كانون الثاني) 1871 وتبقى إلى اليوم أحد أكثر الأعمال الأوبرالية شعبية في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية. وتقوم قصتها على التصادم بين الحب والولاء للوطن وتتخذ من مصر الفرعونية مسرحا لأحداثها.
تتألف رائعة فيردي من أربعة فصول كما يلي:
الفصل الأول
تقع عايدة، وهي ابنة ملك الحبشة أموناسرو، في الأسر وتباع جارية في مصر بدون أن يعلم أحد أنها أميرة. يقع القائد العسكري المصري راداميس في غرامها وتبادله هي الحب. تتعقد الأمور أكثر لأن امنيريس، ابنة فرعون، تهيم بحب راداميس لكنها لا تجد تجاوبا منه. يتضح لها أن امرأة أخرى استحوذت على قلبه وتشك في انها عايدة.
ملك الحبشة، اموناسرو، يتقدم على رأس جيشه نحو طيبة ابتغاء لتحرير ابنته من براثن الرق. يكلف فرعون راداميس بقيادة جيشه للتصدي للغزاة. وهكذا يجد هذا الأخير خياره الصعب بين ولائه لوطنه ومليكه وحبه لعايدة، مثلما تجد هي خيارها الصعب بين حبها له وولائها لوطنها وأبيها... أشبه ما يكونان هكذا بروميو وجولييت.
الفصل الثاني
رغم انتصار راداميس في معركته الأولى على الجيش الحبشي، تكذب امنيريس، ابنة فرعون، على عايدة فتخبرها أن راداميس قتل في تلك المعركة. الحزن الجارف يجبر عايدة على الاعتراف لامنيريس بحبها لراداميس... وتتوعد هذه الأخيرة بالثأر منها.
يعود راداميس مظفرا وبين أسراه اموناسرو نفسه. لا يعلم أحد سبب احتضان عايدة له. فرعون يعلن انه سيحقق أي رغبة يبديها راداميس الذي يرجو فرعون الامتناع عن قتل الأسرى.
يستجيب هذا الأخير ويضيف الى إعلانه أن يخلفه قائده العسكري هذا في العرش بعد أن يتزوج ابنته. يظل اموناسرو وعايدة في الأسر منعا لأن يثأر الجيش الحبشي لهزيمته.
الفصل الثالث
عايدة تلتقي براداميس أمام المعبد الذي سيشهد زواجه من امنيريس الليلة التالية ويعلن حبه لها مجددا. تقنعه عايدة بالهرب معها إلى الصحراء. يوافق هو ويقول إنه يعرف طريقا سالمة إلى الحبشة. يظهر أمامها اموناسرو الذي كان مختبئا وراء صخرة. في هذه اللحظة يراهم كبير الكهنة الذي خرج لتوه مع امينريس من المعبد. ينادي الحرس الفرعوني الذي يقبض على راداميس بتهمة لقائه بالعدو - رأس الحية ممثّلا في اموناسرو.
الفصل الرابع
يحكم كبير الكهنة على راداميس بأن يدفن حيا ولا تجدي توسلات امنيريس بأن يعفو عنه. يؤخذ المحكوم عليه الى قبره وهو غرفة تحت أرض المعبد. في قبره هذا يعلن مجددا حبه لعايدة ويتمنى أن تكون قد بلغت بلادها سالمة. لكنه يسمع صوتها ثم يراها إذ أنها كانت قد خبأت نفسها في الغرفة قبل ثلاثة أيام. تخبره أنها تفضل الموت معه على حريتها بدونه... ثم يلقيان بتحايا الوداع إلى العالم فوقهما.

فتحت «عايدة» نافذة للجمهور الغربي تطل على ما اعتبره «سحر الشرق» من جهة وفتحت للشرقيين نافذة على «سحر» الأوبرا الغربية من جهة ثانية

فيردي

ولد هذا المؤلف الإيطالي في 9 أو 10 أكتوبر (تشرين الأول) 1813 في رونكولي لأسرة من صغار ملاك الأراضي وكان أبوه صاحب منزل صغير. بدأ مشواره الموسيقي في سن السابعة مع آلة الأورغن في كنيسة محلية. ومع بلوغه السادسة عشرة كان قد كتب عددا من المؤلفات الكورالية. تزوج في الثالثة والعشرين من مارغريتا باريزي، ابنة معلمه وراعيه، وأنجبت له طفلين مات كلاهما في صغره. وماتت مارغريتا نفسها في منتصف الأربعينات، وهو ما أدى إلى زواجه الثاني من مغنية السوبرانو جيوزيبينا ستريبوني في 1859. العام 1839 شهد عرض أول أعماله الأوبرالية «اوبيرتو». ومنذ ذلك الحين إلى 1893 مضى ليؤلف 36 عملا آخر أهمها «ماكبيث» (1847) و«لا ترافياتا» (1853) و«عايدة» 1871 و«دون كارلوس» 1872 و«عطيل» 1887. ويعتبر فيردي، الذي عاش في الحقبة الكلاسيكية – الرومانسية، أحد أبرز مؤلفي الأوبرا الإيطاليين في القرن التاسع عشر. ومع انه انتج أعمالا أخرى، فقد كان تركيزه منصبا على الأوبرا بشكل خاص (على عكس برامز الذي لم يمسها البتة). وتميزت أعماله الأوبرالية بالميلودرامية والتركيز على البطولة والنفس المعذبة والتضحية بالذات. وإذا أضفت إلى هذا ان فيردي كان أيضا سياسيا صار عضوا برلمانيا ثم سناتورا، فهمت كيف انه ضرب بأعماله الموسيقية على وتر حساس في الوجدان الإيطالي الذي كان يرزح تحت نير الحروب والغزوات من هنا وهناك. ولهذا قيل إن قرابة 30 ألف شخص ساروا في جنازته لدى وفاته في 27 يناير 1901.

اقرأ أيضا