خيالات المتشددين المهيمنين على مقاليد الحكم في إيران محدودة، فهم يهددون بمتابعة عمليات التخصيب لامتلاك أسلحة نووية في أقرب وقت، أو ربما سيذهبون إلى التفاوض بعد أن ترك لهم ترامب الباب موارباً للتفاوض بشأن تعديلات على الاتفاق تمنعهم من امتلاك سلاح نووي وبشكل قاطع لا لبس فيه، وكذلك الحد من تطوير قدراتهم الصاروخية والتي تهدد جيرانهم، هذا على الجانب العسكري أما على الجانب السياسي فلا بد لهم من تغيير سياستهم التوسعية خارج حدودهم الجغرافية وإيقاف التدخل والتمدد نحو جوارهم العربي، والتي تمثل تهديداً مباشراً على الحلفاء في منطقة الخليج العربي، وكلاً من الأمرين يحتاج إلى جهد ووقت لتنفيذه، وهو أمر يتطلب تنازلات جوهرية في توجهاتهم الأيدلوجية، وهي نفسها التي تعطي النظام ديمومته حسب نهجهم. وربما لن تتنازل إيران ورغم كل المخاطر التي تواجهها وستستمر في سياستها التوسعية وتتابع مواصلة العمل في مفاعلاتها وعمليات التخصيب وهو أمر ليس ببعيد عن التعنت وقصر النظر الذي سيطغى على هذا المسار وسط هذه الظروف القياسية والخطيرة ، وهنا قد يتساءل البعض ربما يكون هذا هو الهدف الذي تبغيه أميركا ليكون سبباً مباشراً في دفع قوى إقليمية لامتلاك سلاح نووي وهو ما صرح به ولي العهد السعودي مؤخراً خلال زيارته لأميركا وقال إنه في الوقت الذي ستمتلك إيران سلاحاً نووياً سنسعى لمثل ذلك وفي أسرع وقت، وهو أمر منطقي لخلق توازن القوى في المنطقة، المملكة العربية السعودية كما نعلم تمتلك كل الإمكانات اللازمة لتحقيق مثل هذا الهدف، ربما يرى البعض هذا السيناريو ليس ببعيد عن عقلية التاجر المتجول التي يعالج بها ترامب سياسة بلاده الخارجية. ولكن هل ستقف إسرائيل أمام هذا السيناريو الذي يهدد وجودها من خلال تفردها النووي في المنطقة موقف المتفرج؟ وهل ستبادر إلى ضرب المفاعلات الإيرانية وكما صدعت رؤوسنا من خلال تهديداتها المتكررة طوال العقدين الماضيين؟ هنا لابد لنا من وقفة للتأمل الموقف، فالتكنولوجيا النووية الإيرانية هي تكنولوجيا روسية وبمساعدة كوريا الشمالية وربما الصين، فهل ستقف روسيا موقف المتفرج أمام رغبة أو محاولة إسرائيل تدميرها، وكما فعلت فرنسا في مفاعل تموز العراقي، لا بد أن نتذكر الموقف الفرنسي «المتفرج»، بل وربما المساعد لإسرائيل من خلال المعلومات والخرائط الفنية والجيوسياسية التي زودت بها إسرائيل لتسهل عليها عملية تدمير مفاعل تموز العراقي دون أدنى خسائر، ربما لن تقف روسيا مثل هذا الموقف! رغم تصريحات وزير خارجيتها لافروف أنها ستلتزم بالاتفاق مع إيران رغم الانسحاب الأميركي، ولكنه ربما موقف إعلامي دبلوماسي مراعاة للشريك الأول لها في سوريا، ولحين تتضح حقيقة الأمر على أرض الواقع، ولكنها وربما من خلال ضغط أميركي وعالمي أو من خلال تفاهمات معينة على واقع الحال في سوريا قد تعيد النظر في دعم إيران في هذا الملف وهو ما ستبينه الأحداث لاحقاً، وإن حصل ذلك فسيكون بضغط إسرائيلي بالدرجة الأولى، أمر آخر مهم وهو خروج كوريا الشمالية من المعادلة بعد الصلح التاريخي مع جارتها الجنوبية والعبور إلى حالة من التفاوض مع أميركا والغرب وبجهود صينية ومباركة روسية، وربما كان هذا من بين الأمور التي مهدت وسهلت على ترامب قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. الأمور متشابكة جداً وبشكل يزداد تعقيداً ولكن، إن لم تعمد إسرائيل إلى ضرب العمق الإيراني لتحقيق أهدافها المزعومة فان المنطقة ستتجنب المزيد من التصعيد من جانب إيران، ولكن تبقى كل الخيارات مفتوحة وربما نشهد الكثير من المفاجئات والتي أصبحت أمراً ليس غريباً وسط هذا الكم الهائل من الفوضى. مؤيد رشيد