الاتحاد

الملحق الثقافي

... وأنتم عنه في شُغُلِ

الشعر وينابيعه: الذكريات، الأحلام، المخيال وقدرة التصوير، الوعي واللاوعي، الشعور واللاشعور، والواقع بتجلياته كلها أيضاً، والأسئلة الفلسفية التي تحاول الإحاطة بهذه العناصر كلها، أسئلة ساطعة وإجابات غامضة. هذه هي بعض مصادر الشاعر ومرجعياته في الاشتغال على قصيدته، موضوعاً وأدوات فنية. فالشاعر فيلسوف ومجنون ومتمرد على السائد والثابت. يلجأ الشاعر إلى ذلك كله لبناء الذات، أو سعيا لتحديد هويتها وعلاقتها مع “أناها” ومع العالم من حوله، وربما رغبة في التسامي بهذه “الأنا” و”الأنا الأعلى” التي يطمح الشاعر للوصول إليها أو تخليقها عبر التجربة المعيشية والثقافية، واستنادا إلى الأخلاقيات الإنسانية السامية.
الغموض اللذيذ
وقلّما شذ شاعر عن هذه المفردات والمعطيات. من هذا الباب ندلف إلى قراءة لجوانب من تجربة الشاعر زهير أبو شايب في مجموعته الجديدة “ظل الليل”، مجموعة تأتي تتويجا لتجربة تنبني على قواعد وأسس حياتية وثقافية وعلم- نفسية معمقة. وتتنافس العناصر المعيشية والثقافية والنفسانية لتبني شخصية شعرية بهوية واضحة المعالم، رغم الكثير من “الغموض اللذيذ” الذي يجعل من القارئ غير موقن بالمعاني والدلالات. فقصيدة زهير هي ابنة النقاء والصفاء اللذين بلغتهما بعد ما يقارب ثلاثين عاما من الشعر، أنتج خلالها أربع مجموعات شعرية (وعمل مسرحي ومقالات تأملية)، كما أنها- القصيدة- ابنة وعي شقي وشراسة تذهب عميقا في مواجهة العالم.
والعالم في قصائد زهير محتشد بالعوالم والرموز والثنائيات والمتناقضات التي يصعب الإلمام بها. عوالم تتطلب تدخل قراءات نفسانية وروحانية وجسدانية (شهوانية سامية)، قراءات تستكشف العوالم الداخلية العميقة للشخص الذي يظهر في القصائد بوحا وتساؤلات وتأملات في كل شيء: في صور الأب والأم والمرأة والطبيعة القروية التي تتلبس روح الشاعر، تأملات في العلاقة بين الماضي والحاضر بالمعنى الجوهري لهذه العلاقة، حيث ماضي الشخص يلغي حاضره وقدرته على أن يكون:
لديّ ما يكفي من الماضي
لأنسى أن أكون
فذكرياتنا تشكل بالنسبة لحياتنا النفسية سلسلة مترابطة الأطراف تمتد من الماضي إلى الحاضر، ومن الأسئلة التي تثار هنا، عن أي شخص أو ذات يجري الحديث هنا؟ عن أي أنا؟ فحتى حين يجري الخطاب مع شخصية واقعية هي الجدة أو الأب، فإن هذا الخطاب يظل يمزج بين الذات و”أناها”، من خلال العلاقة مع الشخصيات الواقعية التي تجري “أسطرتها”، فهو يخاطب الجدة:
من أنتِ؟
“حلّفتُ قلبَكِ بي بظلِّ أبي
المفقودِ فيّ كأشهرٍ حُرُمِ”
هذا التشبيه البعيد في الشطر الشعري سنجد أنه سمة أساسية في قصيدة زهير، فما علاقة ظل الأب المفقود بابنه بالأشهر الحرم؟ إنه واحد من التشبيهات التي يخلقها زهير خالقا من خلالها تلك الغلالة من الغموض واستدعاء الأسئلة في القصيدة. ليست التشبيهات المجانية، بل هي التي تكشف عن حجم التناقضات بين الابن والأب ربما، وهو ما يفسره مقطع من الشعر الذي يعود إلى الطفل:
“وأنا هنا
في الطفل وهو يطل مرتبكا
على أحلامه
ويرى غياب أبيه فيهِ”. إنه غياب للأب لكنه ليس سوى ثقل الحضور في روح الطفل يستمر حتى الكهولة.
أكثر من نوستالجيا
الطفولة وملامحها جانب مما يشغل قصيدة زهير في صور كثيرا ما تذهب في اتجاه الغرابة والرغبة في الاختلاف من خلال رؤية جديدة، وغالبا ما ترتبط الطفولة مع صور الريف ومحتوياته، وخصوصا الشجرة والنبع، والزيتونة على وجه أخص، إنه ارتباط يظهر مدى التصاق الشخص/ الطفل والكهل بتلك البيئة:
“أمرّ، مثل النبع، من جسدي
إلى زيتونة ولدت معي”
فالزيتونة أخت وعمة، هي إنسانة يتعلق بها الإنسان لما تحمل من معاني البراءة في مواجهة البيئة القاسية التي ينتقل إليه الطفل فيجد روحه في حال الكهولة.
وفي حال قصائد أبو شايب، فالمسألة لا تقف عند النوستالجيا بما تعنيه من الحنين للماضي، إنها أيضا، وفي الأساس، حالة وجودية تخترق أعماق الوجود الإنساني والأسئلة الكونية الصعبة والغامضة في كثير من الأحيان، حتى أننا لا نميز بين سرد الذكريات شعريا ومعالجتها فكريا وفلسفيا. إنه بارع في نسج خيوط مؤامرته الشعرية التي تجمع الأشياء في إطار العلاقة بين المعيشي/ اليومي وبين الحياة بجوهرها الباهظ الثمن وجوديا، حيث الأشياء تشتبك عموديا وأفقيا، لتنتج أسئلة الوجود والعدم، وحيث الكائنات تائهة في الظلام: “كلهم في الظلام سواسيةٌ: ربما لا وجود لشيءٍ هنا”. وحيث الكائن موجود في اللاوجود، في الموت حتى وهو يخاطب امرأته “أنتِ أرملتي/ وأنا ميّتٌ منذ عشر نساء”.
وفي قصيدة زهير، تمتزج هذه الأسئلة ذات الطابع الوجودي، ولا أقول الوجودية البحت، مع أسئلة الوطن بدلالاته المتعددة، إنسانا وأرضا وتاريخا. فهو الشعر الذي يتكئ على شاعرية تمزج الخاص بالعام، والذات بالآخر. شاعرية قال عنها محمود درويش متسائلا في “جدارية” عن مصدر الشاعرية: “من أين تأتي الشاعرية؟/ من ذكاء القلب، أم من فطرة الإحساس بالمجهول؟/ أم من وردة حمراء في الصحراء؟/ لا الشخصي شخصي ولا الكوني كوني”. رؤية شاعرية، أو شعر رؤيوي، يرى التناقض بين شهيد يفترض أنه مضى وأحياء يموتون من الملل، فيقول في قصيدة “شهداء”: قالوا لنا: موتوا على مهل/ موتوا من النسيان والمللِ/ لا تذكرونا. نحن من زمن/ آتٍ وأنتم عنه في شُغُلِ.
شعريا، يقرأ زهير العالم القريب والبعيد، فعن قرب يرسم صور أصدقاء رحلوا وآخرين يرى أنهم على وشك الرحيل. يرسم تجوالات محمد القيسي، ويرسم صورة بسام حجار من خلال “كتاب الرمل” (إشارة إلى بورخيس غالبا)، ويأتي على صورة كاتب هذه الكلمات، من خلال قصيدة بعنوان “صاحبي” مهداة “إلى عمر شبانة”، القصيدة التي حدثت لي طرفة في قراءتها، فقد قرأتها من دون عنوانها، ثم من دون الإهداء، لكنني منذ السطور الأولى شعرت بحضوري في القصيدة. وخصوصا حين يسأل الشاعر صاحبه “فما الفرق بيني وبينك يا صاحبي/ غير أني سواكَ/ وما الفرق بين هزائمنا؟”، حيث القصيدة قراءة لشخص “الصاحب”، ويستطيع هذا الصاحب أن يرى نفسه في مرآة الشاعر وقصيدته، في قدرته على التقاط جوهر “الصاحب” الذي “يلتصق بالتراب”، وهمومه ومعاناته، بما يعكس هواجس الشعر في هذه القصيدة وغيرها من القصائد.
أسئلة كثيرة تطرحها مجموعة زهير بدءا من عنوانها “ظل الليل”، والتساؤل: أي ظل وأي ليل؟ من هو الظل ومن الليل؟ الشاعر هنا يجمع رؤى مركزها ذات مشظاة زمنيا ومكانيا، روحيا وعاطفيا ووجدانيا، وطنيا ووجوديا كونيا، ولا ينفصل في هذا الموضوعي عن الجمالي الذي يظهر في الصورة والتشبيه، في مستويات التفكير الشعري، والشعر المتكئ على الفكرة والحلم والرؤية. شعر يقول ذات الشاعر بشراسته ووضوحه، رغم الغموض الذي يغلف هذا الشعر الذي تصعب الإحاطة بتفاصيله. شعر لا يعرف الشاعر ما يريد ليكتبه: “ماذا أريد من امرأة/ أو سماء/ لأكتبَ شعرا”. وذات تبني نفسها باللغة، ولا أقول تبحث عن نفسها.

اقرأ أيضا