الاتحاد

تقارير

«وضع الحماية المؤقت»... بادرة أميركية تجاه هايتي

ماري سانشيز
محللة سياسية أميركية


يتمنى ذوو النوايا الحسنة لو أن الأمر لم يكن يتطلب كارثة طبيعية حتى يُرغم مسؤولي مصالح الهجرة الأميركية على تقديم بعض الإحسان لهايتي. ولكن الأوان قد فات بالنسبة لمثل هذه المشاعر الآن؛ فها نحن اليوم أمام آلاف الهايتيين الذين توفي بعضهم ويحتضر بعض آخر. وإلى حد تاريخ كتابة هذه السطور، ما زالت واشنطن مترددة في منح الـ30 ألف هايتي الذين يعيشون في الولايات المتحدة بدون وثائق قانونية الفرصةَ التي طالما مُنحت لمهاجرين من بلدان تعرضت لكوارث طبيعية، فرصة مساعدة بلدهم عبر البقاء في الولايات المتحدة والعمل فيها، وكسب مصادر رزق يستطيعون مساعدة ذويهم بإرسال الفائض منها إلى هناك، إلى جزيرتهم المنكوبة.
ومثل هذا الاستثناء يسمى عادة "وضع الحماية المؤقت"، وهو وسيلة أنشأها الكونجرس في 1990 وتم اللجوء إليها في عدة مناسبات منذ ذلك الوقت وحتى الآن. والفكرة بسيطة، إضافة إلى كونها معقولة، بل هي الشيء الصحيح أخلاقياً الذي ينبغي القيام به الآن على نحو عاجل، وذلك لأنه إذا تردى الوضع في البلد الأصلي لمهاجرٍ غير قانوني هنا في أميركا مثلما تحول حال هايتي الآن إلى جحيم، فإن ترحيله إلى ذلك البلد يعد لاعتبارات كثيرة عملا غير إنساني.
والتصرف الأمثل ومن المنطقي أيضاً، في مثل هذه الأحوال، هو السماح له بالعمل أثناء بقائه في الولايات المتحدة، ولو بشكل مؤقت. فـ"وضع الحماية المؤقت" ليس دائماً، بطبيعة الحال، وليس جواز مرور تلقائياً إلى الوضع القانوني، مع أن فيه لمسة إنسانية استثنائية.
ذلك أنه حين يُمنح هذا الوضع من قبل الحكومة الأميركية -يمكن لأوباما أو جانيت نابوليتانو أن يعطي أحدهما إشارة الموافقة على ذلك- فإنه يرفع فقط صفة "غير القانوني" عن الهايتيين الموجودين الآن في أميركا على أن يكون هذا لفترة محدودة من الزمن فقط؛ حيث يمكن أن يتسلم الشخص منهم ترخيصاً بالعمل، ما سيسمح له بدخول سوق العمل دون عراقيل أو تعقيدات، من ثم سيستطيع أن يرسل مالا لمساعدة بلده على إعادة الإعمار.
وللمقارنة والتذكير، فعندما دمر إعصار "ميتش" هندوراس ونيكاراجوا في عام 1998 مثلا، مُنح مهاجرو هذين البلدين "وضع الحماية المؤقت"، وكذلك السلفادوريون في عام 2001 عقب عدد من الزلازل التي ضربت بلدهم الأصلي. ومن جانبهم، يتوفر المهاجرون من الصومال والسودان أيضاً على "وضع الحماية المؤقت" بسبب الحروب والصراعات المستمرة في بلديهما. هذا مع أن المراقب العقلاني كان ربما سيفترض أصلاً أن هايتي ستتأهل في 2008 للاستفادة من هذا الوضع بعد أن تعرضت لما لا يقل عن أربعة أعاصير وعواصف استوائية مدمرة، توفي جراءها 800 شخص على الأقل وتراجع بسببها الناتج الداخلي الخام للبلاد بـ15 في المئة. وكانت الأمم المتحدة قد وصفت محنة الجزيرة حينها بأنها "أسوأ كارثة تضرب هايتي في 100 عام". والواقع أنه في يوليو 2009، كتب خمسة أعضاء من مجلس الشيوخ الأميركي رسالة يلتمسون فيها تصنيف هايتي ضمن "وضع الحماية المؤقت"، متوقعين على نحو يبعث على الخوف سيناريو يشبه ما حدث ويحدث اليوم. فالتقارير تشير إلى أن نقص المواد الغذائية يمكن أن يؤدي إلى أعمال شغب وسلب ونهب على نطاق واسع، ومن المتوقع أيضاً ازدياد حالات وفيات الأطفال بسبب سوء التغذية. ولذا فإنني آمل من كل قلبي أن يكون "وضع الحماية المؤقت" قد مُنح للهايتيين حين قراءة هذه السطور، ولاسيما أن عمليات الترحيل والإبعاد إلى هايتي قد توقفت بسبب الزلزال.
بيد أن "وضع الحماية المؤقت" كان ينبغي أن يمُنح لهايتي قبل ذلك بوقت طويل. فلماذا لم يحدث ذلك؟ الواقع أن ثمة سبباً بسيطاً يكمن في حقيقة أن ثمة افتقاراً للقوة السياسية في واشنطن. على أن ثمة سبباً آخر ذا صلة يتمثل في أن هايتي، ومثلما تمت الإشارة إلى ذلك بشكل متكرر في التغطيات الإعلامية الأخيرة للزلزال، هي أفقر بلد في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
وبالتالي، فإن كل إشارة إلى "وضع الحماية المؤقت" يثير في أذهان بعض الأميركيين صور تدفق حشود الأجانب السود الفقراء على سواحل أميركا، ولكن لابد من الإشارة هنا إلى أن "وضع الحماية المؤقت" لا ينطبق سوى على الأشخاص الذين يعيشون أصلا في الولايات المتحدة، وهم معروفون لدى مصالح الهجرة (ولا ينطبق على من لديهم سوابق إجرامية)، غير أن ذلك لم يمنع وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في أبريل من العام الماضي من الإدلاء بالتصريح التالي الذي يرفض مسألة "وضع الحماية المؤقت" بالنسبة للهايتيين: "إننا لا نريد أن نشجع هايتيين آخرين على خوض الرحلة البحرية الخطيرة عبر البحر" .
واللافت هنا أن القوى المصممة على تخليص الولايات المتحدة من أي شخص لا يتوفر على أوراق الهجرة لم تتوقف بعد زلزال هايتي حيث تقول "فيدرالية إصلاح الهجرة الأميركية": حسناً، امنحوا الهايتيين "وضع الحماية المؤقت"، ولكن اسحبوه من السلفادوريين. وعلى ما يبدو فإن الشفقة، من منظور "الفيدرالية"، إنما ينبغي أن تكون بقدر محدود (ولكن تدفق المساعدات من المواطنين الأميركيين في اتجاه هايتي يُظهر غير ذلك، لحسن الحظ)؛ غير أن مدافعين آخرين عن إصلاح قوانين ونظم الهجرة يبدون أكثر واقعية، مثل "المجلس الوطني للا راتسا"، يدعمون بقوة منح الهايتيين "وضع الحماية المؤقت"؛ كما بادرت منظمات لطالما دعت إلى ذلك، مثل "مركز الدفاع عن مصالح المهاجرين" في فلوريدا و"المؤتمر الأميركي للأساقفة الكاثوليك"، بمضاعفة جهودها. ولئن كان المثل يقول: "أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً"، فإن الولايات المتحدة متأخرة عن مساعدة الهايتيين بأكثر من عام وبواقع أكثر من زلزال مدمر.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم سي تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا