الاتحاد

الملحق الثقافي

كراسات محفوظ المفقودة

كان من المقرر أن يكون عام 2011 هو عام نجيب محفوظ في مصر، إذ يوافق مرور مئة عام على مولده وتشكلت لجان لذلك ووضعت خطط وحددت مهام ومشاريع، لكن الأحداث السياسية، غير المتوقعة، أدت إلى توقف ذلك كله، وتم الاكتفاء بالاحتفالات التقليدية التي تجري في ديسمبر من كل عام، وبهذا المعنى صدر كتاب محمد سلماوي “في حضرة نجيب محفوظ”.
والواقع أن جانبا من عبقرية محفوظ، كان في قدرته على أن يجمع المثقفين من حوله بمختلف الأجيال والتيارات الفكرية، والأدبية، وقسم أيام الأسبوع بينهم، فكنت تجد في جلسته يوم “الأحد” مثقفين مثل علي سالم، الذي اتهم بالتطبيع مع إسرائيل، وفي جلسته يوم “الأربعاء” كان هناك من يرفض ذكر اسم إسرائيل ويكتفي بالقول “العدو الصهيوني” أما يوم “السبت” فكان مخصصا لمقابلة الكاتب الصحفي بالأهرام محمد سلماوي، ويتم اللقاء بانتظام في منزل نجيب محفوظ على نيل القاهرة بالعجوزة.
وزير خارجية محفوظ
كان محفوظ قد اختار محمد سلماوي ليلقي كلمة في العاصمة السويدية ستوكهولم في حفل تسلم جائزة نوبل عام 1988، حيث اعتذر محفوظ وأناب ابنتيه لحضور الحفل وطلب من سلماوي أن يلقي الكلمة، ويبدو أن سلماوي قام من يومها بدور وزير الخارجية في دولة نجيب محفوظ، فإذا أراد أي ضيف أجنبي زيارة محفوظ أو مقابلته، كان ذلك يتم عبر سلماوي يوم السبت، وإذا اتصل ضيف أجنبي أو سفارة تطلب تحديد موعد مع محفوظ كان يطلب إليهم التنسيق مع سلماوي، وهكذا صار سلماوي شاهدا وحاضرا في كثير من المقابلات ويدون ما يجري فيها، وهذا الكتاب يرصد العديد من هذه المقابلات وما جرى فيها، مثل لقاء نادين جورديمر وباولو كويللو وبارباس يوسا وغيرهم.
الكتاب الذي بين أيدينا يلقي الضوء على الكثير من أدب وحياة محفوظ، لكنه يمكن أن يفيد القارئ في قضية مثارة الآن تتعلق بكراسات نجيب محفوظ، التي دون فيها مسودات بعض أعماله أو مشاريع روائية لم تكتمل ولم ينشرها محفوظ، ذلك أن بعض هذه الكراسات ظهر في صالة للمزادات بلندن وعرض للبيع، وتبين أن احد أفراد الأسرة قام بتسريبها، كانت هذه الكراسات موجودة في بيت والدة محفوظ ولما تهدم البيت حمل أحد أفراد الأسرة تلك الكراسات، وهي كراسة حول رواية فرعونية لم تنشر وأخرى اجتماعية لم تنشر أيضا لكن سلماوي في هذا الكتاب يفاجئنا بأن هناك كراسات أخرى مفقودة لمحفوظ، هناك ثلاث كراسات: الأولى تتعلق بتخطيطه لأربعين رواية على غرار الروايات التاريخية الأولى التي كتبها محفوظ، والمعروف انه مع تغير الأوضاع الاجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية قرر محفوظ أن يترك الروايات التاريخية ويتجه إلى الروايات الاجتماعية والواقعية مثل “زقاق المدق وبداية ونهاية”، ولم يعد محفوظ يهتم بالكراسة التي وضع فيها موضوعات الروايات التاريخية وهذه الكراسة مفقودة الآن، لا أحد يعرف أين هي.. هل بليت وتمزقت أم أنها موجودة في مكان ما؟!
الكراسة الثانية تتعلق بالتصور المعماري وبناء الشخصيات التي وضعها محفوظ للثلاثية قبل أن يشرع في كتابتها، وقال محفوظ انه وهو يكتب الثلاثية كان يعود إلى هذه الكراسة بين حين وآخر وهو يكتب حتى لا تفلت منه خيوط بعض الشخصيات والأحداث، وقد اهمل محفوظ هذه الكراسة بعد الانتهاء من كتابة الثلاثية، فلم تعد ذات جدوى له، لكنها مهمة للدارسين وللنقاد ليتعرفوا على تصور الكاتب للعمل قبل الشروع فيه وكيفية صياغته للأحداث، وأن الرواية هي في النهاية علم ودراسة، قبل أن تكون فنا وموهبة.
الكراسة الثالثة رصد فيها محفوظ مشاريع عدد من الروايات الاجتماعية ومن بينها رواية باسم “العتبة الخضراء” وضم التصور أسماء لبعض الشخصيات من المارة والباعة في ميدان العتبة الخضراء، وقد اطلع عبدالرحمن الشرقاوي على هذه الكراسة ورأى أن فكرة العتبة الخضراء تصلح مسرحية يكتبها هو، فقدمها له محفوظ كي تساعده في ذلك، لكن الشرقاوي انشغل عن المسرحية وهكذا لم يستفد من مشروع محفوظ ولا محفوظ كتب روايته وهذه الكراسة مفقودة، لكن الأمر المؤكد أنها في أوراق الشرقاوي، فهل تظهر لدى احد أبنائه أم أنها فقدت نهائيا؟!
محفوظ شاعراً
ليست هذه هي كل كراسات محفوظ، فهناك كراسة كتب فيها شعرا في بداية حياته، قبل أن يدخل الجامعة فقد كان يريد أن يكون شاعرا، ولم يكن يلتزم بالقافية دائما، لذا يقول انه لو واصل كتابة الشعر لكان من الشعراء المجددين، كان متأثرا بديوان العقاد، وقال انه كان يكتب بعض القصائد لكنه تخوف من أن يكون الوزن مكسورا فلم يحاول نشر الشعر ولا استمر فيه، فقد تحول إلى الكتابات الفلسفية ثم الرواية فيما بعد، نسى محفوظ هذه الكراسة تماما، لكن بقي الشعر في وجدانه ففي روايته “الطريق” هناك بعض أشعار، وفي عدد من روايته كان البطل ينطق حينا بالشعر المهم أن هذه الكراسة مفقودة هي الأخرى.
كراسة أخرى تحدث عنها محفوظ كان يدون فيها أبيات الشعر التي تستوقفه، من عيون الشعر العربي وكان يعود إليها بين حين وآخر وهكذا فان هذه الكراسة تمثل ذائقة محفوظ الشعرية أو مختارات للشعر العربي قديمة وحديثة وهي أيضاً مفقودة.
تلك هي الكراسات التي تحدث عنها محفوظ، ولا يرد أي ذكر للكراسات التي كانت معروضة في صالة المزادات بلندن، وهذا يعني أن محفوظ لم يتذكر كل الكراسات، ولا بد من البحث عن كراساته وأوراقه، لتكون متاحة للباحثين وللدارسين وهذه المهمة تنتظر من يقوم بها وجزء منها يتعلق بأسرته زوجته وابنتيه، خاصة تلك الكراسات التي يمكن أن تكون بحوزة أفراد الأسرة الآخرين سواء من كانوا مع محفوظ في بيت العباسية، أو بيت الجمالية وقد يكون ميسورا للابنتين التواصل معهم. هناك كذلك أصدقاء ورفاق محفوظ، فضلا عن ناشره القديم “مكتبة مصر” والذي تسلم مخطوطات كل أعمال محفوظ تقريبا، وهناك “متحف نجيب محفوظ” الذي يجري التأسيس له، وكان وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني قد قرر أن يكون بيت محمد بك أبوالدهب المقابل لجامعة الأزهر مقرا لذلك المتحف الذي تباطأ العمل فيه تماما وكان من المقرر أن يكون جاهزا للافتتاح في ديسمبر 2011.
البحث عن الكراسات أمر صعب ومحفوف بالمغامرة فقد لا نتمكن من العثور عليها وهي متروكة للزمن وللمصادفة، لكن هناك المجلدات التي كان ينشر بها محفوظ في بداياته، وتحدث عنها محفوظ، وهي المجلات القضائية التي كانت تنشر الأحكام القضائية وكان ينشر بها قصصا ومقالات وهذه أيضاً يسهل على الباحثين الرجوع إليها وجمعها.
“في حضرة نجيب محفوظ” كتاب مليء بالمعلومات والوقائع من مصدرها الأساسي، نجيب محفوظ نفسه، وهو خلاصة علاقة عمل وصداقة بين كاتبين استمرت لأكثر من عشرين عاما وتوثقت اكثر بعد محاولة اغتيال محفوظ عام 1994 ولان محمد سلماوي كاتبا روائيا ومسرحيا وهو أيضا صحافي، لذا كان منتبها لكل ما يقوله محفوظ، وكان يستفسر منه عن الكثير من جوانب حياته وأدبه وسجل ذلك كله في الكتاب الذي بين ايدينا.

اقرأ أيضا