الاتحاد

الملحق الثقافي

الفيلسوف وظلّه...

يشير محرر هذا الكتاب د. أحمد عبد الحليم عطية إلى صورة دولوز في الفكر العربي المعاصر. الفيلسوف الفرنسي المعاصر الذي لم يحظ بما يليق بجهوده من اهتمام المفكرين والمثقفين العرب إلا في السنتين الأخيرتين حيث زادت الدراسات حول عمله.
ويعرض عطية فيه بعض من مقالات ودراسات حول فلسفته العربية كانت أو الأجنبية وقد كتب سمير الزغبي في هذا الكتاب أيضاً عن دولوز والسينما أو الفيلسوف وظله.
يقول: “ليس بديهياً أن ينشأ اتصال جذري ما بين الفلسفة والسينما، خاصة إذا ما تم النظر إلى المسألة من وجهة إنشائية وكذلك فلسفية، فالسينما حديثة العهد كإبداع فني يعتمد على مقومات تقنية، في حين أن الفلسفة تاريخها شاهد على الفكر في أقدم ردهاته. فإذا كانت الفلسفة خطاباً سمته التحليل والإفهام والكشف عن مقاصد ورؤى ومواقف محددة وتبرير أطروحات معيّنة، فإن السينما بما هي مجال ابداعي تقني يقوم على بناء صورة متحركة، تبدو أمراً بعيداً كل البعد عن الفلسفة وتكون بذلك العلاقة بينهما أمراً غريباً، أو على الأقل أنها ليست بديهية”.
يشير الكاتب في مؤلف السينما والفلسفة الى دومينيك شات الذي يستحضر بعضاً من المواقف الفلسفية مثل موقف برغسون وكذلك ميرلوبوننتي... وهي مواقف ما زالت تتمسك بالتباعد ما بين المجالين وتعتبر أن هنالك فوارق خاصة في مستوى طبيعة المجالين، من مجال تفكير إلى مجال تقني.
هذه العودة إلى أطروحات تؤكد الاختلاف الجوهري ما بين الفلسفة والسينما تبدو لكأنها دعوة مؤكدة لعدم البحث في العلاقة الممكنة بين المجالين. إلا أن مؤلف السينما والفلسفة لا يستبعد إمكانية الخوض في مبحث ينشغل بمسألة العلاقة بين السينما والفلسفة، رغم ما يشاع من تباعد بينهما، وأن استحضارالأطروحات الفلسفية التي تؤكد المتباعد بين المجالين، الغرض منه هو إبراز أن العلاقة ليست بديهية، فمسألة السينما لا تعتبر من المشاغل الفلسفية المعهودة، فقد تعودنا في تاريخ الفلسفة بالاهتمام بمشاغل تتسم بكونها تنتمي إلى المسائل النظرية وذات البعد الأنطولوجي. فالتأسيس هو الهاجس الذي رافق تاريخ الفكر الفلسفي طويلاً، وإن النظر للفن لم يكن من جهة الانشغال بالأثر الفني المباشر وإنما لغاية تأسيس قول يضع معايير كونية ومطلقة للتجربة الفنية، وهو ما نجد استجابة واضحة له في ما أنجزه كانط في مؤلفه “نقد ملكة الحكم”.
علاقة قديمة
انطلاقاً من هذه الاعتبارات يشير الكاتب أن مبحث العلاقة ما بين السينما والفلسفة لا يمثل مبحثاً عادياً في تاريخ الفلسفة، باعتبار أن الانشغال بالآثار الفنية يعتبر أمراً مستحدثاً في الفلسفة، فرضته تحولات هامة في تاريخها ومفاهيمها وذلك استوجبته الأبحاث الإنشائية التي كشفت عن التلازم بين العملية الإبداعية في الفن عموماً وفي السينما بالخصوص. إلا أن هذا الأمر لا يعني بالمرة أن هنالك تغييبا كليا لمسألة السينما في تاريخ الفلسفة، يعود ويقول هنالك مباحث في هذا المجال تجلت ضمن الخطاب الفلسفي إلا أنها قد بقيت ضمنية، فمسألة السينما ظلّت ذلك المسكوت عنه، خلال التاريخ الفلسفي، وذلك لاعتبارات متعددة، أهمها: أن ظهور السينما كان متأخراً بالمقارنة بالفنون الأخرى، لكنه في مرحلة الفلسفة سيتبين بوضوح أن الآليات المفاهيمية التي تشتغل بها السينما هي في واقع الأمر مفاهيم لها عمق وتجذر فلسفي يعود بالتفكير إلى حد (أمثولة الكهف) لأفلاطون الواردة في الكتاب السابع من الجمهورية. حيث تحفل هذه الأمثولة، بمشهد هو بمثابة السيناريو. ذلك النص يخاطب المخيلة فهو مفعم بالرموز التي تعبر عنها الأمثولة، وخاصة إبراز التنوع في مستوى الرؤية والمنظورات، فالضوء في هذه الأمثولة يحمل معنى محدداً للمنظورية التي تشكل الموقع ومدى قابلية الصورة للانكشاف، وهو ما يحيل إلى البعد السينماتوغرافي لأمثولة الكهف. بهذا المعنى تكون الممارسة الفلسفية للسينماتوغرافيا قديمة ومتجذرة، وإنما النص الفلسفي ديناميكي ومتحرك في اتجاهات مختلفة، هو بمثابة المشهد حيث هنالك شخوص وأماكن محددة، وأضواء، وأصوات، وكل هذا لا يمكنه أن يعبّر إلا عن شكل هو بمثابة سيناريو، وهو إخراج متكامل العناصر، فالتركيب واضح وجلي والمحاورة الأفلاطونية تمزج بين عناصر مختلفة، وتحدد لكل عنصر وضعاً خاصاً به.
أيضاً يشير إلى أن شكل الكتابة الذي تنبني عليه المحاورة لا يمكن أن يكون شيئاً آخر غير سيناريو يكون فيه سقراط شخصية محورية تتكفل بإدارة الحوار الميثولوجي، فبنية المحاورة الأفلاطونية في ذاتها بنية فنية، فالكتابة الأفلاطونية هي كتابة فنية تنفتح على أفق فني وتتجاوز المعطى الواقعي الصلب، فاستعمال الرمز وتشكيل الأساطير، يمثل إبداعاً فنياً، يكشف عن انفتاح المخيلة، فالفيلسوف سيكون بهذا المعنى فناناً مسرحياً.
يقول: هذه الاعتبارات الفلسفية تستدعي طرح الإشكالية المتعلقة بمسألة العلاقة بين السينما والفلسفة. فبأي معنى تجوز العلاقة ما بين الفلسفة والسينما؟ بلغة أوضح كيف تبرر حضور الفلسفي بشكل عميق داخل الإبداع السينمائي وكيف تكون السينما استجابة لمقصد فلسفي. هذه الإشكالية، هي أساسية، ومبررة، من وجهة فلسفية وكذلك انشائية، حيث تجسد التمازج والتزاوج بين الفلسفي والفني في أشكال مختلفة وخاصة ضمن ما يعبّر عنه بالمتعرج الاستاطيقي للفلسفة، إذ الفيلسوف يتحول ذاته إلى فنان، هنالك ثنائيات في هذا المجال مجسدة في تاريخ الفلسفة والجماليات، بدءاً بالثنائي: نيتشه – فاغتر، إذ لم يخف الفيلسوف انبهاره بموسيقى فاغنر، حيث أنجز تمجيداً للفنان سابقاً من نوعه في تقديمه لمؤلفه مولد التراجيديا.
السينمائي والفيلسوف
يتناول الكاتب الإبداع الذي يوحّد ما بين الفلسفة والفن، وإذا كان دولوز قد اعتبر الفلسفة ابداعاً للمفاهيم، فهو لا يفصل في الواقع ما بين إبداع المفاهيم وإبداع الصور، وهي المهمة التي يتكفل بإنجازها الإبداع السينمائي، لكأن عمل الفيلسوف من منظور دولوز منشد إلى أبعد الحدود إلى عمل سينمائي، ولكأن الفلسفة ضمن هذا الاعتبار تتحول برمتها إلى إبداع سينمائي، خاصة وأن المشهد ليس له من ظهور إلى عبر الصور السينماتوغرافية، فالمشروع الفلسفي لم يعد منفصلاً بأي شكل عن الإبداع السينمائي، إذ الصورة هي الجهاز الذي يمثل منطلقاً للتصور أي بمعنى أدق للتفكير. ففي عصر الشاشة ما لا يقبل الرؤية لا يتمتع بأي وجود فقد تبخّرت الكائنات اللفظية، تلك الأشياء التي لا توجد إلا بالقول وتلك الأساطير الخالصة التي تأسس عليها الواقع القديم.
فالعلاقة هكذا ممكنة رغم التباعد الظاهري بين المجالين، وهو ما تأكد ضمن نصوص هامة. إذ الإنشائية لم تنفك عن التأكيد أن العملية الفنية ليست مجرد عملية تقنية منعزلة هي إبداع متصل بالقول الفلسفي، فالسينما هي مجال للتفكير الفلسفي، ومن ناحية ثانية تجد الفلسفة في السينما بما هو إبداع استجابة لأطروحاتها، فالعلاقة تبدو مزدوجة، وهو أمر لا ينجز البحث فيه من جهة الفلاسفة الذين انشغلوا بمسألة السينما فحسب وإنما كذلك هو أمر يستوجب الحفر فيه ضمن الدراسات الإنشائية أي ضمن أبحاث المنظرين في مجال السينما. فالمشتغلون بمجال السينما هم ينتمون في واقع الأمر إلى جنس المفكرين، سواء كان ذلك بوعي منهم أو غير وعي منهم، حيث هنالك تأكيد على التلازم الوثيق ما بين العملية الإبداعية التقنية في مجال السينما، والهم الفكري للفيلسوف، لا وجود لفواصل ما بين الإبداع الفني والتفكير الفلسفي، هذا الطرح يجد أصالته ضمن ما بلغه التفكير في الفلسفة مع جيل دولوز الذي يعتبر من أهم المواقف التي انشغلت بالترابط ما بين الفلسفي والفني، في القطاعات المتنوعة للفن وخاصة السينما، حيث لم يبخل فيلسوف الاختلاف، على من يشتغل على العلاقة بين الفلسفة والسينما، بأن يكشف العديد من الإشكاليات التي تتصل عضوياً بهذه المسألة. فالانشغال بمسألة السينما، هكذا يعتبر حديثاً لكنه شهد دسامة واهتماماً كبيراً تجلّى بالخصوص في أعمال دولوز من خلال ثنائيته المشهورة. فيعرض الكاتب ما قال دولوز صراحة في افتتاحية المؤلف الأول المخصص لمسألة السينما بأن منظري السينما لا تتم مناظرتهم بالرسامين، أو المعماريين أو الموسيقيين فحسب، إنما ينظر اليهم كمفكرين، فهم يفكرون وفقاً للصورة – الحركة والصورة – الزمن وليس وفقاً للمفهوم. إن مثل هذا الإعلان الدولوزي في مفتتح حديثه عن السينما، يفصل الفلسفة عن صورتها القديمة، في ما يتصل بعلاقاتها بالفن، وبالخصوص بالسينما، العلاقة ما بين الفيلسوف والسينمائي أصبحت عضوية، واصبح الفيلسوف لا يتحرج من تصنيف أفكاره ومفاهيمه ضمن سجلات الإبداع الفني.
هكذا افتتح دولوز عصراً جديداً للفلسفة، وإن كان نيتشه في ما سبق قد بشّر بأن فيلسوف المستقبل هو فنان، مستكشف العوالم القديمة. إلا أن فيلسوف الاختلاف والمعاودة سيدفع بالمشروع إلى أفق هو بمثابة السقف، حيث إن التفلسف أصبح يضم قطاعات كان قد تبرأ منها في ما سبق أكثر من مرة. فاحتفال مدونة دولوز بالسينما يجعل الفكر منفتحاً وأكثر من ذي قبل على المجالات الحيوية للتجربة الإنسانية، فتصنيف منظري السينما ضمن خانة الفلاسفة يعتبر سبقاً فلسفياً دشنه دولوز. السينمائيون لا يمكن عزلهم من صنف المفكرين، لأن التفكير لا ينحصر في الانشغال بالماهيات بل يكون بواسطة نمط جديد المفهوم: الصورة – الحركة والصورة – الزمن.
إن مشروع دولوز في ما يخص مسألة السينما لا يتوقف في المؤلف الأول أي السينما – الحركة، بل إن الفيلسوف يعلن منذ البداية عن المؤلف الثاني أي السينما – الزمن. هذا الأمر يبرز أن هنالك اتصالاً وثيقاً بين المؤلفين، فمن الضروري أن يستكمل القول والمشهد الذي احتفل به المؤلف الأول، حيث تكشف الوحدة العضوية بينهما. الجزء الأول من المشروع اهتم بالترتيب، لا بالمعنى الكرونولوجي، وإنما بمعنى التصنيف، تلك الممارسة الفلسفية الصميمة والحميمة، فلقد مارسها ارسطو في أكثر من مؤلف، فيما يتصل بتصنيفه للعلوم وموضوعاتها. لكن الأمر لدى دولوز ها هنا يختلف، فالتصنيف لا يقوم على غائية أو على تفاضلية أنطولوجية، بل أن الأمر لدى دولوز يتم على واجهة أخرى، فتصنيف الصور والعلامات يقوم على مهمة تشخيصية، أركيولوجية، حيث ينفذ الفيلسوف إلى عمق مفهوم الصورة فيكشف عن عمقه وتجذره الفلسفي.
ان هذا الكتاب هو على مستوى المثقفين وأهل الفكر والرأي ويستحق أن يقرأ بتفهم وعمق... لأنه يتناول صورة واضحة لجهود دولوز الفلسفية وحضوره في الفكر العربي المعاصر.

اقرأ أيضا