الاتحاد

الملحق الثقافي

الحصيات.. جزيرة الشياطين

حارسة للسرد، بالغة الملوحة، تقترب من سيقان اللواتي خضن في لذيذ التعب، وتغسل العرق، وتحصي عدد الماشين حفاة أو الممتطين ظهور الحمير.. هي المكان الذي توسد الحصى، واستحم بنهر الملح، حتى لا يفسد الزمان أفئدة العاشقين.
الحصيات، في منتصف الأربعينات حتى الستينات من القرن الماضي، أشعلت حزمة من الألق، وجلست متجاورة مع أشجار القرم لتحمي الضعفاء من الزوال، وتحرس شفاه الذين يمضون بأحداق ممتلئة باتجاه “الحديبة” واستدعاء العذوبة من عيون الأرض إرواء للصغار الذين تركوا في الوحشة يمضغون دموعهم محلاة بحبات التمر اليابسة.
بعض الحصوات المدفونة تحت آثار الأقدام تحكي عن قصة نساء جاءهن المخاض عند لسان الماء، فمنحن السماء عيونهن لاهجات بأسماء الله الحسنى، داعيات النجاة سطوة الحرقة المهلكة، فبعضهن أنجبن ونجون، وربطن السرة بخيط الأمل، وأخريات فارقن الحياة بعد الشهقة الأخيرة مودعات الكون الفسيح بأحلام الولادة الأولى، والفرحة التي لم تكتمل.. كأن الماء العذب على الرؤوس، يخضه الخبيب، والملوحة الجارحة تمارس غي القسوة بفجاجة الجغرافيا المتعجرفة، وقدرة الزمان الفائقة، في تشكيل التضاريس على الخدود وقريباً من مفارق الرؤوس.
لسان من الرضاب
تقول الحصيات، وهي الرديف الآخر، لاسم المعمورة اليوم، إنها ملحت الأرض بالعرق، ومدت لسان الماء من رضاب الكاعبات، وزرعت الحصى من أصلاب الرجال النجباء، وطوقت أحلام الناس بعقود العزيمة، وسورت المعاصم بأساور الشمس الساطعة نهاراً، المختبئة تحت الجلد ليلاً، وتقول إنه عندما كان يستسلم القمر للعتمة، كان الهمس يغرق المكان بنشوة الانتماء، وكانت للخطوات وطأة الحشمة المنسوجة من قماش الجمال البديع ورماح الناعسات، بنات التراب النبيل.. ثم تردف قائلة: ما كانت السماء تسقط ذهباً في ذلك الزمان، لكنها كانت تهب القدرة الفائقة، والقوة المتألقة بعروق السواعد السمر.
فالحمار المخطط بالأبيض والأسمر يتراقص عند خطمه، عند الأجراس وزركشة الخطام تعبيراً عن الألفة والمؤانسة، والتحالف البريء ما بين الصابرين وأبي صابر، كان ينهض الكائن الفريد فيشد صاحبه الخطام فيلعق الآخر ريقه، وينخر ثم يضرب الأرض بخطمه ثم يتابع رحلة البحث عن الذات، ثم يعود محملاً بماء الحياة، ناصباً أذنيه مستبشراً بحزمة البرسيم ترطب الريق، وتطفئ الحريق ليقول بعدها: شكراً.. شكراً للرفيق.
أما عن المرأة النادرة، والأسطورة الفجائية التي كانت تتسلل ليلاً لتقبع عند الساحل المائي ممشطة الجدائل المتدلية حتى نهاية العمود الفقري فكانت حكايتها أشبه بقصة الحصيات نفسها، كانت تبري الحصى، وتصنع منه مشطاً ضخماً، يعادل كثافة الشعر المسترسل، ثم تبلل الرأس بالسيولة المتدفقة من خور رأس الخيمة، ثم تلتقط حصاة ضخمة لتحصي عدد الشعرات الساقطة لتلتقطها وتعيدها بعناية إلى مكانها، ثم تعيد الكرة مرات ومرات، وعندما تلمح هامة كائن بشري تتوقف عن تمشيط الشعر وتبحلق بعينين واسعتين وتشيع القادم بنظرات الدهشة والاستنكار، مستفزة، فاغرة فاهاً رقيقاً، ثم تنهض باحتجاج، متذمرة من هذا الغازي ليلاً لمكان الجن، وما كانت تشعر بالأذى إلا من النساء، أما الرجال فكانت ترمقهم بعينين منكسرتين ذابلتين، ولما يطوفوا من حولها تتنهد ضارعة، مستسلمة، وما أن يدلفوا من المكان ويعبروا اللسان البحري حتى تأخذ نفساً عميقاً بشهقة تتحطم معها الصخور المنثورة على أفق الأرض.. بينما النساء فكن يحكين عنها قصصاً مذهلة، وهذه المرأة الناعمة تتحول إلى كائن متوحش، وتصير العينين الداعجتين إلى شرارات تتلظى بالحمرة المخيفة، كن لا يتجرأن على السير إلى الحديبة مروراً بالحصيات إلا زرافات تحاشياً لضرر هذه المرأة، كن يمشين بخطوات متئدة، خفيفة متباطئة، ويتهامسن بأصوات خافتة خوفاً من بطش المرأة المستعصية، وتحكي النساء عن قصص هذه المرأة، أن سيدة من سيدات المجتمع كانت تركب على ظهر حمار وبصحبة بعلها الموقر، وما أن وطأت الأقدام قريباً من بحر الحصيات حتى سمعت المرأة شهيقاً، ثم تلاه بكاء أشبه بالاستنجاد، فالتفت الرجل ناحية زوجته، مستفسراً عن مكان الصوت فاقشعر بدن الزوجة، قالت له بصوت خفيض إنه صوت المرأة التي حدثتك عنها.. تلفت الرجل، نظر إلى زوجته، حك صدغه، ثم حف لحيته بإصبعه، فكرت الزوجة أن تعود بحمارها إلى المكان الذي جاءت منه، لمحت للزوج بذلك، بيد أنه نهرها وأصر على مواصلة الطريق قائلاً: لن أدع أطفالي يموتون عطشاً بسبب امرأة خرافية، متوهمة..
تابع وساق الحمار بتصميم ذكوري، ولكن المرأة الخرافية اعترضت طريقهما، وقفت قبالة الرجل، نظرت إليه، بامتحان عسير، تلفت وكأنه يسأل الزوجة: ما الحل.. وبادلته الزوجة بنظرة عتاب وتوبيخ ثم التفت ناحية المرأة الخرافية مكفهر الوجه.. ثم دفعها بعد إصرارها على اعتراض طريقه، ثم هدر بصوت جهور زلزل المكان، رافساً الأرض بقدمين عظيمتين.
تشبثت به المرأة الخرافة، وبكت الزوجة، وفجأة يتحول الرجل إلى طفل صغير، حملته المرأة الخرافية بين يديها وتبخرت.. زعقت الزوجة، انتحبت، ولولت، طارت تجول في المكان تنادي الزوج، ولم تسمع غير صفير هواء ينبعث من الجهات الأربع.. تركت الزوجة الحمار وعادت مهرولة إلى بيتها لتخبر الناس عن قصتها المروعة.. البعض صدق، والآخر اتهم المرأة بالجنون بعد أن شاهدها تمزق ثيابها وتحثو التراب على وجهها، مرتجفة وكأنها أخرجت للتو من صندوق ثلجي.. المطوعون قرأوا على رأسها الآيات الكريمة، وبسملوا وتعوذوا من الشيطان الرجيم، وصرحوا بأن المرأة سُكِنت بالجن.. تلك الحادثة في ساحة الحصيات، أنبتت فراغاً متناهياً في المكان، وملأت الذاكرة بحصى الخوف ورهاب المكان، وفوبيا الليل.. وتقول الحكاية إن بعد زمان من السفر الطويل عاد الرجل، كان يتخبط في الأزقة، لا يتحدث ولا يعرف أحداً سوى أنه يسأل عن حماره الذي نفق وصار جزءاً من حصى المعيريض.. ومن ذلك الوقت أقسم الناس جميعاً أنهم لن يتركوا رجلاً يذهب إلى الحديبة بصحبة امرأة إلا إذا اتفقوا على الذهاب جماعات..
عاف الناس جذب الماء من آبار الحديبة حتى جف البحر، وانتعشت أصلاً بالإسمنت، كما جفت عيون الماء احتجاجاً، محتجبة عن الوجود طالما بقي المشهد الخرافي يمضغ أسنانه على حشيش الزمن المتواري خلف ملوحة الخوف.. وعندما تقف الآن عند الحصيات، عند التراب الذي لم يزل يغتسل بعض ملوحته، يداهمك الفراغ الوسيع بأسئلة مرعبة، ويباغتك اللون الرمادي برائحة بقايا إسمنت ترعرع على جثث أشجار القرم، متشرباً من نخالة ما تبقى من ذاكرة مثقوبة يخر منها الغبار، وينهمر من جوانبها بعض ما ترقع من هياكل عظمية أخفت خلفها أصوات مكتومة، وعيون معصوبة، وآذان أصابها الصمم، ولم يعد للكائنات من حواس ما تستشعر به عن همس الحصيات.
ما تقوله الحصيات
الحصيات، حصاة على حصاة، وحصاة تمشي على رمل الذاكرة تهفهف على القلب وتستدعي الناعسات الكواعب يخضبن الكفوف من حمرة الغسق، ويعجن رغيب العشاق من دفقه ومن رقه ومن همس ساعة الابتسامة الأليفة.
الحصيات حملت على صهوة شهيقها لجلجلة اللواتي خضن في الظلمة وأتين بفرحة الصغار المنتظرين عند أعتاب الأبواب المشرعة قبل الأفول وقبل تعانق الفصول وقبل انعتاق الدمعة العالقة عند وجنات وسحنات مشرئبة، تقف الآن عند الحصيات، تقف ولا تجد غير رائحة ثوب امرأة، عطرته الغربة والفقدان والنسيان والحسرة وكسرة النعال الذي نسيته بعضهن مرتجفات راعشات يوم رجفت الحصيات مرتعدة من أثر سجود وقعود ورعود الخوف الأزلي.. الحصيات على متنها سحنة معجونة بالأسى ومسبحة رجل فاته قطار العمر قبل أن يخشع ويركع ويستجدي المغفرة من كائنات خبأت فجاجتها تحت الجلد واستأصلت النجابة والشهامة، وراحت تنتحب في الخفايا الضالعات في العتمة، المفعمات في الضلالة.. تقول: يا الله، كيف أصبح ذات الوجد خبراً، واستباحت المكان فوضاه الخلاقة، واستأنس في العزلة الرهيبة كأنه جندي ياباني ضاع في الأحراش بعد انتهاء حرب خسر فيها البندقية كما فقد الأمل.. تقول يا الله، كيف تتمرد الأشياء عندما ينفك خيط المسبحة وكيف تتأثر ولا يرزح لها قلم، بل تبدو في الوحشة المضنية تبحث عن أنملة تبصم على الضياع كوسيلة وحيلة الذين ينفضون ثيابهم من غبار وسعار ثم تنتحر بين أيديهم كريات الأمل البيضاء تقطب الحصيات الآن حواجب المعرفة، وتغضن جبين أحلامهن، تقف شاهدة على زمن، مستشهدة ببقايا ونوايا ورزايا ووشاية الرمل المخصب ببعض ملح، وشيء من جرح، وما استشاط من قبائل وفصائل المحبين الأول..
تمارس أنت بعض غيك، تحاول أن تفرك وعيك وتحك عند صدغ الذاكرة، لعل وعسى ينهض شيء ما في داخلك ويصحو الفرح، يغسل وجهك من قتامة حزنك يطهرك من كبرياء مزعوم، ومن إحساس مكلوم، ولكن.. ولكن كيف والحصيات لم تزل، الموؤودة بلا سؤال، ولا احتمال غير أنك تحصي عدد الحصوات الباقية، وتعد أنفاس الذين أرسلوا الشهقة الأخيرة ثم ناموا إلى الأبد.. الأبد هو الكتاب المفتوح دون قراءة ودون تلاوة، يبقى فقط لمجرد أن يطرح أسئلته لعل وعسى، ينهض من في القبور ليحدثوا عما حدث في الحصيات من كلام تحت جنح الظلام، ومن خطوات أجهشت على أثرها الأرض متداعية، وفي حال الغيبوبة النشوى،.. حدث ذلك ولكن كيف؟ وكيف استعدت النساء لتلك الحوادث وهن في جلابيبهن الفضفاضة ومن تحتها رباطة الجأش وصلابة الموقف وحسن النوايا.. خرجن في الليلة الظلماء بحثاً عن قطرة ماء وعن عشب لصغار الغنم وعن ورقة الجرجير السحرية يخبئنها بين العشب لأجل دفء الليل، وحرقة الثواني الأخيرة من الجمر وكبرياء أفذاذ انتظروا بعد سفر طويل في غضون الماء وفي أحشاء الدر المتجبر.


واقفاً على الحصى


عندما تقف الآن عند الحصيات، عند التراب الذي لم يزل يغتسل ببعض ملوحته، يداهمك الفراغ الوسيع بأسئلة مرعبة، ويباغتك اللون الرمادي برائحة بقايا إسمنت ترعرع على جثث أشجار القرم، متشرباً من نخالة ما تبقى من ذاكرة مثقوبة يخر منها الغبار، وينهمر من جوانبها بعض ما ترقع من هياكل عظمية أخفت خلفها أصواتا مكتومة، وعيوناً معصوبة، وآذاناً أصابها الصمم، ولم يعد للكائنات من حواس ما تستشعر به عن همس الحصيات.

اقرأ أيضا