الاتحاد

الملحق الثقافي

سامرّاء .. حيث يُغرف من حوض الغمام باليد!

ابتسم ذلكم الصباح المُؤتلق حين رأى الحشود تخرج من المسجد الجامع الكبير، وترتسم على مُحياهم السرور والرؤية، فضاعَ شذا الإصباح الأليف الرفيف دافئاً كقلوب النّاس في عاصمة وا معتصاه، وبقيّ الصُبحُ يتردد يومياً عند دجلة العطاء، ينتظر أن يخرج الخليفة وأهل عاصمته الجديدة كلّ لمبتغاه، وهو يصطحب الغالية التي تستحم كل فجر نديٍ في مياه دجلة التي عطرّها ذلكم الصُبح المُؤتلق والمُحمل بعطر البنفسج وبفرح سُرّ مَن رأى.

هي ذي سامرّاء زاهية بوجودها، بتراثها، وبحضارتها العباسية الإسلامية الزاهرة النضرة منذ هاتيك السنون، وبوجهها الصبوح الذي يغفو على خدّ دجلة الوسنان وإشراقه صباحها الباسم الريّان. والداخل إليها اليوم يسمع وَقْع خطوات بانيها المعتصم بالله ونداء وا معتصماه يرتج في رحابها، بينما تتجه حدقتا المتوكل على الله نحو سمائها الصافية. وكل شيء في سامرّاء يحمل اسم المعتصم وخلفائها في الدوائر الرسمية والمدارس والشوارع والنواحي الإدارية والمحال وحتى أسماء أبنائها... إنّها المحبة لمؤسسها في نفوس السامرائيين عبر الأجيال المُتعاقبة.
سامرّاء التي عُرِفَت في بدء تأسيسها وسكنها بمدينة “سُرّ مَن رأى” انتزعت الزعامة من بغداد مدينة السلام، فأصبحت عاصمة الخلافة العربية الإسلامية بعد هاتيك الأيام، إذ لم يكن في الأرض أحسن ولا أجمل ولا أوسع مُلكاً منها. بناها الخليفة العباسي المعتصم بالله بن هارون الرشيد عام 221هـ- 835م شمال العاصمة العراقية بغداد وأطلق عليها بعد بنائها اسم “سُرّ مَن رأى”. وتعاقب عليها عدّة خلفاء عباسيين أولهم الخليفة المعتصم بالله وآخرهم الخليفة المعتمد على الله الذي نقل مقر الخلافة الإسلامية من سامرّاء إلى بغداد ثانية. وامتدت سامرّاء عند بنائها حوالي “35” كيلومتراً وبقيت عاصمة للخلافة العربية الإسلامية لأكثر من نصف قرن.
ابن نوح.. دعا لأهلها
شهدت سامرّاء أعظم أحداث التاريخ زمن ازدهارها وتألقها ومركزيتها كعاصمة للخلافة العربية الإسلامية بعد بغداد أيام خلفاء بني العبّاس الذين اتخذوها مقراً للحُكم والرياسة.. ويذكر اليعقوبي في كتابه “البلدان” أنّ: ثامن الخلفاء العباسيين المعتصم، آخر أبناء هارون الرشيد، خرج من بغداد يبحث عن موقع جديد يتخذه عاصمة بديلة لدولته مترامية الأطراف، حتّى بلغ مكاناً يُطلَق عليه “سُرَّ مَن رأى”، فوجد ديراً وقف عنده، وسأل رُهبانه عن المكان، فقالوا له إنّهم يعرفون مِن كتبهم وأخبارهم أنّ هذا المكان كان موضعاً لمدينة سام بن نوح، وأنّه سُيَعَمَّرُ بعد الدهور على يدِّ مَلِكٍ جليل مُظفّر، الذي دعا ألاّ يصيب أهلها سوء. بمعنى أنّه أعطى أهل سامرّاء بوليصة التأمين على الحياة؟ فقال الخليفة المعتصم بالله للرهبان: أنا والله أبنيها وأنزل بها، وأنتقل إليها. وشرع في بنائها عام 221هـ - 836م، في الوقت الذي لم يكن قد مضى على بناء العاصمة بغداد دار السلام أكثر من خمسين سنة!
وخلال هذا الزمن المُوغل في القِدَم، منحها الآشوريون اسم “سرمارتا”، والرّومان والسريّان منحوها اسم “سومرا”. بينما ذهب جمعٌ من المُؤرخين واللغويين إلى القول إنّها من أصل “سامِي” قديم، وقد يكون أصلها “شامريا” أو “شامورة”، وتعني الأولى “الله يحرس”، فيما تعني الثانية “منزل الحرس”، كما قيل في أسمائها أيضاً: “سُرّ مَن رأى، سرّ مَن راءَ، وسارَ مَن رأى”، والاسم الأوّل اختصار لوصف “سرور مَن رأى”، كما يذكر ياقوت الحموي في مُعجم البلدان اسمها عند تأسيسها مِن قِبل الخليفة المعتصم بالله، أما الاسم الثاني فهو وصف للمدينة بعدما نالَ منها الخرابُ ما نالَ، كما شاعت لدى البعض بأنّها “زوراء المعتصم” حتّى استقرّ الأمرُ عند “سامرّاء”، وهو اسمها الرسميّ في العراق اليوم.
وبعد “1172 سنة” على تأسيس الخليفة المعتصم بالله لمدينة سامرّاء اليوم تطورت علوم اللغة والتاريخ والأسماء، وصرنا نعرف أنّ مدينة سامرّاء ترجع تاريخياً إلى عصر “4500 - 5000 ق.ك” فيما عثر المرحوم الدكتور المؤرخ أحمد سوسة على فخّاريّات تعود إلى العصر الحجري الحديث، وقرّر أنّ سامرّاء كانت مأهولة بالسكان منذ أكثر من “6 آلاف سنة”. وبقيت “سُرّ مَن رأى” مركزاً لحُكمِ ثمانية من الخلفاء العباسيين، كان آخرهم المعتمد على الله الذي قرّر إعادة مقر الخلافة إلى بغداد وانتقل إليها عام “379هـ - 982م”.
المسجد الجامع
من أبرز المَعَالِم الشاهدة اليوم في رحاب سامرّاء جامع الجمعة أو جامع سامرّاء الكبير، كما يُطلَق عليه، فقد أسس الخليفة المعتصم بالله المسجد الجامع لعاصمة خلافته “سُرّ مَن رأى” في سنة 221هـ 836م، واختط من حوله الأسواق والدّور والقطائع واستُعمِل هذا المسجد لأوّل مرّة لأداء فريضة صلاة الجمعة.
وبقيّ جامع الجمعة في سامرّاء إلى أيّام الخليفة المتوكل بن المعتصم. ولمّا تسلّم المتوكل الخلافة من بعد أبيه المعتصم بالله وجد أنّ المسجد الجامع قد أصبح صغيراً ولا يسع أعداد المُصلين، لذا قرّر المتوكل إنشاء جامعٍ ضخمٍ في سنة 234هـ- 849م، بدلاً من الجامع الأوّل في موضع واسع خارج المنازل عند أوّل الحِيْر، ولا يتصّل به شيء من القطائع أو الأسواق. وقد أُتِقَنَ بناؤه وأُحْكَِمَ تشييده، وفُرِغ من بإنشائهِ سنة 237هـ - 852م، وأنفق عليه المتوكل على الله ما يعادل” 600”ألف دينار.
ويُعَدُّ المسجد الجامع في سامرّاء من أكبر المساجد في العالم الإسلامي مساحة، حيث تبلغ مساحته “54?500 متر مُربع”، وأمر المتوكل برفع منارة له لتعلو أصوات المُؤذنين وتُرى من فراسخَ، كما يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان، ويتسع المسجد الجامع لـ”60 ألف مُصلٍ”. وقد استوحى الخليفة المتوكل على الله طراز مئذنة الملوية من الأبراج الآشورية القديمة.
ملوية سامرّاء
لم يبقّ من مسجد سامرّاء الكبير اليوم سوى مئذنته الحلزونية الشاهقة، والتي تُعرف اليوم باسم “ملوية سامرّاء” والتي يشاهدها زائرو المدينة من على مسافات بعيدة، كما بقيّ إلى جوار الملوية الجدران الخارجية للمسجد الكبير التي تحيط بساحة مستطيلة يبلغ طولها “240 متراً”، ويبلغ سُمْكها “مترين”، وعرضها حوالي “156 متراً”، وارتفاع الجدران القائمة زُهاء “10?5 متر”.
أما سُلّم المئذنة، فسعته متران ونصف المتر، يبدأ من مركز أوسط الجانب الجنوبي للمئذنة ويدور في خمس دورات وكلما صعد الإنسان إلى أعلى المنارة زاد انحدار المُرتَقَى، ويبلغ عدد الدرجات (399) درجة ، وينتهي السلم في نقطة تقع عند الجهة الجنوبية مثلما بدأ بعرض 1?90 متر، وهنا توجد “قمة المئذنة” مدخل مسقف، وفي القمة ثقوب عددها ثمانية يعتقد أنها لثمانية أعمدة خشبية مثقبة فيها لتحمل سقيفة كانت تغطي هذا الموضع من قمة المئذنة، ويبلغ الارتفاع الكلي للقسم الحلزوني حلزوني حوالى (52) متراً. وفي قمة الملوية يوجد برج صغير في داخله بضع دَرَجات من سُلّم. وقيل إنّ هذا مكان المؤذن الذي كان يؤذن للصلاة يوم الجمعة في زمن الخلفاء، وكان يرتقي إلى قمة الملوية على حمار مريسي نسبة لقرية مريسي في مصر!.. ويمكن للزائرين اليوم الارتقاء إلى ملوية سامرّاء وملوية مسجد أبي دلف شمال سامرّاء بواسطة دَرَجات- سُلّم – مُشيّد من الطابوق الآجُر- الفرشِي- ويتجه عكس اتجاه عقارب الساعة لينتهي بغرفة أسطوانية تُعرف عند أهل سامرّاء باسم “الجاون”، وهو الآلة التي تطحن فيه الحبوب.
المقدسي: سامرّاء عجيبة
أشار المقدسي في “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” إلى سامرّاء قائلاً: “سامرّاء كانت مِصْراً عظيماً ومُستقر الخلفاء القديم، اختطها المعتصم وزاد فيها بعده المتوكل، وصارت مرحلة، وكانت عجيبة حسنة… وبها جامع كبير كان يُختار على جامع دمشق، وقد لُبِّست حيطانه بالمينا، وجعلت فيه أساطين الرخام وفُرش به، وله منارة طويلة”.
وقد سمّى ياقوت الحموي في “معجم البلدان” وغيره من البلدانيين والمؤرخين والكُتّاب والأدباء والشعراء، القصور الكبيرة التي بناها المعتصم بالله وابنه المتوكل على الله عاشر الخلفاء العباسيين، ومَن تلاهم من خلفاء بني العبّاس، وكانت هذه القصور العباسيّة في سامرّاء نماذج لما بُنِيَ بعدها في البلاد الواقعة بين بُخارى شرقاً وقرطبة بالأندلس غرباً. وكانت دار الخليفة المعتصم أوّل بناء ارتفع في عاصمة الخلافة على مساحة بلغت نصف مليون متر مربع، تحيط بها البساتين والحدائق الغنّاء، وعلى مسافة قريبة تقع آثار بقية القصور التي تزهُو بها بشواهدها ومعالمها الأثرية المدينة العباسيّة ويشاهدها الزائرون اليوم أمثال: “ملوية سامرّاء - مئذنة جامع الجمعة، وقصر الخليفة المعتصم بالله المُطل على نهر دجلة، وقصر الحِيْر، والبُركة الحسناء التي أشار إليها الشاعر البحتري في قصيدته المعروفة:
يا من رأى البركة الحسناء طلعتها
والغانيات إذا لاحت مغانيها
ومن آثار سامرّاء اليوم التي يستطيع الزائرون التجوّل والاطلاع عليها: آثار تل العَلِيْق، وقصر المعشوق أو العاشق بلغة أهل المدينة، وقصر المنقور، والقائم جنوب سامرّاء، ومسجد أبي دُلَف شمال المدينة والمعروف بملويته الشبيهة لملوية سامرّاء، إذ يبلغ ارتفاع ملوية سامرّاء “52” متراً، بينما يبلغ ارتفاع ملوية مسجد أبي دُلف “19” متراً.
مهبط الأدباء والكُتّاب والعلماء
كذلك أصبحت سامرّاء مهبطاً للأدباء والشعراء والعلماء والمفكرين والفقهاء وأرباب الفنون، وبقيت منارة تشع للدنيا إنجازات وافرة في شتى أصناف العلم والمعرفة طيلة أكثر من نصف قرن، وولد فيها عدد كبير من الأدباء والشعراء والفنانين. فهذا الشاعر أبو عبادة البحتري الذي وصف أغلب قصور سامرّاء، والشاعر أبو تمام الطائي الذي ألقى رائعته الخالدة في انتصار الخليفة المعتصم وفتحه لمدينة وحصن عمورية في بلاد الأناضول، والشعراء:
علي بن الجهم، وعبدالله بن المعتز، والحسين بن الضحاك، وإبراهيم الصولي وأبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني المعروف، وإسحاق الموصلي، وعالم الفلك البتاني، والمغنيات العربيات: مُخارق، وعلوية، وعَرِيب، وشارية…
سامرّاء مدينة خالدة صاغها الزمن قلادة عُلقت في جِيْدِ التاريخ الوضّاء، وهي اليوم مدينة بهيّة بمساجدها وبمئذنتيها التاريخيتين “الملويتان” وبقصورها العامرة وبُركِ مياهها وبميادينها وزخارفها الجدارية.
وكيف ننسى سامرّاء وملويتها ماثلة أمام الناظرين والشاعر ابن ولاّد قد ذكرها في إحدى قصائده جاعلاً من يصل إلى قمتها كأنّه يغرف من حوض الغمام باليد!.
سامرّاء الطفلة المدللة عند المعتصم بالله، وهي عند المؤرخ القزويني: “أعظم بلاد الله بناءً وأهلاً”.
وفيها قال المعتز بالله: “وهي معشوقة السكن، حَبيبة المَثوى، كوكُبها يقظّان، وجَوُّها عُريان، وحَصَاها جَوهَر، ونسيمها مُعطّر، وتُرابها مِسكٌ أذْخَر، وليلها
يُسْحِر، وطعامها هَنيء، وشرابُها مَرِي”. وحتى بطيخها لم يكن مغبوناً لأنّه بطيخ يعزُّ نظيره مذاقاً ورائحة، وهو سليل بطيخ يُرسل إلى سامرّاء للخليفة الواثق بالله بن المعتصم طازجاً في قوالب من الرصاص معبأة بالثلج!!
وفيها قال المؤرخ العراقي المرحوم الدكتور أحمد سوسة شهادته عنها: “إذا افتخر الرومانيون بمدينتهم روما، وإذا تبجح البابليون بعروس الشرق بابل، وإذا افتخر الأكاسرة بطيسفون، والمناذرة بالحيرة، فخليق بالعباسيين أن يفتخروا بمدينتهم العظيمة سامرّاء التي كانت أحدوثة الزمان في هاتيك الأيام”.
سامرّاء لها في التاريخ صورٌ وحكاياتٌ عن الزهوِّ والفَخَار.. إذ لا تزالُ خطوات بانيها الخليفة المعتصم بالله تُسمع في دروبها الواسعة مثل عينيّ سامرّاء الصّافية كعين الديك.

اقرأ أيضا