الخميس 8 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

«نزق الشباب في تطرف طلب الطاعات»

19 يونيو 2017 20:02
قد تدفع نوازع سن الشباب وانفعالاته بنوع أخطر من التطرف، فيه إقبال على التدين بشيء من المبالغة والتشدد في الأخذ بالطاعات، الأمر الذي يحتاج أيضاً إلى مواجهة على نحو من الاستيعاب. كان سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنه من أفاضل الصحابة ومن رواة الحديث، صوّاماً قوّاماً، تزوج امرأة من قريش فكان يشغله عنها الصوم والصلاة، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم. يروي عبد الله بن عمرو فيقول: «فدخل عَلَيَّ، فألقيت له وسادة آدم ربعة حشوها ليف، فجلس على الأرض، وصارت الوسادة فيما بيني وبينه. فقال: أما يكفيك أن تصوم في كل شهر ثلاثة أيام؟ قلت: يا رسول الله! قال: خمساً؟ قلت: يا رسول الله! قال: سبعاً؟ قلت: يا رسول الله! قال: تسعاً؟ قلت: يا رسول الله! قال: إحدى عشرة؟ قلت: يا رسول الله! فقال النبي ?: لا صوم فوق صوم داود، عليه السلام، شطر الدهر صُم يوماً وأفطر يوماً. فقبل بذلك حتى أنه لما كبر في السن كان يقول: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله أحب إليَّ مما عدل به، لكني فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره. تأملوا كيف نصحه رسول الله! كان من الممكن أن يقول ادعوه لي، فإذا جاءه عنًّفه وأمره! بل ذهب إليه ثم لم يجلس على الوسادة حتى لا يقيم فاصلاً بينهما ولا يتخاطب معه بفوقية، إشعاراً بالتكافؤ في المجلس. ثم عرض المسألة عرضاً تدريجيّاً هادئاً، فلم يأمره إلا عند الوصول للحد الأقصى، وهو صوم سيدنا داوُد عليه السلام، وقال له: فإنّ لزوجك عليك حقّاً ولجسدك عليك حقاً. لكنَّ هناك موقفاً أشدّ في استيعاب الاندفاع غير المتزن في التدين مع الذين سألوا أمهات المؤمنين عن عبادة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كأنهم تَقَالُّوهَا: فقالوا: وأين نحن من النبيِّ، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أمّا أنا فإني أُصَلِّي الليل أبدًا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفْطِرُ. وقال آخر: أنا أَعْتَزِلُ النساء ولا أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «أنتم الذي قُلْتُمْ كذا وكذا، أما والله إني لأَخْشَاكُمْ لله وَأَتْقَاكُمْ له، لكني أصوم وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وأتزوج النساء، فمن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مني». الذم هنا ليس في الزيادة في العبادة،، انتبهوا! الذم هنا، وفيه شيء من شدة اللهجة، لأنهم ربطوا المبالغة في أداء الطاعات بمعنى خطير وهو التعالي. إنهم تقالّوا عبادة رسول الله، أي رأوها أقل من المطلوب، بل وأرادوا أن يلتمسوا لهم ذريعة في التشدد، فقالوا إن رسول الله غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! فهذه النظرة من ربط العبادة بالتعالي، بانتقاص ما عند الآخرين هي الأخطر على التدين، ابتداء من قسوة القلب وصولاً إلى التعالي على الناس والاصطدام بهم. لهذا كان الرسول الكريم حازمًا فقال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني». وكذلك أرسى القاعدة الإرشادية في الحديث الآخر: «إنَّ هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، فإنَّ المُنْبَتَّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى». هذا التشدد الظاهر في التدين دون الوقوف على حقائقه يصل بذي الخويصرة إلى أن يعتقد أنه ميزان الحكم على الآخرين، حتى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: «يا محمد اعْدِلْ، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خِبْتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل» فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعه فإنَّ له أصحاباً يحقِر أحدُكم صلاتَه مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميَّة». الحبيب علي الجفري
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©