الاتحاد

دنيا

تلال ليوا تتحدى قساوة الصحراء وفارس العطاء يعد بالمزيد من الخيرات

شددنا الرحال مرة أخرى باحثين عن حضن آخر من أحضان الطبيعة الدافئة، عن لوحة فسيفسائية رسمها الخالق فأبدع فيها سبحانه، لوحة من ربوع هذا البلد الطيب الذي يدعى “الإمارات العربية المتحدة”، فكانت “الغربية” وجهتنا... صدر حنون يفوح برائحة حليب النوق، ويدان مبسوطتان كل البسط للضيف والزائر، للقريب والبعيد، المقيم والغريب، كرم أهلها، سحر واحاتها، بريق كثبانها الذهبية، عبيق هيلها وزعفرانها، رائحة قهوتها العربية أو بالأحرى البدوية، كل شبر منها يروي خروفة من خراريفها (وتعني قصة من القصص الشعبية القديمة)، بساطة في العيش، وبركة في الرزق، موطن الأجداد ومرجع الأصالة والتراث.


هناك... وفي وسط مدينة زايد، أو كما يسميها البعض الآخرون “مدينة بدع زايد”، يتربع “منتجع تلال ليوا” تحيطه كثبان الرمال الذهبية المحمرة تارة ومصفرة تارة أخرى، فيظهر شامخا على مرتفع بسيط ليس ببعيد جدا عن الطريق الرئيسي المعبّد للمدينة، ولعل الوصول إليه بات سهلا للغاية، حيث لا يضله الباحث بسبب كثرة الإشارات واللوحات الإرشادية والتوجيهية التي تدل على موقعه بشكل دقيق...
وصلنا المكان بعد قرابة الساعتين من السير منذ انطلاقنا من دار الظبي، فاستقبلنا سور كبير كأنه سور حصن منيع من حصون الحضارات الإسلامية الخالدة والمجيدة، تخيّلت لوهلة - وما أوسع خيالي- أن جحافلا من الجنود الأشدّاء بعدّاتهم وأسلحتهم الحربية يختفون وراءه، لمن تلك الصورة المخيفة انقشعت حينما رأيت تلك الثريا الخشبية المنقوشة بإتقان تتدلى من أعلى سقف المدخل الرئيسي للمنتجع، معطية انطباعا جميلا للزائر بأن المكان تراثي أصيل ومريح، فتح باب الخشب التراثي وبدأت الجولة......

جرار بيضاء تحرسها ثريات نحاسية
دخلنا قاعة الاستقبال، فكانت المفاجأة، نافورة مكونة من جرار بيضاء كبيرة، ناعمة الملمس ينساب الماء الصافي على جدرانها، تتوسط بركة صغيرة تطفو فوقها بتلات متفاوتة الأحجام من ورود الجوري الزكية بعطوراتها، وباقات من الزهور بألوانها الزاهية تزيّن حواف النافورة ترافقها بعض الوسادات التي تتماشى وألوان ورودها تدعوك لاحتضانها دون أن تنطق بكلمة واحدة، فلا تجد نفسك إلا وأنت جالس على طرفها مستمتعا بخرير مياهها وكأنك جالس جنب غدير تتدفق فيه المياه دونما توقف... ترفع رأسك لتقابلك كوكبة من الثريات النحاسية ذات الأشكال التقليدية، تتحول في الظلمة إلى نجوم متلألئة فيزداد المكان دفئا وقربا إلى الطبيعة.
أما مكتب الاستقبال فهو بحد ذاته عنوان للتراث والأصالة، حيث تتوسط خلفيته مجسمات لجمال الصحراء والتي تعرف المنطقة الغربية بوفرتها الكبيرة على مختلف أنواع الإبل والماشية والطيور، كيف لا وكل الظروف الطبيعية من المساحة الواسعة والعناية الفائقة من سكانها لهذه الحيوانات التي كانت ولا تزال رمزا وجزءاً لا يتجزّأ من تراث المنطقة وثقافتها، أما على جانب المكتب فتتدلى ثريات متوسطة الحجم وكأنها رماح قد استخدمها الأهالي في الماضي لأغراض الصيد وما شابه.
على يسار قاعة الاستقبال، وبالقرب من المخرج المؤدي للمسبح، استراحة “ليالي” بديكوراتها المحلية الرائعة، طاولات خشبية منقوشة بأحلى الرموز وأخرى نحاسية تم جلب البعض منها من جنوب افريقيا، أما الكراسي فهي خشبية عصرية مريحة، وبذا تم المزج بين العصري الحديث والديكور العربي الأصيل، أما الجدران فقد ازدانت بلوحات عن صحراء ليوا بتلالها وجمالها وسحر طبيعتها.
تنبعث روائح الأكل الشهي هناك من يمين القاعة، أين يوجد “مطعم البادية” الذي يقدم مختلف الأطباق المحلية والعالمية التي تستقطب السياح الأجانب قبل العرب، ممن يتشوقون للتعرف على عادات وتقاليد المنطقة العربية وبالتحديد المنطقة الغربية بالدولة.

نوم هادئ في أحضان المجاهيم!
يضم الفندق ذو الأربع نجوم 111 غرفة وجناحا، وكلها تعكس الثقافة العربية عموما والطابع المحلي الإماراتي على وجه الخصوص، حيث استوحى بناء الفندق من المعمار التراثي المحلي الذي عرفت به قلاع وحصون أرض الإمارات الطيبة بعادات أهلها وتراثهم المتنوع والغني.
تنقسم غرف الفندق إلى خمسة أنواع رئيسية وهي:
“غرف التلال” وهي تلك الغرف العادية في الفندق، وعددها 50، وقد سميت نسبة لتلال الصحراء المحيطة بالفندق من كل صوب.
“غرف السحاب” هي غرف جميلة تحتوي على بلكونات تملك إطلالات رائعة على المسبح، ديكوراتها عبارة عن مزيج متناسق ما بين الحداثة والتراث، وقد أثارت إعجابي سلسلة من السجادات المربعة صغيرة الحجم قد علقت على الجدار عند مدخل الغرفة، مقابلة سرير النوم الفخم والمريح، وكأنها تريد أن تذكرك بماضي الأجداد وتراث المنطقة العريق، غير مستغنية عن شاشات البلازما والتطورات التكنولوجية الحديثة.
“غرف الساحة” وهي غرف توجد في الطابق السفلي من الفندق، تملك ما يسمى تيراس يطل بدوره على حديقة الفندق بخضرتها وبهاء ألوان أزهارها.
“غرف الواحة” وتعتبر من أفخم وأجمل الغرف، حيث تتميز بإطلالتها الرائعة على المسبح ذي 25 مترا بالطول وعرض 10 أمتار وبارتفاع 1.25 مترا.
أما الأجنحة فنجد منها الجناح الملكي، والجناح الرئاسي أو ما يعرف باسم “المجاهيم” التي هي عبارة عن نوع من الإبل الذي يتميز بكبر حجمه وغزارة إنتاجه للحليب، وبالفعل فهو اسم على مسمى، جناح راقي المستوى، يتألف من صالة للضيوف وغرفة رئيسية بحمام خيالي، فحوض الاستحمام بشكله البيضاوي المتميز تقابله شاشة تلفزيون مسطحة وكأنها مرآة، يتوسطه كرسي كأنه المندوس، وغرفة ثانوية وأخرى للأطفال، إضافة إلى المطبخ وصالة الطعام، أما ديكوره فيجمع بين التقليدي في تفاصيله الدقيقة كالأباجورات ولوحات الصحراء المعلقة، والحداثة المتمثلة في الطاولة والأرائك والستارة الجميلة، أما الإطلالة فهي أروع إطلالة تجمع بين سراب الصحراء القاحلة وزرقة مياه المسبح الصافية، إنه فخم وتقليدي بكل المفاهيم.

أقواس تراثية
صفان من أشجار النخيل الشامخة تحيط بمسبح صاف بزرقة مياهه، منعش ومبهج بإطلالته الغريبة نوعا ما من قوس وكأنه بوابة لصحراء الربع الخالي، “الليوان”، يقدم للمقيم والزائر مشروبات منعشة وطازجة، أما أنصاف الغرف المقابلة للمسبح، فمجالسها تستقبل الأهل والأصدقاء ممن يعشقون “الشيشة” أو ما يسميها البعض “الأركيلة”، فيما يفضل البعض الآخر ممارسة الرياضة واللياقة البدنية بمركز الجيم الذي أطلق عليه اسم “الجسد والروح”، وبينما تستخدم تلك الآلات الرياضية المتطورة يمكنك أن تستمتع في الوقت ذاته بمنظر المسبح والإطلالة الجميلة، لتريح بذلك الجسد والروح معا.

مجلس المزيرعة لاستقبال الأهالي والحصن للاجتماعات
“المزيرعة” هو اسم تراثي أطلق على المجلس التراثي الذي كان سمو الشيخ زايد بن حمدان بن زايد أول من استخدمه خلال فعاليات مهرجان أقيم شهر ديسمبر الماضي، حيث استقبل ضيوفه من أهالي المنطقة الغربية آنذاك، أما الحصن فهو غرفة مجهزة بأحدث التجهيزات وشاشة عرض تستخدم في الاجتماعات، ناهيك عن مركز الأعمال والمتجر الصغير الذي يوفر هدايا تذكارية محلية بأسعار رمزية لأنها صناعة محلية.

وداع عند الغروب
ودعنا الفندق بمناظره الساحرة وديكوراته الرائعة، وأقواس معماره التراثية، وفي ذاكرتنا صور جميلة لغروب الشمس على المسبح المطل على الصحراء، تمنينا أن تتجمد عقارب الساعة قليلا، لكن الوقت يمضي والثواني تتحول إلى دقائق فساعات فأيام، وستكون لنا عودة للمكان الجميل والحضن الدافئ عما قريب بإذن الله، فالذي يعشق التراث والأصالة سيجذبه المكان ليلتصق بذاكرته ويدفعه حنينه لمزيد من الزيارات، ولا يسعك في الختام سوى استذكار أبيات عن المنطقة الغربية على لسان شاعرنا الكبير ،أحمد بن علي الكندي، قائلا:
جـــو ليـــوا مـــن جــو لبنــان
لا من سهام ولا رطوبهن هبوبه
لي عــدت متفـــرغ و طـــربان
لابـــد يــوم تســــير صـــوبـه
لـه رســــته مابيــن نجـــــيان
ســـهله ولا فيهــــا صــعوبه
هذا الفضــل من لي لهم شان
ســفطـان والخــط اعتنـــوبه

اقرأ أيضا