ثقافة

الاتحاد

لملم ما تبقى من خاطرك المكسور

لملم ما تبقى من خاطرك المكسور

لملم ما تبقى من خاطرك المكسور

(1)
حين أعتاد أن يأتيَ الخريف. حينَ يُجافيني الربيع والهدب حينَ تستفيقْ.
حين أعتاد سخونةَ الصيفِ وشتاء الصقيع، وآهات الظلِ والأحمر فوق الجفون، وسحر المرايا في لحظةِ غرور. والشعر حين يسألُ هل من جنون؟
حين، بكل قسوة، تجافيني ذاكرتي في حضورِ الحروف.
حين أعتاد جدبَ الشعور والمشاعر في الروح دِيَمْ.
حين أعتاد أن ينام الليل في حضن المساء. وأن يمتلئ الأفق رقصاً من دخان.
حين أعتاد أن في الدمع يكمن الكبرياء، وأن الألم مجرد أسلوب حياة. لا أعلم هل أن ما أكتبه عبثاً أم هرباً أم اختناقاً من خطوط خطَّ معالمها الاحتراق.. هو مجرد عمر فاحت منه رائحةُ الاحتراق.

(2)
أيها الألم المتفجر من صخرة العذاب أعتقني فقط، واجعلني آخر طموحك واجعلني أقصى ما ترسمه حدودك، وأن تتلاشى في مخيلتك صورتي وأن تمحو رمالك ظمأ وجودي وأن تمنحني فرصة وحيدةً وأخيرة لكي لا أطير كالفراشات إلى معاقل الضوء (فأحترق).
دعني أطير فأجربَ وسع الفيافي، فجناحاي ما زالا يعانقان الانكفاء وجسمي الصغير ملّ ضرب السياط، وأنت ما زلتَ .. كقوةٍ أرادت أن تُزلزل هذا الجسد الصغير الذي لا يحلم بالكثير ولا ينتظر الكثير، واطمئن فجناحاي أقصر من أن يمارسا الطيران.
كل ما أريده هو أن أحيا كإنسان ليس مسلوب الإرادة والحياة.. ليس مسلوب الحركة والقدرة والقرار.. ليس مسلوب الروح ولحن الغناء.
فأمنياتي مهما كبرت لن تستطيع إيذاء السماء في لحظة اتقاد. أعلم أني حين أفكر فيك أو أكتب عنك أعطيك أكبر من حجمك وقيمتك.. ولكن دعني أتكلم ودعني أكتب لأملأ الصفحات وتنقضي الساعات وليغرق في أحداقي البكاء ولأمرقَ نفسي في الحقيقة التي لا تعلو فوق صوتِ القدر.

(3)
ماذا تفعلُ حين يستبيحكَ الألم ويُلقي عليك بثقلِ همومه؟ أو أن يأخذكَ إلى فضاءاتٍ أضيقُ من الحزن.
ممرغاً بالوحلِ كل حُلمٍ جميل
تتوسل فيه استنهاضَ المروج
ويأبى إلا أن يطفئ فيكَ ضوء القناديل
يلون حياتكَ بلونِ الرمال
ويفتحُ نافذتكَ لأشرعةِ الضباب
ويترككَ تتساءل وهل يروي ظمأ الحياةِ ماءٌ سراب؟
يساوركَ فرحٌ يساوركَ ألقٌ
وهو يمد يداً ليهديك ورداً ملّ الندى
تتنفسُ الخزامى بلا عبير
وهو يخنقُ فيك الصبح من قبلِ أن يولدا.

(4)
طفلةٌ راحت تلَوحُ بضفائرها لتُريَ السحاب
أنها ملّت مفردةَ العذاب
لونَ الرمال، صوتَ البحار
عجوزٌ هجرها الشباب
زوايا استوطنتها العناكب
بعدما كانت للفرحِ مكان
تغزلُ بين الرموشِ سلالم
لتوصلَ جزءاً من حكايتها إلى السحاب
تلعبُ بالرمال وتطاردُ العصافير
تركضُ على العشب وتسبقُ الريح
وتغفو ويغفو معها العصفور
يغفوان ولا يغفو الألم
لا ينتظرها لتستيقظ
يداهمها وهي ترسم شجراً فوق أنهار
ترسمُ وطناً خلفَ ستار
يداهمها الألم وهي تخط بأناملها الصغيرة كلمةَ عصفور
فتسقط بين واوٍ ونون كبحيرةٍ خلف تل تناساها الشروق.

(5)
قد تقضي العمر بين هذا الشخص وذاك... تُقدم الأفضل وتتفانى في العطاء ومن ثم تصفع من هنا وهناك، وكنت تجاهلت شخصاً أحق منهم جميعاً، شخصاً يئن بداخلك ولا أحد يسمعه حتى أنت رغم قُرب المسافةِ بينكما، هو أولى من يعطى وأولى من يُسعد، فوحده من ستصحبه معك في أفراحك وأحزانك، في سلمك وحربك. وحده سيكون شراعك وقنديلك في رحلة الحياة فرفقاً به.
افتح قلبك لقلبك واحتضنه بدلاً من أن تتسول الحب من الآخرين فتُجرح مرة وتخزى مراراً...
جوعُ روحكَ لن يُشبعه أحدٌ سواك فاسقها الدرّ المصفى وانثر حوله زهر الليمون، لملم ما تبقى من خاطرك المكسور وانفخ فيه من روحك فلا أجمل من أن يكون من روحك لروحك سلام.

اقرأ أيضا