الاتحاد

تقارير

باكستان···حرب طالبانية على مدارس البنات

التطرف يصادر حقوق الفتيات في التعليم

التطرف يصادر حقوق الفتيات في التعليم

ما زلت أتذكر تلك الأيام الجميلة التي كنت أقضيها وأنا طفلة صغيرة في ''وادي سوات'' أثناء الإجازة الصيفية، وهي المحافظة الباكستانية الواقعة في المنطقة الشمالية الغربية بالقرب من الحدود والمعروفة لدى الباكستانيين بمناظرها الخلابة وبطقسها المعتدل خلال نهارات الصيف الحارة وببساتينها الغناء الزاخرة بأصناف شتى من الفواكه·
لكن اليوم يواجه ''وادي سوات'' ضغوطاً كبيرة في ظل الهجمات المتكررة لـ''طالبان''، بالإضافة إلى الحظر الذي فُرض مؤخراً على مدارس البنات في المنطقة· فحتى قبل فرض الحظر في 15 يناير الجاري أُغلقت أكثر من مئة ألف مدرسة للبنات في منطقة ''سوات''، فضلا عن 150 ألف مدرسة أخرى في المناطق القبلية بعد تعرض العديد منها للتفجير، أو الحرق، وهو ما حرم أكثر من مئة ألف فتاة من حقها في التعليم· وقد رافق ذلك تحذيرات أطلقها المتشددون عبر الإذاعة موجهة إلى الأهالي لعدم السماح بإرسال بناتهم إلى المدرسة، وإلا تعرضن للاعتداء بالحمض، كما هُدد المدرسون بالقتل إن هم قبلوا تدريس البنات في فصولهم·
والحقيقة أن التهديدات والهجمات لم تقتصر على فتيات المدارس، بل امتدت إلى النساء عموماً اللواتي أُمرن بارتداء النقاب، وصدرت توجيهات تطلب منهن عدم الخروج من بيوتهن إلا صحبة أحد أفراد عائلاتهن من الرجال، فضلاً عن تحريم حمل النساء لبطاقات الهوية التي تبرز صوراً لهن·
وفي هذا الإطار أيضاً تعرضت العشرات من النساء إلى إطلاق النار بسبب ما يسمى ''أنشطة غير أخلاقية'' مثل المساعِدة الاجتماعية، ''بخت زيبا''، ذات 45 عاماً التي كانت تدافع عن تمدرس الفتيات وترفض حرمانهم من حقهن في التعليم، ويبدو أن الأمور بمنطقة ''سوات'' الباكستانية وصلت إلى درجة من السوء تؤهلها للتنافس مع أكثر المناطق انغلاقاً وتشدداً في أفغانستان المجاورة وفي تسجيل أسوأ النقاط فيما يتعلق بحقوق المرأة· واللافت وسط هذا التشدد ضد النساء أن رد الحكومتين الباكستانية والأفغانية إزاء لجوء طالبان إلى ترويع السكان جاء متشابهاً إلى حد كبير، فقبل أشهر قليلة سعت أفغانستان إلى الدخول في مفاوضات مع ''طالبان''، رغم اشتراط هذه الأخيرة تطبيق الشريعة في البلاد·
وفيما لم تؤدِ تلك المفاوضات إلى نتائج واضحة يبدو أن باكستان على وشك الموافقة على تطبيق الشريعة في المناطق القبلية الخاضعة لحكم طالبان ضمن صفقة تعقدها الحكومة في إسلام أباد مع المتشددين·
وتشير التقارير إلى أن أكثر من سبعين محكمة تابعة لـ''طالبان'' تعمل حالياً في ''وادي سوات'' كخطوة أولى، كما أن انخراط الحكومة الباكستانية في مفاوضات حول هذا الموضوع يُظهر بوضوح عدم اكتراثها لما قد ينجم عن ذلك من نتائج وخيمة بالنسبة للنساء الباكستانيات·
أما فيما يتعلق بالنساء الأفغانيات والفتيات اللواتي يتطلعن إلى التعليم، فقد بات الوضع خطيراً للغاية بسبب استمرار الهجمات على المدارس والتضييق على المرأة مثل تعليق ''ملالاي جويا''، الزعيمة السياسية، لعضويتها في البرلمان بعدما وُجهت لها تهديدات بالقتل اضطرتها إلى الاختباء بعيداً عن الأنظار، كما أنه فقط قبل شهور قليلة قتلت ''ملالاي كبر'' التي كانت أبرز امرأة تتولى رتبة ضابط في الشرطة الأفغانية، وهو الوضع الذي يتعين على باكستان تجنبه وعدم الوقوع فيه·
لكن ما يجري حالياً في ''وادي سوات'' يستدعي رداً عاجلاً سواء من الحكومة الباكستانية، أو من المجتمع الدولي، ذلك أنه على باكستان أن تتحمل مسؤوليتها في حماية حقوق المرأة ومنع سيطرة فكر ''طالبان'' على البلد ونشرها لتصوراتها المتطرفة، وأي تدخل في هذا الإطار يجب أن ينسجم مع التزامات باكستان الدولية، وما ينص عليه دستور البلاد، فضلاً عن اتفاقيات حقوق الإنسان التي وقعت عليها·
ومع أن الحكومة الباكستانية أعلنت الأسبوع الماضي بأنها ستعيد فتح المدارس التي أغلقت في المناطق الشمالية بعد استئناف الدراسة خلال شهر مارس القادم، إلا أنه وبالنظر إلى خضوع تلك المناطق إلى السيطرة الفعلية لـ''طالبان'' فمن الواضح أن تطبيق تعهدات الحكومة سينطوي على صعوبات كبيرة·
وفيما كان الرئيس الأميركي أوباما يــؤدي اليمين الدستورية في 20 يناير الجاري أثنــــاء حفل التنصيب صوت البرلمان الباكستاني بالإجمــــاع على إدانة إغلاق ''طالبان'' للمدارس، واليوم يتعين على الحكومة الالتزام فوراً بتطبيق الإجراءات الكفيلة بضمان انتظام الفتيات في مدارسهن، فضــــلا عن تأمين الحمايــــــة لهــــن ســـواء داخــــل المــــدارس أو خارجها·
ومن المتوقع أن يعيد الرئيس أوباما التزامه بمساعدة باكستان التي وضعها في مقدمة الحرب على الإرهاب، وذلك بإحياء قانون ''كيري- لوجار'' الذي يتعهد بمضاعفة المساعدات غير العسكرية لباكستان بثلاث مرات خلال السنة الجارية· لكن لضمان عدم تكرار أخطاء الرئيس بوش يتعين على الإدارة الجديدة ليس فقط التأكد من سلامة صرف تلك الأموال، بل أن تقترن بقيام الحكومة الباكستانية بخطوات حقيقية لمنع تجذر ''طالبان'' في البلاد، وبخاصة الدفاع عن حقوق المرأة وصيانتها·

ياسمين حسن
محامية باكستانية وإحدى الناشطات المدافعات عن حقوق الإنسان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا