الاتحاد

تقارير

السجال الأوروبي حول سجناء جوانتانامو

وزراء الخارجية الأوروبيون غير متفقين على استقبال سجناء جوانتانامو

وزراء الخارجية الأوروبيون غير متفقين على استقبال سجناء جوانتانامو

لم يشتد خلاف الأوروبيين مع الولايات المتحدة الأميركية، بقدر ما اشتد حول معتقل جوانتانامو المخصص لسجناء الحرب على الإرهاب· فقد كان ذلك المعسكر العقابي محوراً لحركات الاحتجاج المعادية لواشنطن هنا، لكونه تجسيداً لصورة القوة الدولية المستأسدة، التي تلجأ لاستخدام وسائل التعذيب بغية الحصول على الاعترافات التي تريدها من المتهمين بجرائم الإرهاب· وضمن حركة الاحتجاج الواسعة هذه، طالب الاتحاد الأوروبي مجتمعاً واشنطن بإغلاق السجن· وها هو الرئيس الجديد باراك أوباما- الذي يحظى بشعبية واسعة في أوروبا- قد وقع يوم الخميس الماضي على أمر تنفيذي بإغلاق السجن خلال مدة عام، مع وقف إرسال أي معتقلين جدد إليه·
ويبدو هذا الأمر كما لو كان تحقيقاً لحلم أوروبي طال انتظاره· ولكن الحقيقة أن الأوروبيين لم يسارعوا لاستقبال أي عدد من معتقلي السجن، على رغم أهمية هذه الخطوة في إجراءات إغلاقه· وفي عشية اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين الذي عقد مؤخراً في بروكسل في السادس والعشرين من شهر يناير الجاري، وهو الاجتماع الذي ناقش هذه المسألة، سادت الخلافات الأوروبية أكثر مما ساد الاتفاق حولها· بل توقع المراقبون احتماء وزراء خارجية الدول التي تبدي استعداداً مبدئياً على الأقل، لاستقبال بعض معتقلي السجن ممن يشتبه بخطأ اعتقالهم في الأصل، بسبب جرائم الإرهاب المنسوبة إليهم، خلف الإجراءات والتكتيكات البيروقراطية الرامية لمنع بلورة موقف أوروبي موحد مساعد على إغلاق السجن· ولكل هذه الأسباب فربما يكون صعباً جداً على الأوروبيين توحيد رأيهم فيما يتصل بالتعاون مع واشنطن على إغلاق السجن·
ففي فرنسا وألمانيا، حيث كان صوت المستشارة أنجيلا ميركل، أول صوت أوروبي يطالب بإغلاق معسكر جوانتانامو، بدأت تتضارب تصريحات وزراء الخارجية والداخلية فيما يتعلق بمدى استعداد البلدين أو رغبتهما في استقبال عدد من معتقلي السجن· ''فنحن نعلم رغبة واستعداد كل من فنلندا وأيرلندا وألمانيا والبرتغال وبريطانيا والسويد· غير أن بعضاً من مسؤولي هذه الدول، يلمحون إلى ضرورة أن تعم هذه المساعدة كافة الدول الأوروبية، وفق قرار جماعي موحد يتخذه الاتحاد''· ذلك ما قالت به ''لوتي لايشت'' مديرة رقابة شؤون حقوق الإنسان بالاتحاد الأوروبي في بروكسل· ومضت إلى القول إن الأوروبيين صرحوا منذ عدة سنوات باستعدادهم لاستقبال بعض السجناء، فيما لو أكدت إدارة بوش عزمها على إغلاق السجن بما لا يدع مجالاً للشك لديهم· واليوم فقد برز واقع جديد في واشنطن إثر تولي رئيس جديد لمقاليد الرئاسة في البيت الأبيض· وعليه فإن قول بعض الدول باستعدادهـــا للمساعـــدة في حال كان القرار عاماً لجميع الدول الأوروبية، هو حجة غير مقبولة، لأنها لا تعبر عن رغبة صادقة في بذل مجهود جدي يهدف لإغلاق السجن·
يجدر بالذكر أن الجدل الأوروبي يدور تحديداً بشأن مصير 60 سجيناً فحسب من جملة السجناء البالغ تعدادهم 245 سجيناً، مع العلم أن هؤلاء الـ60 هم الذين أفضت مراجعة ملفاتهم وتقييم ظروف وأسباب اعتقالهم، إلى إخلاء طرفهم من الجرائم المنسوبة إليهم، ومن ثم تقرر إطلاق سراحهم نهائياً· ولكن المشكلة أنه يستحيل إرسالهم إلى دولهم الأصلية مثل الصين والجزائر وأوزبكستان وروسيا وسوريا وليبيا وغيرها من الدول التي يمكن أن تتعرض فيها حياتهم للخطر· يذكر أن البرتغال وسويسرا -والأخيرة ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي- أبدتا استعداداً لاستقبال بعض السجناء دون أي شروط مسبقة· كما رأى بعض الدبلوماسيين في تصريحات رئيس الوزراء الإسباني خوسيه مانويل ثاباتيرو الصادرة في الأسبوع الماضي في الاتجاه نفسه، خطوة إيجابية· أما هولندا فأكدت رفضها لتقديم أي مساعدة في هذا الجهد، بينما بدت تصريحات بعض المسؤولين النمساويين والدانماركيين سلبية فيما نقلته عنهم الصحف ومختلف وسائل الإعلام·
هذا ومن رأي بعض الدبلوماسيين الأوروبيين أن الوقت لا يزال مبكراً على إدارة أوباما· ولذلك السبب فهي لم تخاطب الأوروبيين رسمياً بشأن إعادة توطين سجناء جوانتانامو الذين سيفرج عنهم بعد، إضافة إلى أن الكثير من الدول الأوروبية، لا تزال في انتظار قراءة مجمل التغييرات التي تأتي بها إدارة أوباما في مجال العلاقات الأطلسية· إلى ذلك قال دبلوماسي أميركي مقيم في أوروبا: لقد سبق للأوروبيين أن رفضوا استقبال أي من السجناء في بادئ الأمر، إلا إنه يتوقع لهم أن يوافقوا في نهاية الأمر· ولن تتم هذه الموافقة الأوروبية إلا بعد تخطي العقبات القانونية والداخلية،على حد قول الدبلوماسي الأميركي·
وفي نظر ''تشارلس كوبشان''- خبير أوروبي يعمل بمؤسسة كارنيجي الوقفية للسلام في واشنطن- فإن مبادرة الدول الأوروبية لمساعدة الإدارة الجديدة في استقبال بعض السجناء، بما يمكنها من إغلاق السجن خلال المدة المقررة، ما يشير إلى حسن نوايا أوروبية، ويؤسس لبدء علاقات أطلسية جديدة مع واشنطن، مغايرة تماماً لما كانت عليه هذه العلاقات من توتر في ظل إدارة بوش السابقة· وبسبب ذلك التوتر والخلافات، امتنع الأوروبيون عن تقديم أي مساعدات في هذه المساعي للإدارة السابقة· وربما يلزم إدارة أوباما التحلي ببعض الصبر على هذا التعثر الأوروبي، في أمر لا تستطيع الدول الأوروبية منفردة اتخاذ قرار فيه، دون إجماع الاتحاد الأوروبي الذي يعود له القرار النهائي في مثل هذه القضايا التي تمس أمن وسلامة دوله كافةً· ويواجه الاتحاد مشكلات داخلية أكثر إلحاحاً، ليس أقلها أزمة واردات الغاز الروسي إلى دوله·

روبرت ماركواند- باريس
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا