الاتحاد

تقارير

أميركا.. العنصرية في عهد «إعادة الإعمار»

تحتفل الولايات المتحدة هذه الأيام بحلول الذكرى الخمسين بعد المئة لانطلاق مشروع إعادة الإعمار، الذي بدأت بتنفيذه عقب الحرب الأهلية التي انتهت بفوز الأميركيين الأفارقة بحقوقهم المدنية والسياسية الكاملة. وكان نحو 200 ألف منهم قد شاركوا في تلك الحرب بما جعل من العسير إنكار وجودهم كقوة فاعلة في المجتمع الأميركي.
وتقتضي المراجعة المتأنية للنسق الذي ميز تنفيذ هذا المشروع، التوقف عند بعض السلبيات التي رافقت إعادة الإعمار وقد تناولها المؤرخ «دو بوا» في كتاب نشره قبل 80 عاماً تحت عنوان «الإعادة السوداء للإعمار» Black Reconstruction حيث افتتحه بجملة معبّرة تقول إنه: «لا يمكن للمرء أن يبحث في فترة إعادة الإعمار من دون مواجهة الحقائق المتعلقة بالنفاق العالمي». ونستعرض فيما يلي بعض المغالطات التي يقع فيها الأميركيون عندما يحاولون استقراء الأحداث والظواهر التي رافقت تلك الفترة.
وتكمن أولاها في أن فترة إعادة الإعمار تلك انطوت على الكثير من عناصر الفشل. وكُتب لهذه الحقيقة أن تحتل مكانة طاغية في أوساط الرأي العام الأميركي منذ عام 1890 وحتى عام 1940، عندما بدأت الأحداث العالمية وموجات الهجرة الجماعية بإعادة تشكيل موقف أميركا من قضية «العِرق» و«العنصرية». وخلال هذه الفترة، المعروفة في أوساط المؤرخين بأنها تمثل البداية الأولى لانتشار النزعة العنصرية في التعامل بين الناس، أصبح الأميركيون عنصريين إلى أبعد الحدود. وأصبح سكان الولايات الشمالية ينغلقون على أنفسهم ضمن «مدن غياب الشمس» عندما حظروا على الأميركيين الأفارقة (وأحياناً اليهود وغيرهم) الظهور في الشوارع بعد حلول الظلام.
ويشاع أيضاً أن الأميركيين الأفارقة قد سيطروا على الولايات الجنوبية خلال فترة الإعمار. وقد ورد الحديث عن هذه الظاهرة في كتاب «تاريخ الميسيسيبي» الذي صدر في ستينيات القرن الماضي وقد وصف حقبة إعادة الإعمار بأنها «فترة حكم الزنوج». وكانت هذه المزاعم شديدة التأثير على الرأي العام في الولايات الجنوبية. وعندما سألت مشاركين في ندوة عقدها صيادو الأسماك في بلدة «توغالو» بولاية الميسيسيبي عام 1969 عما حدث أثناء فترة إعادة الإعمار، أجابني 16 من أصل 17 مشاركاً في الندوة ممن وجهت إليهم السؤال ذاته بأن السود نجحوا في السيطرة على الحكومات المحلية للولايات الجنوبية. ولكن، وبحكم حداثة عهدهم بأمور السياسة، وبما أنهم قد تحرروا من عبوديتهم منذ وقت قريب، لم يتمكنوا من الاحتفاظ بالسلطة وتخلوا عنها لمصلحة البيض.
وأدى هذا الزعم بسيطرة السود على مرافق الحياة في الولايات الجنوبية خلال فترة إعادة الإعمار، إلى خلق جو من الرعب بين الجنوبيين البيض، حتى أن كتاب «تاريخ الميسيسيبي» يصف هذه الفترة بصراحة أكثر حيث جاء فيه: «لقد كانت إعادة الإعمار هي المعركة الأكثر سوءاً من الحرب الأهلية ذاتها. صحيح أن العبودية انتهت، إلا أن مشكلة الزنوج ظلّت قائمة». ولا يزال الخوف من «سيطرة السود» قائماً حتى الآن في أوساط البيض من دعاة العنصرية. ومنهم على سبيل المثال، «ديلان روف» الذي قال صارخاً في أوجه رهط من السود تجمعوا قبالة كنيسة في مدينة «شارلستون» بولاية نورث كارولينا: «أنتم تسعون للسيطرة على بلدنا».
ويتردد أيضاً في أوساط المؤرخين أن سكان الولايات الشمالية حاولوا استغلال مشروع إعادة الإعمار لتحقيق التفوق على الولايات الجنوبية والاستفراد بالثروات. ولا يزال العديد من الأميركيين على قناعة بهذه الحقيقة، حتى أن الرئيس الراحل جون كينيدي تحدث عنها ذات مرة عندما قال: «ما من ولاية عانت من تلك الفترة مثل ولاية الميسيسيبي».
وفي تلك الفترة، لم يكن أمام منظّري «الحزب الجمهوري» إلا «التلويح بالقميص المخضب بالدماء» من أجل التغطية على مشكلة افتقارهم للسياسات الموضوعية الفاعلة. وكان شعار «التلويح بالقميص الدموي» محاولة للفوز بأصوات الناخبين عبر الأطروحات والشعارات الديماغوجية الخرقاء. وكانوا لا يكفّون عن شجب وإدانة أفعال وممارسات يقترفها معارضوهم على رغم أنهم لم يقترفوها بالفعل. وكانت بداية هذه المزاعم الملفقة وأخطرها، تلك التي اتهم فيها «الجمهوريون» منافسيهم «الديمقراطيين» بارتكاب مجازر فظيعة عقب نهاية الحرب الأهلية. وكان كينيدي ذاته قد تطرق لهذه الممارسات مرات عديدة عندما كان رئيساً.
وها نحن اليوم تحت حكم رئيس أسود، على رغم أننا لم نتمكن حتى الآن من تجاهل الحقائق المتعلقة بالممارسات العنصرية أثناء فترة إعادة الإعمار.

* أستاذ زائر في علم الاجتماع بجامعة «فيرمونت»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا