الاتحاد

دنيا

التفحيط «لعبة موت».. تبدأ لهواً ثم هواية فإدماناً

اعتاد سالم كل مساء أن يقدم عرضه المميز، «التفحيط»، وسط تصفيق وتصفير من أصدقائه الذين يعشقون هذه الهواية. هو يملك سيارة خاصة يقدم من خلالها حركاته البهلوانية والطائشة، ولا يعجبه القيام بتلك الاستعراضات الجنونية، إلا في منطقة خالية تكون مكونة من الرمال الذهبية أو الإسفلت.

يشرح سالم أحمد طريقة التفحيط قائلا: «يكون ذلك بالضغط الشديد على فرامل السيارة خلال السواقة، والدوران بالسيارة حول نفسها 180 درجة، والعودة مرة أخرى مع صراخ العجلات والكثير من الغبار، وزيادة السرعة، وصياح الأصدقاء الذين يسعدهم ابتلاع تراب «المفحط».
لكن سالم ليس الشاب الوحيد الذي يحب المغامرة والإثارة والتحدي، بل هناك الكثير ممن يقومون بحركة التربيع والتخميس والسلسلة والاستفهام، وصولاً إلى حركة الشرارة والعقد وسير المركبة على عجلتين، حتى إدراك مرحلة ابتكار»حركة الموت».
التفحيط عند الشباب تحول اليوم من مجرد لعبة إلى هواية تكثر ممارستها في آخر الليل وقبل الفجر، حين تخلو الشوارع من المارة.

فرملة فجائية
كشاب شاهد وحضر الكثير من تلك الحركات التي يقوم بها الشباب، يقول عبدالله المنصوري ( موظف): «التفحيط لمن لا يعرفه هو شكلٌ متطورًٌ عن التشفيط بالسياره، فالسائق هنا لا يكتفي بالانطلاق والفرملة الفجائية، بل قد يقود سيارته بشكل جانبي على عجلتين، أو يهوي بها من على تلة شديدة الانحدار، والتفحيط عموماً هو اتباع كل أساليب القيادة الأشد خطراً التي يمكن أن تخطر على بال السائق».
يسترسل المنصوري ويضيف: «يهوى شباب الخليج هذه الرياضة، لإنها تعتبر في نظر الممارسين مثيرة، وفي كثير من الأحيان يتحول المكان الذي يختاره السائقون لممارسة التفحيط إلى استعراض يجذب المئات من المتابعين، ومن أجل ذلك أصبح عشاق التفحيط يطالبون بتخصيص أماكن لممارسه هذه الهواية توفر لهم وسائل الأمان، وبالتالي تخفيف نسبه المخاطر التي قد يتعرض لها المفحّط، أو جمهوره».
ويلفت عدنان السيد( طالب ثانوي)، إلى استشراء تلك الظاهرة في صفوف الشباب وبخاصة في الإجازة الصيفية وفي وقت الفراغ، فيقول: «يفضل هواة التفحيط استخدام سيارة مستأجرة، لكونها مؤمّنة من قبل الشركة المؤجرة، ولعدم التعرف على السائق من قبل المرور، وأيضاً تلافياً لحدوث أضرار تلحق بسيارة السائق». موضحاً أنَّ فئات الدفع الرباعي عموماً، وسيارات السيدان الكبيرة، خاصة فئة «تويوتا كامري» تمثل السيارات الأكثر تفضيلاً لدى سائقي التفحيط».

مشاهدة فقط
«أشعر بمتعة غريبة وعجيبة حين أشاهد شاباً يقوم بالتفحيط بسيارته أو دراجته»، يصف أحمد الحباي شعوره حيال المشهد المثير قائلاً: «أعتبر نفسي من أكثر الناس الذين يحرصون على متابعة التفحيط حيثما كان، وحرصي على ذلك هو من قبيل البحث عن التسلية، وتمضية وقت الفراغ، ولكني لا أجيد التفحيط ولا أريد أن أتعلم كيفية ممارسته، فأنا أكتفي بالمشاهدة فقط، ولا أنكر بأنني أعتبر بأن من يقوم بهكذا عمل مجرد شخص متهور، يخاطر بحياته وفق سياق من اللامبالاة وانعدام المسؤولية.
لكن لعبدالله الرميثي رأياً مختلفاً عن مثيله الحباي، حيث يقول: «هي ظاهرة تحظى بانتشار غير طبيعي في دول الخليج، ولابد من معالجتها من قبل الجهات المعنية، ومن الأفضل أن يتم احتضان مواهب الشباب في قيادة السيارات والاستعراض بها من خلال توفير أماكن خاصة لذلك مثل إمارة رأس الخيمة وأم القيوين، حيث تم تخصيص مكان خاص لممارسة التفحيط». ويضيف: «مثل هذا الاحتضان سيبعدهم عن المهاترات وتعريضهم للخطر، ويساهم في الحد من هذه الظاهرة التي سلبت العديد من الأرواح».

طفح الكيل
بدوره يشكو راشد سيف المهيري من الإزعاج الذي يتسبب به بعض الشباب من ممارسي التفحيط في الأحياء السكنية، يقول عن ذلك وهو في قمة الضجر: «لقد طفح الكيل ، نشتكي أكثر من مرة من هذا الإزعاج المتكرر من صوت تفحيط السيارات، والشباب غير مبالين، فهم يشعرون بالسعادة حين يقومون بهذه الحركات في الليل، متناسياً نوم الأطفال وكبار السن».
يصمت المهيري قبل أن يتذكر تجربة شخصية لا تخلو من قسوة: «جراء هذا التصرف، صدم أحد الشباب سيارتي وفر هارباً، وقمت بإصلاحها على نفقتي الشخصية، وتحملت تكاليفها بسبب لحظة طيش من شاب متهور غير مبال بالآخرين، إن كل ما أتمناه أن تقوم الجهات المسؤولة بمعاقبة المتهورين والمفحطين».

ألقاب متعددة
يلقب المفحطون أنفسهم بألقاب غريبة، والكلام لسعيد حسين الذي يقول: «بالفعل أصبح الكثير من الشباب المفحط يلقب نفسه بألقاب عجيبة وغريبة، كل ذلك من أجل لفت الأنظار إليهم، فهناك من يدعي نفسه مثلاً «راعي الهامر»، «الإمبراطور»، «موقوف»، «محترف»، «شعشبون». مضيفاً
«هذه الألقاب تجلب لهم الشهرة بين بعضهم البعض في الفريج، وتزيد من نسبة الإقبال على نشاطاتهم المدهشة، حتى أن بعض المتفرجين يتباهى بصداقته لبعض المفحطين».

تجربة وعبرة
من جانبه يلفت خالد محمد بن ذيبان (موظف)، إلى أن التفحيط ظاهرة مخيفة، يراها بعض الشباب مغامرة، وتعبيراً عن النفس، وتحدياً للذات والآخرين، في حين يراها الآخرون لعبة للموت ومغامرة بالحياة. يذكر خالد الأسباب التي تدفع الشباب نحو هذه اللعبة الخطيرة، فيقول: «حب الظهور والشهرة، الفراغ، التهور وعدم المسؤولية، ورفقة السوء». وبرأيه فإنَّ لذلك أضرارا عدة يذكر منها: «تعريض حياة المفحط والآخرين للخطر، إضافة إلى خسائر مادية في الممتلكات الخاصة والعامة». ويقول ابن ذيبان: «حتى يتم القضاء على هذه المشكلة، لابد من رفع الوعي بين الشباب وتحميلهم المسؤولية من قبل ولي الأمر، وعلى الجهات الأمنية دور مهم في التصدي لهذه الظاهرة، من خلال وضع مخالفات وعقوبات صارمة على الأشخاص المتهورين».
من جهته يروي ياسر خليفة حادثة مأساوية نجم عنها موت أحد أقاربه جراء التفحيط، يقول عن هذه الحادثة فيما علامات الندم والحزن واضحة في عينيه: « كنت من أشد المعجبين بالمفحطين، وأكثر من يقوم بالتفحيط بين شباب الحي الذي أقطن فيه، وفي أحد الأيام جاءني خبر وفاة أحد أقاربي بسبب التفحيط، حيث تعرض لحادث أثناء قيامه بممارسة التفحيط، ومنذ ذلك اليوم تركت هذه الهواية القاتلة ولم أعد أمارسها أو أشاهد ممارسيها، وأتمنى أن يهجر الشباب ممارستها للأبد».

نقص رجولة
لهذا الهوس تحليل آخر لدى الاختصاصية النفسية فاطمة سجواني، التي تعلق على هذه الظاهرة بالقول: «التفحيط ظاهرة منتشرة في أوساط الشباب، هذا الهوس الذي انتشر بين شبابنا وجعلنا نفقد بعضهم بالحوادث المؤلمة، فكم من أشخاص ماتوا، وكم الذين أصبحوا معاقين جراء الإصرار على تلك الظاهرة».
تتابع سجواني حديثها موضحة أسباب ميل الشباب إلى التفحيط، فتقول: «ضعف الوازع الديني، وغياب الوعي عن هؤلاء الشباب الذين يمارسون التفحيط، وحب الشهرة والبروز ولفت الأنظار والرغبة في المخاطرة، ومحاولة تعويض النقص، وإثبات للرجولة عن طريق خاطئ، إلى جانب ضعف الرقابة الأسرية، وأصدقاء السوء والفراغ، كلها أسباب تجعل الشباب يمارس هوايته تلك بدون خوف أو تردد، فالمهم عنده أن يرفه عن نفسه من خلال قيامه بالتفحيط ولو كلفه ذلك حياته».
لكن سجواني تستدرك قائلة: «عندما تسأل المفحط لماذا تقوم بذلك؟ يرد بكل ثقه أن التفحيط هواية تحتاج إلى إتقان، لذلك لابد أن يعلم الجميع أن من يقوم بالتفحيط هم شباب متهورون، وفاشلون، ومدللون، يمارسون بعض الحركات الجنونية، بطريقة مثيرة وغريبة». وتتوجه سجواني بالنصيحة، فتقول: «لابد من وجود قوانين وعقوبات رادعة تمنع هؤلاء الشباب الطائشين من ممارسة لعبة، تكون نهايتها في أحضان الموت»

اقرأ أيضا